الصحافه

التحول السوري الهش يحمل ملامح شرق أوسط مستقر ولكن بدعم أمريكا والغرب

التحول السوري الهش يحمل ملامح شرق أوسط مستقر ولكن بدعم أمريكا والغرب

إبراهيم درويش

نشر موقع مركز المجلس الأطلسي في واشنطن تحليلاً لتشارلس ليستر، رئيس المبادرة السورية في معهد الشرق الأوسط، قال فيه إن التحول السوري الهش يحمل بصيص أمل نحو شرق أوسط أكثر استقراراً.

وأوضح ليستر أن سوريا، وعلى مدى ما يقرب من نصف قرن، كانت جرحاً مفتوحاً في قلب الشرق الأوسط، ومصدراً دائماً لعدم الاستقرار، تغذي الصراعات وتقمع شعبها بوحشية. وزادت الحرب الأهلية، التي استمرت قرابة أربعة عشر عاماً، من تداعيات عدم الاستقرار على الدول المجاورة والعالم بأسره. وقد جسدت المقولة الشهيرة: “ما يحدث في سوريا لا يبقى في سوريا” واقع الحال خلال العقد الماضي، في ظل أزمة بدت عصية على الحل.

إلا أن كل ذلك تغيّر في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، عندما فرّ بشار الأسد من قصره في دمشق متوجهاً على نحو مفاجئ إلى منفاه في روسيا. وفي هجوم مفاجئ وسريع، تمكن تحالف من جماعات المعارضة المسلحة من الإطاحة بالنظام، الذي انهار كبيت من ورق خلال عشرة أيام فقط. وهكذا، أُتيحت للمجتمع الدولي فرصة تاريخية واستراتيجية لإعادة تشكيل قلب الشرق الأوسط، ليغدو أكثر استقراراً وتكاملاً وبناءً.

وأشار ليستر إلى أن المرحلة الانتقالية في سوريا لا تزال هشة للغاية، وتواجه تحديات جسيمة، وتمثل في الوقت ذاته معضلة حقيقية للمجتمع الدولي. فمنذ اللحظة الأولى، قادت عملية التحول هيئة تحرير الشام، التي كانت في السابق فرعاً لتنظيم القاعدة، ونشأت من رحم تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا، ما أثار مخاوف حول التعامل مع السلطات الانتقالية.

لكن هيئة تحرير الشام اليوم تختلف تماماً عما كانت عليه قبل عقد من الزمن. فمنذ انفصالها عن تنظيم الدولة عام 2013، أعلنت فك ارتباطها الرسمي بالقاعدة في 2016، وسمحت بدخول آلاف من القوات التركية (العضو في حلف الناتو)، ووافقت على اتفاق وقف إطلاق نار رعته تركيا وروسيا. كما أنشأت “حكومة إنقاذ وطني” في شمال غرب سوريا، وقدمت خدمات أفضل مما هو متاح في بقية مناطق البلاد. وشنّت حملة ضد عناصر القاعدة وتنظيم الدولة، وبدأت اتصالات مع المجتمع الدولي، وإن كانت من خلف الأبواب المغلقة.

شهدت أيديولوجية الهيئة تحوّلاً جذرياً منذ انفصالها عن القاعدة، مبتعدةً عن خطاب “الجهاد العالمي” بل ومناهِضة له، ومتبنيةً شعار “الثورة الشعبية ضد نظام الأسد”. هذا التحول هو ما دفع معظم الدول إلى التواصل مع الحكومة الجديدة بقيادة الهيئة والرئيس أحمد الشرع، بناءً على قناعة بأن الانخراط والتفاعل أكثر فاعلية من العزل في توجيه نتائج مرحلة انتقالية هشة.

شهدت أيديولوجية الهيئة تحوّلاً جذرياً منذ انفصالها عن القاعدة، مبتعدةً عن خطاب “الجهاد العالمي” بل ومناهِضة له، ومتبنيةً شعار “الثورة الشعبية ضد نظام الأسد”

في هذا السياق، خفف الاتحاد الأوروبي وبريطانيا وسويسرا العديد من العقوبات الاقتصادية، على أمل تحفيز إعادة الإعمار. أما إدارة بايدن المنتهية ولايتها، فقد أصدرت في كانون الثاني/يناير 2025 “ترخيصاً عاماً” مؤقتاً لمدة ستة أشهر، رفعت فيه بعض القيود، لكنه لم يُحدث تأثيراً ملموساً في تسهيل التعاملات مع المؤسسات الحاكمة في سوريا.

ومع ذلك، يبقى الوضع الاقتصادي كارثياً: يعيش 90% من السوريين تحت خط الفقر، ويعتمد 70% منهم على المساعدات، فيما فقدت الليرة السورية 99% من قيمتها، ودُمرت نصف البنية التحتية، وانخفضت إمدادات الوقود إلى شبه الصفر. وعليه، فإن تجاوز هذه الظروف شبه مستحيل من دون رفع العقوبات، حتى ولو جزئياً.

تستعد دول مثل السعودية وتركيا وقطر لتقديم دعم مالي واستثماري في مجالات النفط والكهرباء، لكنها عاجزة عن ذلك في ظل القيود الأمريكية. ويرى ليستر أن الاستفادة من اللحظة التاريخية التي شهدت سقوط الأسد، تتطلب التخلّي عن السياسات قصيرة الأمد، وتبنّي رؤية طويلة المدى تركز على الاستقرار السوري والإقليمي.

يعيش 90% من السوريين تحت خط الفقر، ويعتمد 70% منهم على المساعدات، فيما فقدت الليرة السورية 99% من قيمتها، ودُمرت نصف البنية التحتية

فبينما انحصرت السلطة الانتقالية في 8 كانون الأول/ديسمبر في يد هيئة تحرير الشام، تغير المشهد بعد ثلاثة أشهر، حيث عُقد حوار وطني ومؤتمر تأسيسي شُكلت على إثره لجان لصياغة إعلان دستوري، وأُعلنت حكومة انتقالية موسّعة. لم تضم الحكومة سوى أربعة وزراء من الهيئة من أصل 23، فيما كان أكثر من نصف الوزراء من ذوي التعليم العالي والخبرة المهنية في أوروبا والولايات المتحدة، في خطوة نحو حكومة تكنوقراطية حقيقية.

لكن رغم هذا التقدّم، لا تزال التوترات الاجتماعية والطائفية والسياسية قائمة، وقد ظهرت في تصاعد العنف خلال يومي 7 و8 آذار/مارس 2025، وإن لم يدم طويلاً. وشُكلت لجنة تحقيق حكومية لتحديد المسؤولين عن أعمال العنف. كما بقيت تحديات نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج، والمقاتلين الأجانب، وتنظيم الدولة، والمقاومة المسلحة العلوية قائمة. ومع ذلك، يبقى هذا التحول الهش أفضل أمل لتحقيق استقرار تدريجي.

ويواجه الغرب خيارين: إما دعم العملية الانتقالية في سوريا بشروط واضحة على أمل تعزيز الاستقرار والتوسع في التمثيل، أو الانسحاب ومخاطرة بعودة الفوضى. لا يخلو أي من الخيارين من المخاطر، لكن الانخراط يقدم فرصة حقيقية لتجنّب الأسوأ.

يرى الكاتب أن إعلان الرئيس دونالد ترامب، خلال زيارته إلى السعودية في أيار/مايو 2025، عن رفع جميع العقوبات عن سوريا، يشير إلى عودة الاستراتيجيا إلى صدارة السياسة الأمريكية. وأكد وزير الخارجية ماركو روبيو أمام الكونغرس لاحقاً أن الفشل في رفع العقوبات سيعيد سوريا إلى دوامة الحرب الأهلية. ويكمن العامل الحاسم الآن في مدى سرعة إصدار الإعفاءات التنفيذية التي ترفع فعلياً القيود الاقتصادية.

يواجه الغرب خيارين: إما دعم العملية الانتقالية في سوريا بشروط واضحة على أمل تعزيز الاستقرار والتوسع في التمثيل، أو الانسحاب ومخاطرة بعودة الفوضى

وقد أعطى قرار الاتحاد الأوروبي في 20 أيار/مايو برفع كل العقوبات دفعة قوية لهذا المسار. وإذا عاد الدبلوماسيون الأمريكيون إلى دمشق، قد تبدأ سوريا فعلاً بالتعافي.

في الأثناء، واصلت القيادة المركزية الأمريكية دورها في تسهيل المفاوضات بين قوات سوريا الديمقراطية ودمشق، وضغطت لإبرام اتفاق في آذار/مارس. كما جرت منذ منتصف كانون الأول/ديسمبر 2024 لقاءات بين القيادة المركزية والرئيس الشرع، إضافة إلى تنسيق أمني مع وزارتي الداخلية والدفاع لمكافحة تنظيم الدولة.

ومنذ كانون الثاني/يناير 2025، أحبطت الحكومة الانتقالية ثماني محاولات لتنظيم الدولة، وتعاونت مع الضربات الأمريكية بالطائرات المسيّرة التي استهدفت قيادات للقاعدة في شمال غرب سوريا.

في ظل اتجاه الولايات المتحدة لتقليص وجودها العسكري في الشرق الأوسط، وانشغال الناتو بالمخاوف الأوروبية، تبدو فرصة تحقيق استقرار في إحدى أكثر ساحات الصراع اضطراباً في التاريخ الحديث أمراً بديهياً. وعلى الرغم من حجم المخاطر، فإن الأولوية يجب أن تكون لتشكيل حكومة مركزية مستقرة، مندمجة في محيطها الإقليمي، وقادرة على حل أزماتها بشكل جماعي.

هذا هو الخيار الوحيد الواقعي المطروح. وهو الطريق الذي بدأت تسلكه أوروبا ودول المنطقة، ويجب على الولايات المتحدة أن تلتحق به. فإذا ما التزمت إدارة ترامب بهذا المسار، فإن احتمالات استقرار سوريا سترتفع بشكل كبير.

– “القدس العربي”:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب