زيارة هنغاريا: كسر التابو ورتق الغطاء الأوروبي لحرب الإبادة

زيارة هنغاريا: كسر التابو ورتق الغطاء الأوروبي لحرب الإبادة
نتنياهو يبغي من هذه الزيارة فك الحصار من حوله عبر اختراق الإجماع الأوروبي، وفتح الطريق أمام دول أوروبية أخرى وازنة لترجمة تصريحاتها المتعلقة بعدم احترام قرار محكمة الجنايات الدولية، والامتناع عن تنفيذ أمر اعتقال نتنياهو…
لا هدف سياسي لزيارة نتنياهو إلى جمهورية المجر (هنغاريا) يتعدى غاية الزيارة بذاتها، وهي كسر “التابو” الذي فرضه عليه أمر الاعتقال الصادر بحقه من قبل محكمة الجنايات الدولية في لاهاي، عن طريق دولة أوروبية هي عضو في محكمة الجنايات الدولية (حتى لحظة الزيارة) وعضو في الاتحاد الأوروبي.
ويأتي استقبال هنغاريا لنتنياهو بعد بضعة أيام من استئناف حرب الإبادة على غزة، والتي حصد الجيش الإسرائيلي في ضربتها “الافتتاحية” الأولى 300 امرأة وطفل فلسطيني، أضافهم إلى سجله الإجرامي الأسود الذي يضم عشرات آلاف النساء والأطفال الفلسطينيين الذين قتلهم في الحرب.
نتنياهو يبغي من هذه الزيارة فك الحصار من حوله عبر اختراق الإجماع الأوروبي، وفتح الطريق أمام دول أوروبية أخرى وازنة لترجمة تصريحاتها المتعلقة بعدم احترام قرار محكمة الجنايات الدولية، والامتناع عن تنفيذ أمر اعتقال نتنياهو في حال تواجده على أراضيها، بالنظر إلى القوة والاستقلالية التي يتمتع بها الجهاز القضائي في هذه الدول، والذي قد يصعب على قادتها تنفيذ القرار السياسي ذي العلاقة.
وتكفي الإشارة إلى أن رئيس وزراء المجر، فيكتور أوربان، الذي وجّه الدعوة لنتنياهو خصيصًا بقصد تحدي قرار المحكمة الجنائية رغم عضوية بلاده فيها، يحتل منصب رئاسة الوزراء منذ 15 سنة متتالية (منذ عام 2010)، فيما كان قد شغل هذا المنصب سابقًا لمدة أربع سنوات أخرى (1998–2002). وهو يحاكي نتنياهو ليس فقط في بقائه المتواصل في الحكم، بل في التحول العميق الذي حدث في فترة حكمه الثانية أيضًا، حيث جرت الإصلاحات الدستورية والتشريعية المثيرة للجدل، ولا سيما التعديلات الدستورية المتكررة، بما في ذلك تعديلات عام 2013 على الدستور.
أوربان هو أحد قادة اليمين الأوروبي، الذي ربما يشكل مصدر إلهام لنتنياهو في كل ما يتعلق بالحد من حرية الصحافة، وإضعاف استقلال القضاء، وتقويض الديمقراطية التعددية. وهو يعرض نفسه أيضًا كمدافع عن القيم المسيحية في وجه الاتحاد الأوروبي، الذي يصفه بأنه معادٍ للقومية ومعادٍ للمسيحية، فيما تُوجَّه لحكومته اتهامات بأنها حكومة كليبتوقراطية (حكم اللصوص)، ونظام هجين، ونظام حزب مهيمن، ودولة مافيا، وهي انتقادات قريبة من تلك التي تُوجَّه لحكومة نتنياهو داخليًا.
ورغم الانتقادات التي تُوجَّه للزيارة، والتي تصل إلى حد اعتبارها رحلة نهاية أسبوع زوجية ترفيهية، فإن نتنياهو يوليها أهمية خاصة فيما يتعلق باستمرار تأمين الغطاء الدولي الذي يوفّر له مواصلة حرب الإبادة على غزة في مرحلتها الثانية، التي قد تنطوي على المزيد من عمليات الإبادة الجماعية والتطهير العرقي وتهجير الفلسطينيين.
وبرغم المظلة الأميركية الواسعة التي تحظى بها إسرائيل في ظل حكم ترامب بشكل خاص، تبقى هناك حاجة لاختراق وتطويع الموقف الأوروبي وضمان استمرار تأييده وصمته عن جرائم الإبادة آنفة الذكر، وذلك لأهمية الموقف الأوروبي ووزنه كمؤشر أخلاقي يُعتد به.
وغني عن البيان أن إسرائيل ما كانت لتستمر يومًا واحدًا في حرب الإبادة الجماعية على غزة، لولا الغطاء الذي يوفّره لها الموقف الأميركي والأوروبي، ولولا ثقل هذا الموقف وقوة تأثيره وهيمنته المطلقة على العالم، والتي تحول دون بروز مواقف أخرى مناهضة، بما فيها الموقف العربي والفلسطيني الرسمي.
نتنياهو يقرأ جيدًا الموقف الدولي والعربي، ويدرك أنه أمام فرصة تاريخية ربما لن تتكرر للتخلص من “أعداء إسرائيل”، عبر القضاء عليهم أو إضعافهم إلى درجة كبيرة جدًا. وهو لن يُفوِّتها، خاصة وأن استمرار الحرب وتوسيع جبهاتها يخدم مصلحته الشخصية والحزبية، في إطالة أمد حكمه وحكم حزبه، وإضعاف خصومه الداخليين، وتحقيق الإصلاحات القضائية والإدارية المطلوبة التي تمكّنه من الهيمنة على مؤسسات الدولة.
وقد نجح، أو هو في طريقه إلى النجاح، تحت دخان الحرب، في تحويل مؤسسات الشرطة والجيش و”الشاباك” إلى مؤسسات موالية لنظام الحكم، وإضعاف القضاء والإعلام والأكاديميا، وإجهاض دورها كحصون للديمقراطية، الأمر الذي يمكنه من الإفلات من محاكماته الجنائية والسياسية.