رئيسيالافتتاحيه
تداعيات حجز أموال المقاصة: عام دراسي مهدد وصمت عربي أوروبي مريب

تداعيات حجز أموال المقاصة: عام دراسي مهدد وصمت عربي أوروبي مريب
بقلم رئيس التحرير
يدخل العام الدراسي الجديد في فلسطين وسط أزمة مالية خانقة تعصف بالسلطة الفلسطينية، بعدما واصلت حكومة الاحتلال الإسرائيلي حجز أموال المقاصة، في خرق واضح للقانون الدولي وللاتفاقيات الموقعة، وفي طليعتها اتفاقية باريس الاقتصادية. هذا الحجز لا يُعد مجرد خلاف مالي، بل هو عقاب جماعي ممنهج يستهدف شلّ قدرة الفلسطينيين على الصمود وضرب مقومات بقائهم.
انعكاسات هذه الأزمة تتجلى أولاً في التعليم؛ حيث يواجه آلاف الموظفين والأسر صعوبة في تلبية احتياجات أبنائهم من أقساط مدرسية وقرطاسية وملابس. ويتوقع أن تشهد المدارس والجامعات موجات انسحاب وتسرب، فيما يعاني المعلمون من تأخر الرواتب ما يهدد انتظام العام الدراسي. إنّ التعليم، باعتباره الركيزة الأساسية لبناء المجتمع، بات في صلب الاستهداف الإسرائيلي عبر سياسة التجويع والإفقار.
على المستوى الاجتماعي، فإن الموظف الذي لم يتقاض راتبه يجد نفسه عاجزاً عن الوفاء بالتزاماته اليومية، الأمر الذي يضاعف القروض والديون، ويعمّق الإحباط النفسي لدى الأسر، ويفتح الباب أمام اضطرابات اجتماعية قد تعصف بالنسيج المجتمعي الفلسطيني.
في مواجهة هذه السياسات، يُطرح السؤال المشروع: أين العرب؟ وأين أوروبا؟
الموقف العربي لا يزال أسير البيانات والتصريحات، فيما شبكة الأمان المالية التي أقرتها القمم العربية بقيت حبراً على ورق. أمّا أوروبا، فهي تكتفي بالإعراب عن “القلق” وإرسال المساعدات الإنسانية، لكنها تتجنب مواجهة إسرائيل بقرارات عملية أو عقوبات رادعة، تحت ذريعة التوازن الدبلوماسي ومراعاة الضغوط الأميركية.
إنّ ما يجري لا يمكن فصله عن محاولات تمرير مخطط “السلام الاقتصادي” الذي يروّج له الاحتلال لتكريس هيمنته، وتطويع الفلسطينيين عبر لقمة العيش، بعد أن فشل في كسر إرادتهم بالمجازر والحصار.
قانونياً، حجز أموال المقاصة يُعدّ انتهاكاً صارخاً لميثاق الأمم المتحدة ولقواعد القانون الدولي الإنساني، لاسيما المادة (33) من اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر العقاب الجماعي. ومع ذلك، يصرّ المجتمع الدولي على سياسة الصمت أو الاكتفاء بالتنديد، الأمر الذي يجعل هذه الممارسات الإسرائيلية جريمة مستمرة بلا محاسبة.
إنّ المطلوب اليوم هو تحرك فلسطيني–عربي–دولي متكامل:
أولاً، عبر إطلاق شبكة أمان مالية عربية فعلية تضمن استمرار الحياة اليومية للمواطن الفلسطيني.
ثانياً، عبر تفعيل المسار القانوني الدولي لمحاسبة إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية.
وثالثاً، عبر تصعيد الضغط الشعبي والدبلوماسي لإفشال مخطط الاحتلال الرامي لفرض “إسرائيل الكبرى” عبر أدوات الحصار والتجويع.
إنّ صمود الشعب الفلسطيني لن يُكسر، لكنه يحتاج إلى إرادة سياسية عربية جادة ودعم دولي حقيقي يتجاوز حدود المساعدات الإنسانية المؤقتة. فالتعليم في فلسطين اليوم ليس مجرد ملف خدماتي، بل هو معركة وجودية في مواجهة الاحتلال ومخططاته.