مقالات

القائمة المشتركة: عن “تسوية” غير ممكنة

القائمة المشتركة: عن “تسوية” غير ممكنة

علي حبيب الله

 

ليس  الخلاف في الرؤى السياسية بين بعض مركبات القائمة الأربعة ما يحول دون توافقها على برنامج سياسي موحد نقيصة، إنما الاستعاضة عن ذلك بقائمة يكون المشترك فيها فنيًا أو تقنيًا فقط…

من سؤال بسيط يقول: ما الداعي للدعوة إلى إعادة تشكيل القائمة المشتركة مجددًا لخوض انتخابات الكنيست المقبلة؟

الحرب، نعم، حرب الإبادة التي تشنها حكومة بنيامين نتنياهو على قطاع غزة، والحرب على الشعب الفلسطيني كله، وعلى قضيته من جذورها، هي حاجة تستدعي تحمّل المسؤولية والقيام بعمل سياسي وحدوي في الداخل الفلسطيني، بصيغته المتمثلة بإعادة إحياء القائمة المشتركة من أجل خوض انتخابات الكنيست المقبلة.

وفي ظل هذه الحرب، يقول لسان حال مجتمعنا العربي وأحزابه الأربعة بضرورة إعادة تشكيل القائمة.

حسنًا، العمل السياسي ـ البرلماني الوحدوي في قائمة انتخابية مشتركة لخوض الانتخابات المقبلة ضرورة، رغم أن حرب الإبادة المستمرة على غزة، والتي تطاول شعبنا يوميًا في كل مواقعه، بما في ذلك نحن فلسطينيي الداخل، كانت تتطلب منا ـ وما زالت ـ ما هو أكثر من التنظّم في قائمة انتخابية مشتركة؛ كانت تتطلب “جبهة وطنية” موحدة يصطف خلفها كل العرب في الداخل لمواجهة المرحلة. لكن هذا لم يحدث.

وحتى قائمة انتخابية مشتركة على برنامج سياسي موحد لخوض الانتخابات ومواجهة المرحلة برلمانيًا على الأقل، يبدو حتى هذا لم يعد ممكنًا.

الحديث صار يجري عن قائمة مشتركة تسميها بعض قيادات المركّبات الأربعة ـ إذا تشكّلت ـ “قائمة فنية أو تقنية”، تكون بمستوى صندوق الاقتراع وبحدوده، لا أكثر. و”لكي لا نتعب الناس ونزيد من إحباطهم”، هكذا يُقال في الشارع العربي، ومن أجله.

ولنبدو “موحدين في نظر مجتمعنا العربي”، بوصفنا مجموعة ناخبين، لا جماعة سياسية باتت مهددة فعلًا بخنق وجودها السياسي، في ظل حرب الإبادة، عبر سياسة تضييق هامشها السياسي وخفض سقفها الحقوقي وفق مسطرة يمين الصهيونية الدينية.

ليس الخلاف في الرؤى السياسية بين بعض مركبات القائمة الأربعة، ما يحول دون توافقها على برنامج سياسي موحد نقيصة، إنما الاستعاضة عن ذلك بقائمة يكون المشترك فيها فنيًا أو تقنيًا فقط، ففيه ما هو مزعج أكثر من التخلي عن إحياء القائمة المشتركة من أصلها.

رئيس القائمة الموحدة، النائب منصور عباس، اعتبر في مقابلة معه قبل أيام، أن القائمة الفنية ممكنة بوصفها “تسوية” بين القوى الأربع؛ تسوية انتخابية ـ قوائمية في قائمة مشتركة يقصد. لكنها تسوية ستكون بين الأحزاب وجماهيرها، وليست بين الأحزاب نفسها في ما بينها.

نعم، التسوية ممكنة ومشروعة إذا كانت تسوية سياسية، تتلاقى فيها القوى الأربع ـ باختلاف اجتهاداتها لتشخيص راهنية المرحلة، وتناقضات بعض مركباتها السياسية والفكرية ـ على حد أدنى من “الضروري السياسي” لخدمة مجتمعنا العربي، عبر حمايته سياسيًا أولًا، وقبل أي سؤال آخر متصل بالخطاب الخدماتي.

لقد فشلت القائمة المشتركة في السابق غير مرة، وإذا كانت حرب الإبادة الدائرة، والملاحقة السياسية في ظلها التي وصلت إلى حد تفعيل سياسة الاعتقال الإداري لأبناء الداخل، لم تدفع الأحزاب العربية في الداخل إلى بلورة رؤية سياسية موحدة، فلماذا إذًا إحياء مشروع القائمة المشتركة من أصله؟!

ثم، لو سلّمنا جدلًا أن القائمة المشتركة لم تعد ممكنة إلا بنسختها التقنية ـ أي قائمة انتخابية واحدة للمركبات الأربعة، “حافلة” يصعد فيها الجميع، وبعد مرورها “حاجز” الصندوق، يستطيع كل مركّب فيها النزول منها في “المحطة” التي يريد ـ بما يضمن تمثيلًا برلمانيًا أكثر و”وجع رأس” أقل.

حسنًا، ومن قال إن هذا ممكن أصلًا؟ فقائمة انتخابية تقنية فقط، ستشعل حربًا بين مركباتها المتناقضة سياسيًا أساسًا، على المقاعد وترتيبها فيها حتمًا.

وذلك إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن حجم التمثيل البرلماني الحالي للمركبات الأربعة على مستوى المقاعد أكثر تعقيدًا مما سبق لإعادة ترتيبه في قائمة انتخابية تقنية؛ فالقائمة الموحدة ممثلة في الكنيست الحالية بخمسة مقاعد، بينما التجمع الوطني الديمقراطي خارج التمثيل البرلماني لأول مرة منذ تأسيسه، رغم قوته الانتخابية التي أثبتها في الانتخابات الأخيرة، إذ لم ينقصه للوصول وحده بأربعة مقاعد في الكنيست إلا بضعة آلاف من الأصوات. وهذا فارق تمثيلي على مستوى المقاعد بين مركبين هما الأكثر تناقضًا على المستوى السياسي ورؤيتهما للمرحلة من بين القوى الأربعة.

أما الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، فتحالفها مع الطيبي يراوح ما بين الموحدة والتجمع، سياسيًا وتمثيليًا. ما يعني: إذا لم يحصل توافق سياسي ما بين الأحزاب يرغمها على التوافق انتخابيًا في قائمة مشتركة، فما الذي يرغمها على ذلك في قائمة بلا أرضية سياسية، ومصمّمة كتقنية انتخابية فقط؟ لا شيء، طبعًا.

القائمة المشتركة أفضل فكرة طرحتها قوى الداخل، وأسوأ تخريجة مارستها في تاريخها.

القائمة الموحدة، القوة التمثيلية الأكبر من بين الأحزاب العربية في الكنيست، باتت على قناعة، أكثر من أي وقت مضى، بوجوب “اقتحام الملعب السياسي الإسرائيلي والمشاركة في اللعبة السياسية”.

هذه قناعة عززتها لدى الموحدة وقيادتها حرب الإبادة على غزة، والحالة الفلسطينية المترهلة، معطوفة على التحولات الإقليمية خلال العامين الماضيين، والتي لم تدفع الموحدة لمراجعة خطابها؛ إنما، وفق النائب منصور عباس في مقابلته الأخيرة، الأحزاب والقوى الأخرى في الداخل هي من عليها مراجعة خطابها، ويقصد التجمع الوطني بالدرجة الأولى.

يعتبر عباس الحرب الدائرة حرب “الصهيونية الدينية” على الفلسطينيين والمنطقة، ما يستدعي برأيه دورًا للعرب في “تعديل مسار دولة إسرائيل في المرحلة القادمة”، يقول حرفيًا، وهذا شعاره للانتخابات المقبلة. فيما التجمع الوطني يدعو إلى تنظيم المجتمع العربي على برنامج سياسي يحمي فيه ثوابته الوطنية ومنجزاته الحقوقية، في مواجهة مسار بات محتوما لشكل وجوهر إسرائيل في ظل الصهيونية الدينية.

بالتالي، على تيار مركزي مثل الجبهة، بقاعدته الجماهيرية العريضة وتاريخه السياسي الطويل، أن يكون صوته أعلى وأوضح بشأن “السياسي ومصيره” في المرحلة المقبلة في مجتمعنا العربي. وعلى التجمع الوطني الديمقراطي، الذي أثبت فاعليته السياسية من خارج قبة الكنيست في السنتين الأخيرتين في ظل هذا المناخ المشوّش، الاستعداد للوقوف وحماية برنامجه وشعاره السياسيين “دولة المواطنين”، وهو قادر على ذلك إذا ما اضطر لخوض الانتخابات وحده، لأنه لن يكون وحده.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Thumbnails managed by ThumbPress

جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب