هيمنة الصهيونيّة الدينيّة على قرار الحرب يباركها إجماع على أهدافها

هيمنة الصهيونيّة الدينيّة على قرار الحرب يباركها إجماع على أهدافها
هذا الإجماع لا يقتصر على الجيش فقط، بل يخترق جميع مكونات المجتمع الإسرائيلي، حتى إنّه من المستحيل أن تجد في حركة الاحتجاج المطالِبة بإطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين أي شعار أو إشارة توحي باستنكار قتل الأطفال والنساء والأطباء والصحفيين…
في حين تصرّ إسرائيل على عدم إنهاء حرب الإبادة التي تشنّها على قطاع غزّة إلا بتهجير شعبه الفلسطيني من أرضه، فهي تكشف عن وجهها الحقيقي الذي يعكس طبيعتها كدولة استعمار استيطاني غير مكتمل؛ دولة قامت، كغيرها من هذا النسق الاستعماري، على المحو والإحلال، بارتكاب قيادتها الصهيونية السابقة جرائم الإبادة والتهجير والتطهير العرقي بحق الشعب الفلسطيني خلال نكبة 48، وإحلال دولتها الاستعمارية على أنقاضه.
واليوم، بعد مرور 77 عامًا على إقامتها، تسعى قيادتها الصهيونية الجديدة، ممثَّلة بـ”الصهيونية الدينية” التي أضحت، بركوبها ظهر “الصهيونية التحريفية – الجابوتنسكية” بقيادة نتنياهو، هي النهج المهيمن، إلى استكمال حلقات ما بدأته “الصهيونية الليبرالية البن غوريونية” عام 1948 من إبادة وتطهير عرقي وتهجير للشعب الفلسطيني.
إنها، “الصهيونية الدينية”، كما يعبّر الكاتب الإسرائيلي يوسي كلاين، الصهيونية الوحيدة التي تمتلك اليوم شخصية وهدفًا، بعد أن أصبحت الصهيونية القديمة التي أقامت الدولة وأحيت اللغة، ليست ذات صلة اليوم، لأن “المساواة ليست هدفًا صهيونيًا”، و”السلام أُسقط منذ زمن عن جدول الأعمال الإسرائيلي”.
كلاين يقول إن الصهيونية تحوّلت إلى مصطلح خاوٍ من أي مضمون، حتى جاء مئير كهانا، الذي حمل “صهيونية مصحّحة” لا تختبئ وراء كلمات جميلة. تثير سخريتها “الإخلاء الطوعي”، ويسحرها “الترانسفير”. تلك الصهيونية الجديدة جاءت، كما يقول، تحمل الأبرتهايد، تحتقر الثقافة، وتزدري مبادئ الحرية والعدل والسلام، وهي جاهزة، لو مُنحت بضع طائرات وقنابل جيدة، لإبادة مليوني فلسطيني في عشر دقائق، ثم إخفاء الأدلة، وإرسال جرافات لدفن الجثث، وتصفية الصحفيين الذين وثّقوا الجرائم.
وبهذا المعنى، يرى كلاين أن كهانا هو هرتسل، وسموتريتش هو بن غوريون الجديد، وأنهم سينتصرون داخليًا، ليس لأنهم على حق، بل لأنهم الوحيدون الذين يطرحون رؤية وفكرة، ولأنهم سيطروا على الجيش والشرطة والجهاز القضائي.
كلاين ليس الوحيد الذي يرى في الحرب على غزّة، من المنظور الصهيوني، فصلًا أو مرحلة جديدة في تاريخ الصهيونية، أُسندت قيادتها إلى الصهيونية الدينية بوصفها القادرة والمؤهلة على تنفيذ مهماتها دون أن يرمش لها جفن. لكنه يغفل أن ما يقصده من إبادة وتهجير لا يحظى فقط بإجماع صهيوني إسرائيلي شامل، بل يُنفَّذ بأدوات الدولة البن غوريونية وقواها البشرية النوعية، وفي مقدّمتهم “الطيّارون” و”وحدات السايبر” التي يحتلّها “الأشكناز المتنوّرون”.
الجنرال أهارون حليوة، رئيس الاستخبارات العسكرية المنصرف، وهو كما يصفه جدعون ليفي، أحد أبطال معسكر اليسار – الوسط، جاء من قلبه، ومتزوّج من إحدى الشخصيات البارزة التمثيلية فيه. فهو، كما يقول، ليس الجنرال زيني، ولا الجنرال حيرام، غير متديّن ولا مسيحاني، بل “فتى جيد من حيفا، ومن تساهلا”، وهو يعتبر، مع ذلك، أن قتل خمسين ألف فلسطيني في غزّة، بغضّ النظر عن الأطفال، كان ضروريًا، وبمثابة رسالة للأجيال القادمة، وأن الفلسطينيين يجب أن يروا نكبة كل بضع سنوات، كي يشعروا بالثمن الذي يدفعونه.
ليفي ينقل أيضًا عن زوجة قائد الأركان السابق، هرتسي هليفي، قولها إن زوجها وعدها، لدى خروجه من البيت صبيحة الحرب، بأن “غزّة ستصبح خرابًا”.
لكن هذا الإجماع لا يقتصر على الجيش فقط، بل يخترق جميع مكونات المجتمع الإسرائيلي، حتى إنّه من المستحيل أن تجد في حركة الاحتجاج المطالِبة بإطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين أي شعار أو إشارة توحي باستنكار قتل الأطفال والنساء والأطباء والصحفيين الفلسطينيين في غزّة. وحتى عندما تحظى جرائم شديدة الوضوح بإدانة أميركية، وتُضطر معها إسرائيل إلى إيجاد مسوّغات لتبريرها، فإنها لا تحظى بأي استنكار في الشارع الإسرائيلي، على اختلاف ألوانه السياسية.
فالحرب هناك لا تثير معارضة بسبب غياب المنطق السياسي فيها، أو مدى أخلاقيتها، أو عدد الجنود الذين يُقتلون فيها، بل بسبب الخطر الذي تشكّله على حياة الأسرى الإسرائيليين فقط. وهو احتجاج ذو تأثير محدود على الحكومة، كما يقول الباحث في علاقات الجيش والمجتمع، يغيل ليفي، الذي يرى أن مثل هذا التأثير قد يحدث فقط إذا ما تشكّل خطر مباشر على وحدة الجيش.
ليفي، الذي يشبّه “الوحل الغزّاوي” بـ”الوحل الفيتنامي”، يشير إلى حالتين نجحت فيهما المعارضة الشعبية للحرب في فرض الانسحاب: في لبنان عامَي 1985 و2000، وذلك بسبب الثمن الباهظ في حياة الجنود، وليس بسبب منطق الحرب السياسي أو عدالتها.
وهو يشير، في هذا السياق، إلى بلوغ التفكّك الداخلي في الجيش درجاتٍ أكبر مما يعرفه الجمهور، بفضل القدرة على إخفائه واصطناع حلول مبتكرة في المستوى المحلّي، وبفضل مخزون القوى البشرية المؤيدة للصهيونية الدينية. لكنه يعتقد أن التفكك يتواصل رغم ذلك، وبه يكمن مفتاح إنهاء الحرب.