مقالات

في الذكرى الثامنة والسبعين للتأسيس -مواجهة التشويه والتمسك بالمباديء- بقلم محمد حلاوي-طليعة لبنان –

بقلم محمد حلاوي-طليعة لبنان -

في الذكرى الثامنة والسبعين للتأسيس -مواجهة التشويه والتمسك بالمباديء-
بقلم محمد حلاوي-طليعة لبنان –
في ذلك السابع من نيسان 1947 ، هتافات هدرت بها الحناجر في قلب دمشق: امة عربية واحدة ذات رسالة خالدة … وحدة حرية اشتراكية .
مهما قيل في الماضي البعيد او يٌقال في الزمن الحاضر او حتى سيُقال في المستقبل القريب او البعيد عن حزب البعث العربي الاشتراكي ، يبقى دائما ذلك التاريخ في قلوب العرب وذاكرتهم ، ليٌضيف ربيعاً نيسانياً آخر ذي رونقٍ وبهجةٍ ، الى ربيع الطبيعة الشامية بحدائقها وروضاتها الغنّاء الغنيّة بالزهور والورود الفوّاحة بالروائح العطرة، مهما جارت عليها الايام !!!، لتتكامل قدرة الله الخالق مع رؤية المؤسسين الاوائل ، ولتؤكد على تماهي فرح الأمة مع جمال الطبيعة ، مبشّرة بمستقبل وحدوي زاهر ومصير مشترك تتعانق فيه هبة الخالق وبدعة المخلوق .
بمقدار ما تبدو المناسبة مفرحة ودافعة الى مزيد من العطاء والتضحية ،فهي موجعة في آن؛ حيث تستعيد الذاكرة إنجازات البعثيين ونجاحاتهم على اختلاف مراتبهم ومسؤولياتهم، بما تحمل معها كمّاً هائلاً من الحنين إلى أيام مجيدة شهدت محطات زاخرة حافلة بمواقف نضالية مليئة بالتضحيات التي بلغت الاستشهاد، وقد تحقق فيها الانتصارات على اعداء الأمة في كثير من مواقع وساحات معارك الدفاع عن المصالح الوطنية والمصلحة القومية العليا.
تبقى هذه المناسبة العزيزة على كل بعثي ووطني وقومي ، تشكّل حدثاً قومياً لحزب حي مولود من نبض الناسِ وراسخ في الوجدان العربي؛ كون هذا الحزب يحمل لواء الرؤية القومية الجامعة لكل العرب مستلهماً ومجسّداً ما يتوقون إليه من وحدة الموقف والتطلعات المشتركة لإقامة المجتمع العربي الديمقراطي العلماني المتحرر من الهيمنات الاستعمارية، في رحاب من الحرية والعدالة والمساواة في الحقوق والواجبات بين ابناء الوطن الواحد، بمعزل عن أي إعتبار او توجّه او فعل عنصري عرقي طائفي او مذهبي.
اليوم وبعد ان فقد الحزب على طريق مسيرته النضالية مشاعل من رواّده ومؤسّسيه وقيادييّه وسواهم من مختلف الرتب والمواقع، ومع تجدّد الأزمات وتفاقمها ، يبقى أرثه المليء بالتضحيات والقيم، بفعل القابضين على الجمر، بالحكمة والتبصُّر، الأوفياء للمسيرة ، منارة للأجيال ودرساً يحتذى ، بأن النضال من اجل المبادئ والاهداف لا ينتهي برحيل الرواّد الأوائل والقادة التاريخيين أو بانتهاء حكم وفقدان سلطة ، وكما قال القائد المؤسس الاستاذ ميشيل عفلق : ” ان فكرة الحزب هي من معدن هذه الأمة العربية لا يسهل القضاء عليها وليس من السهل ان تُجتث او تُقتل ” لذلك ان البعثيين بعقيدتهم المتجذّرة في القلوب والعقول المشبعين بحب الأمة العربية المؤمنين بعظمتها قادرون على الصمود والتحدي ومواصلة درب النضال ومقارعة الأعداء المتعددي المشارب والمواقع والادوار المتعاقبين على مر الأزمان والمتغيرات، سواء كانت قريبة أو بعيدة، اقليمية او عالمية. ولن يخطئ البعث في تحديد هؤلاء الأعداء مخطّطي وسائل تفتيت الأمة وإضعافها ؛ اذ لا فرق بين رئيس وزراء بريطانيا كامبل بانرمان عام 1907 وترامب عام 2025 وغيرهما، حيث مبتغاهم الحاقد هو ذاته ؛ استهداف الوطن العربي بناسه وموقعه وخيراته بدءاً بفلسطين. وهذا ما نبّه اليه الأستاذ ميشال عفلق منذ التأسيس ، رافعاً الصوت عالياً : ( ان فلسطين هي قضية وطنية بقدر ما هي قضية قومية في الآن ذاته ؛ مصيرها ينسحب على بقية اقطار الوطن . وان تحريرها من براثن الاحتلال الصهيوني ليس مهمة شعب فلسطين فقط ، بقدر ما هو مهمة ومسؤولية العرب كلهم .) الأمر الذي اكّد عليه المؤسس القائد في أكثر من مناسبة ، بقوله :” ان الوحدة هي طريق فلسطين وفلسطين هي طريق الوحدة ” . الأمر الذي كان وما يزال ضابط وبوصلة الحزب في تعامله مع متطلبات القضيه الفلسطينية والقضايا الوطنية والقومية الأخرى ، متمسكاً بالمبادئ والشعارات التي جسّدها بالمواقف والأفعال في مختلف المراحل والتحولات ، سواءً على المستوى الرسمي ابّان حكم البعث في سوريا بين العامين 1963 و 1966 او مشاركته الحكم في العراق في فترات متقطّعة قصيرة منذ أواخر خمسينيات القرن الماضي دون ان يكون له آنذاك الكلمة العليا في إتخاذ القرارات في إدارة الحكم ، خلافاُ لما حصل لاحقاً إبّان تسلُّمه زمام السلطة بمسؤولياتها الكاملة منذ ثورة 1968 وحتى تاريخ الاحتلال الأمريكي للعراق في العام 2003 ، بتواطيء من حكم الملالي في إيران ، حيث الوقائع بالإنجازات الوطنية والقومية شاهدة على ذلك ، ناهيك عن مواقفه النضالية قبل وصوله الى السلطة في سوريا والعراق حيث شكّل رافعة النضال الجماهيري آنذاك إنطلاقاً من موطن التأسيس، إضافةً الى مناهضته الاستعمار الأجنبي ومقارعته الحكومات المتعاقبة في حكم سوريا بمواقف موحًدة مع القوى الوطنية والقومية الأخرى ، ملاقياً الرئيس جمال عبد الناصر في توجّهه القومي وبالذات التوجُّه المتعلّق بقضية فلسطين ، حيث توجّاه بإقامة دولة الوحدة في العام 1958 بين سوريا ومصر ، فضلاً عن مناهضته للأحلاف الاجنبية المهيمنة على منطقتنا العربية ، في خمسينيات وستينيات القرن الماضي ، لاسيما حلفي بغداد والناتو، وكذلك المشاركة في الانتفاضات لإسقاط الأنظمة العربية الرجعية او دعم الثورات المناضلة للتخلص من الاستعمار الاجنبي كثورة المليون شهيد في الجزائر.
في حين يعلم القريب والبعيد ان ما حققه حزب البعث في فترة حكمه في القطر العراقي من انجازات داخلية تفاعلت قوةً وسنداً للواقع القومي العربي ابتداء من تاميم النفط وإقامة الحكم الذاتي للأكراد في شمال البلاد والمشاركة الفاعلة لجيشه على جبهه الجولان السورية في حرب اكتوبر 1973 ، حيث حال دون سقوط العاصمة دمشق في قبضة الصهاينة ، فضلا عن انتصاراته المجيدة في حرب الجبهة الشرقية بين العامين 1980 و 1988 . من المؤسف ان تنجرّ جهات واقلام في الداخل العربي بالتماهي مع قوى خارجية معادية ، في تجاهل متعمّد للتاريخ النضالي للبعثيين المتجذُّرين في وطنهم وأرضهم ؛ مردّدة خطابات وعبارات الكراهية الممجوجة والدنيئة المسيئة لسمعة الحزب ، حيث لم تألُ جهداُ أوتفوّت مناسبة او تترك وسيلة إلاّ وأطلقتها لتشويه مواقفه وزعزعة ثقة الجماهير بقياداته وكوادره وأعضائه ، وطمس المكتسبات والمنجزات التي حققها ؛ مما أدّى إلى تفريخ تنظيمات طائفية مذهبية وتكفيرية وعنصرية ، وتنصيبها على المسرح السياسي العربي .
وقد يكون من المناسب التذكير على سبيل المثال وليس على سبيل الحصر، ببعض انجازات حكم البعث في القطر العراقي وارتداداتها عل المستوى القومي ، منها :
– تأميم النفط في العام 1972 – منح الاكراد حكما ذاتيا في العام 1970 – تحويل اللغة الكردية الى لغة ثانية – القضاء على الأمية حتى انخفض معدلها الى ما دون العشرة بالمائة -اصدار قانون الزامية التعليم حتى المرحلة الثانوية وبناء المدارس في مختلف المحافظات – جعل التعليم الجامعي مجانياً وإنشاء مراكز البحث العلمي
(طب، هندسة ، كيمياء ، فيزياء ، رياضيات ، الكترونيات ، فنون ولغات وآداب وغيرها) ممّا أدّى الى تخرٌّج أساتذة وحملة شهادات عالية وعلماء متخصّصين في مجالات علمية متطورة – إصدار قانون إلزامية التعليم حتى المرحلة الثانوية وإنشاء المعاهد الفنية في مختلف المحافظات العراقية ، – انشاء المؤسسات الصحية والاجتماعية في بغداد وسائر محافظات العراق – توفير التأمين الصحي ومجانيته – توفير الرعاية الاجتماعية للمعوزين ولأسر الشهداء والأرامل وذوي الإحتياجات الخاصة – دعم المواد الغذائية وإعتماد البطاقة التموينية – منح الفلاحين اراضي زراعية وتزويدهم بالمعدات والآليات – إقامة منشآت صناعية لتخفيف الاستيراد من الخارج – اصدار قانون يضمن الحقوق المدنية للمرأة ويكفل مساواتها بالرجل – انشاء مؤسسات التصنيع العسكري وتطوير اوضاع القوى المسلحة ، مما جعل العراق قوة اقليمية عظمى ،تشكّل عاملا هاما للتوازن خاصة مع القوة العسكرية للعدو الصهيوني – انشاء الإتحادات والجمعيات والنقابات والغرف التجارية والصناعية والزراعية – انشاء شبكات الطرق والجسور وتطوير خطوط السكك الحديدية – بناء المجمّعات السكنية وتوزيع الدور السكنية مجاناً على المواطنين ….
مع ذلك انه وفق رأي القائد المؤسس الاستاذ ميشيل : “ان الحزب يضم بشراُ والبشر يخطئون ويتهاونون ويتكاسلون وتطرأ عليهم نقاط الضعف التي تصيب كل انسان . ” ، مستطردا انه ” بجانب ثقتنا بحزبنا والى جانب ثقتنا بشعبنا يجب ان تكون في نفوسنا القدرة على إعادة النظر دوماً في سيرنا ونهجنا وتفكيرنا ، حتى يكون تفكيرنا ناضجاً أصيلاً ، وحتى لا تطغى عليه السطحية والتقليد ” ؛ فثقافة المحاسبة وممارسة النقد والنقد الذاتي وإعادة النظر هي من اركان العمل الحزبي الذي يفعّل التجربة ويرفدها بعوامل التجديد والتطوير.
غير انه كما أن الامة العربية ضحية أعظم ظلم عرفه هذا العصر، فان حزبنا عانى وما زال يعاني كذلك ، فحزب البعث لم يسقط او يُجتث بسبب خطأ حصل في هذا المجال او ذاك في الممارسة ، بل ان الذي اودى بحكم البعث هو تكالب الاعداء من قوى خارجية اقليمية ودولية سخّرت شللاً من ذوي النفوس الضعيفة الفاسدة لتحقيق اهدافها ومآربها في الاجهاز على هذه المؤسسة القومية التي جعلت العراق دولة إقليمية مٌهابة شكلت فارقاً نوعياً ايجابياً في تطور الامة ومقارعة الاعداء ، فاختلست اسم الحزب حيناً في ذات ليل، وطاردت البعثيين أحياناً بشتى وسائل الاضطهاد والقمع والإجرام ودفعت ببعضهم إلى غياهب السجون والاستشهاد .
رغم ذلك سواءً مع الذين عايشوا حزب البعث العربي الاشتراكي ووعوا عقيدته ومبادئه وأهدافه وإنجازاته، او حتى الذين فاتهم المساهمة عن قرب بإنجازاته الوطنيه والقومية السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية والعسكرية ، يبقى هذا الحزب أصيلاً عابراً للحقب والتحوُّلات ، وسيبقى المنارة الرمز في مسيرة النضال ، مدافعاً عن وحدة الأمة ومتصدِّيا لأعداء الوطن على إمتداد جبهاته الأربع . وقدرُ البعثيين الصبر والصمود والمواجهة .
وللمؤسسين الأوائل والشهداء المجد والخلود، ولمواصلي المسيرة التحية والتقدير .
محمد حلاوي
عضو قيادة قطرية سابقا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Thumbnails managed by ThumbPress

جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب