كتب

ما وراء الأكمة بقلم الدكتور وليد عبد الحي

بقلم الدكتور وليد عبد الحي

ما وراء الأكمة
بقلم الدكتور وليد عبد الحي
لأن الطريق الى جهنم معبد بالنوايا الحسنة ، فقد تسلحت بسوء النية عند قراءة المشهد العربي العام ، وأود هنا أن اتوقف عند بعض الظواهر:
أولا: تزايد جرعة العلمانية في الاعلام العربي :
تشير مراقبة الاعلام العربي (المرئي والمسموع والمقروء –الرسمي والمواقع الالكترونية منه او من المجتمع-) الى اتساع مساحة حضور الباحثين والمتخصصين في الآثار والانثروبولوجيا وعلوم الاديان المقارنة، مع التركيز على بعض الموضوعات بشكل واضح بخاصة التشكيك في الرواية التاريخية للموروث الديني المقدس وغير المقدس مثل : القدس في اليمن، نفي وجود موسى، الاحاديث النبوية كلها غير صحيحة، مصر المذكورة في القرآن ليست مصر التي نعرفها، الحكايات الدينية في الاسلام والمسيحية واليهودية جذورها تعود لاساطير الحضارات ما قبل الاديان في منطقتنا بل وخارجها او بجوارها( الهندوسية والبوذية والزرادشتية..) ،والتوحيد بدأ مع زرادشت، أو مع أخناتون، أو مع أهورا مازدا…الخ. ومنذ كمال صليبا و فرج فودة و فاضل الربيعي وخزعل الماجدي وفراس السواح ناهيك عن بعض تلميجات مبكرة من المفكرين في المغرب العربي مثل محمد أركون او الجابري (ولو في نطاق أقل حدة) اضافة لبعض مقدمي البرامج التلفزيونة التي تنتقي من يدور في هذا الفلك لاجراء الحوار معهم..كل ذلك يجري في فترة التضييق على” الاسلام السياسي” بحق او بدون حق.
وهنا أنا لا أؤيد أو أنفي صحة هذه الادبيات لأني لست مؤهلا لاصدار الأحكام لتقييمها،فهذه موضوعات شائكة ومعقدة رغم اطلاعي على اغلبها، لكني لست مزودا بالذخيرة المناسبة (بخاصة اللغات القديمة ) ولا بمناهج التحليل لهذه الادبيات، فأنا قارئ جاد فقط، واهتمامي هنا ينصب على ” التوقيت” لا على المضمون.
سؤالي: ما مدى براءة هذه الاتساع المتواصل في هذه الادبيات حاليا ؟ هل هي يقظة فكرية؟ ام هي الذراع الثقافي لمخططات سياسية تستخدم استراتيجية الحق الذي يراد به باطل؟ ثم لماذا ان الاكثر ترويجا لهذه الادبيات في هذه الايام هي التيارات والدول التي كانت تضيق ذرعا امام المد اليساري او شبه اليساري بأي تلميح علماني ؟ هذه الجهات الرسمية التي روجت سابقا للموروث الديني هي التي تتبنى الترويج للعلمانية
حاليا،فلماذا ؟، أنا اسأل لتوسيع ادراكي المحدود،
ثانيا: فاقد الشيء لا يعطيه:
عند رصدي لحلقات التحليلات السياسية أشعر بالذهول من ” الثقة المفرطة ” للعديد من ضيوف هذه الحلقات ، وازعم ان المتدخلين في هذه التحليلات من الأخوة “المصريين واللبنانيين” بخاصة هم الاكثر وضوحا في هذه الظاهرة، فعندما تستمع-كمثال- الى تحليلات رئيس قسم الشؤون الدولية في الاهرام العربي المصرية، تجد حجم زعم المعرفة كما لو انه “الانسايكلوبيديا البريطانية”، ولا يتورع عن السخرية من المقاومة وتسخيفها والادعاء بانه يدرك كل ملابسات الحياة الدولية، وتسمعه يردد العلم، مصر، جيش مصر،مكانة مصر، وهي ادعاءات ناتجة عن التغذي والزهو بتاريخ مصري حضاري –وهو امر لا شك فيه- لكنه لا يقر بواقع معاصر يقول بان ترتيب مصر في الانتاج العلمي والانتاج التكنولوجي واجمالي المكانة الدولية يتجاوز المرتبة 132(من بين 193 دولة)، وهنا العقدة المتمثلة في ” لاوعي ” المثقف الغارق في الزهو التاريخي يقابله وعي معاصر لكنه يعاند في أن مصر لم تعد أكثر من دولة هامشية في الشأن الدولي، بل هي دولة كل جوارها مشتعل (البحر الاحمر شرقا، وليبيا غربا،والسودان جنوبا، وغزة شمالا) بل وكسرت اثيوبيا أنفها واخذت ما تريد من النيل، ثم ان الفساد وضعها في المرتبة 130 عالميا بين 180 دولة وبمعدل شفافية لم يتجاوز 30من مائة، وعند قياس منح براءات الاختراع وطلبات لبراءات الاختراع نجد ان معدل مصر يساوي 12% تقريبا من المعدل الايراني وحوالي 7% من المعدل الاسرائيلي و ما يعادل 0.35 من كوريا الجنوبية…لذا ليت هذا النمط يتوقف عن النصائح والصراخ ووهم أن مصر في أول الطابور وان هؤلاء هم المعلمون للعالم…وبالمقابل نسمع سياسيين في لبنان يوحون لك ان ملفات الكون ” في رفوف مكتباتهم”، بل ان بعضهم يقود قوى سياسية لا يصل عدد الاعضاء فيها عن عدد الحاضرين لندوة او حفلة عرس لكنه يُطل على كل المخططات الدولية بخاصة السرية منها…لكل هؤلاء أقول : تواضعوا..فزمن ” الشطط” انتهى…
سؤالي: هل الانسان العربي بحاجة لعلماء النفس أكثر ام علماء البيولوجيا اكثر؟
ثالثا:الدراسات المستقبلية والجامعات العربية:
لم يعد من الممكن التعرف على عدد الجامعات التي تقوم بتدريس تخصص”الدراسات المستقبلية” في العالم ، لكن المؤكد انها تنتشر بتسارع ،واصبحت أقساما قائمة بذاتها لا في الدول الكبرى والصناعية فحسب بل وفي دول من “العالم النامي” ،مثل جنوب افريقيا وايران والارجنتين والمكسيك والهند..الخ،
واعترف ان “بُحَ” صوتي للدعوة لفتح هذا التخصص او على الاقل تدريس مقدمات له ، فحتى هذه اللحظة لا يوجد جامعة عربية واحدة تجاري بقية العالم، فهو تخصص غائب تماما من مؤسساتنا الاكاديمية ، بينما في ايران- لا داعي للتحدث عن الدول المتقدمة- في جامعة اصفهان هناك قسم كامل للدراسات المستقبلية وفيه دراسات عليا ، وبالطبع لا اريد الحديث عن اسرائيل، فهذا يفتح الجراح.
سؤالي: لماذا يغيب هذا التخصص؟ هل لسطوة النزوع التاريخي نحو الماضي في العقل العربي ، فالحرية لا تتجسد في العلاقة مع الزمن الا من خلال المستقبل، فالماضي انتهى ولن تستطيع تغييره، والحاضر لا يسعفك الوقت القصير لتغييره، بينما المستقبل هو الذي يمنحك حرية التفكير والحركة، فلماذا يغيب ؟ هل هو الخوف النفسي من الغد، هل طبيعة العقل العربي؟ هل هو دافع سياسي وراء ذلك، لا اعرف، فالأكمة عالية وتسد الأفق العربي.
رابعا: ظاهرة حمد بن جاسم:
رئيس وزراء قطر السابق (وشغل مناصب عديدة أخرى) اطلق تصريحات خلال مقابلات متفاوتة منذ اخراجه من المسرح السياسي على يد الامير الحالي تميم، وتشير تحليلاته وبعباراته ان دول الخليج او اغلبها” مقاولون لامريكا من الباطن، هي تأمر ونحن ننفذ”، وان قطر انفقت 137 مليار دولار لاسقاط النظام السوري السابق، وأن الكثير من المنشقين السوريين تمت غوايتهم بالمال ،وان رئيس الوزراء السوري رياض حجاب قبض 50 مليون دولار مقابل الانشقاق، وتحدث عن لقاءات مع اسرائيل سرية وعلنية ، وعن التعاون مع الاخوان المسلمين والخلاف معهم وعن انقلاب حمد بن خليفة…الخ..وكل ما قاله يوضح أن ” الربيع العربي” هو من صناعته بشكل رئيسي، وأن خلاصة رايه توحي بان ما سمي الربيع هو ” خطة” وليس يقظة.
لكن الملفت ان هذه المعلومات الخطيرة جدا جدا، غابت عن شاشة الرأي والرأي الآخر، لماذا؟ ، ثم هل حاولت الجزيرة ان تستضيفه ليكشف ما هو اكبر، فاثناء الفوضى العربية مع نهايات 2010 الى عزله تحدث مع الجزيرة ثم غاب عندما بدأ بكشف المستور سواء للتاريخ او انتقاما من “العُزَّال” ؟ هل تصريحاته هي انتقام من النظام القطري القائم لأنه جرده من مناصبه وهمشه من دائرة صنع القرار ناهيك عن التضييق على مشاريعه ، فهو رجل تقدر مجلة فوربس(Forbes) ميزانيته بحوالي 5.1 مليار دولار؟ ثم ما طبيعة صلاته بهيئات مريبة مثل بروكينغز وسابان وعدد من المؤسسات المالية القطرية وغير القطرية…
هل يميل الساسة العرب الى الانتقام ممن يحرمهم اكمال مهماتهم؟ هل التركيبة السيكولوجية كافية لتفسير مثل هذه الازدواجية؟ ما دوره في ازمة قطر مع بقية دول الخليج ومصر بخاصة الازمة الاخيرة 2017 ؟ هل قضية فواز العطية تكشف ابعادا من سيكولوجية الرجل؟ وهل اتهامات صحيفة الوطن البحرانية ضده تشير الى ما هو اعمق من دور يقوم به؟ وهل ما تم تسريبه عن “خطة” مع القذافي ضد السعودية صحيحة ،ولماذا ؟ وما تفسير موقفه من ايران؟ بل واعجابه بالمفاوض الايراني؟…والكثير من الاسئلة…
مرة اخرى أقول أن خير ما يعبر عن الحقيقة في العالم العربي مقولة وليم جيمس عن الفيلسوف الميتافيزيقي ” انت كالاعمى الذي يبحث في الليل عن قط اسود في كهف مظلم ،وصرخ بانه امسك بالقط رغم انه ليس هناك قط اصلا… أُفٍّ…ربما.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Thumbnails managed by ThumbPress

جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب