خطوات لتصفية المعارضة الكردية في السليمانية
خطوات لتصفية المعارضة الكردية في السليمانية
مصطفى العبيدي
السليمانية ـ لم تكن الصدامات المسلحة قبل أيام في السليمانية شمال العراق، بين القوى الكردية المتصارعة، حدثا عابرا، بل تطورا مثيرا لقلق العراقيين، ومؤشرا جديا على خطورة الصراع على السلطة واحتمالات اندلاع النزاعات المسلحة في أية لحظة رغم الهدوء الظاهر في المشهد.
وما جرى في السليمانية في كردستان العراق، من هجوم عسكري دموي واستخدام للعنف المفرط ضد مقر القائد الكردي البارز لاهور شيخ جنكي، وسقوط قتلى وجرحى وتدمير، بعد أيام من اعتقال زعيم حركة الجيل الجديد ساشوار عبد الواحد، هما حدثان يجمع بينهما ان كلا المعتقلين يشكلان المعارضة الفاعلة في كردستان، بالتزامن مع اقتراب الانتخابات المقررة في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.
معركة القبض على لاهور
وفي سيناريو دموي، اندلعت وسط مدينة السليمانية، وبشكل مفاجئ، اشتباكات وقتال عنيف بين قوتين عسكريتين كرديتين إحداهما تابعة لرئيس الاتحاد الوطني الكردستاني بافل الطالباني، والأخرى تابعة لرئيس حزب جبهة الشعب لاهور شيخ جنكي، وهما أبناء عم.
ففي فجر يوم 22 آب/اغسطس 2025، داهمت قوات مكافحة الإرهاب والكوماندوز وأمن السليمانية فندق «لاله زار» في مدينة السليمانية لاعتقال «عدد من المطلوبين». وبعد مواجهة وقتال استمر عدة ساعات، تم اعتقال لاهور شيخ جنكي وشقيقه بولاد وعشرات من أفراد قوة «العقرب» التابعة له، إضافة إلى سقوط قتلى وجرحى من الطرفين، في معركة شاركت فيها نحو 150 عجلة عسكرية متنوعة بينها الدبابات، وتسببت في إثارة الرعب لسكان المدينة وآلاف السياح العرب المتواجدين فيها.
وبعد المعركة، زعم سلام عبد الخالق، المتحدث باسم قوات الأمن «الأسايش» في السليمانية، أن لاهور طالباني وموالين له كانوا يخططون «لاغتيال» بافل طالباني، زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، وشخصيات أخرى، فيما صرح القاضي صلاح حسن، المتحدث باسم محكمة السليمانية، بأن مذكرة القبض على لاهور، صدرت وفقاً للمادة 56 من قانون العقوبات العراقي، والتي تتعلق بتجمّع مجموعة من الأشخاص واتفاقهم على ارتكاب عدة جرائم في السليمانية.
ولتعزيز هذا الادعاء، نشر جهاز أمن إقليم كردستان اعترافات مجموعة ذكر انها تابعة لـ «لاهور شيخ جنكي، رئيس جبهة الشعب»، تحدثوا فيها عن تفاصيل محاولة «اغتيال بافل طالباني، رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني»، بواسطة بندقيتي قنص وطائرات مسيرة.
وفي المقابل، أعلنت جبهة الشعب التي يترأسها لاهور شيخ جنكي، رفضها لاعترافات المجموعة المتهمة بالتخطيط لـ «اغتيال» بافل طالباني، معتبرة أنها «سيناريو ضعيف ومضلل من الاتحاد الوطني الكردستاني». وطالبت جبهة الشعب كلاً من رئيس إقليم كردستان ورئيس الحكومة ورئيس المجلس الأعلى للقضاء بـ «إيقاف هذا الوضع السيئ والمقزز»، كي لا يشوه صورة إقليم كردستان أمام المجتمع الدولي.
فيما أعلن عضو حزب «جبهة الشعب» شادومان ملا حسن أن الحزب «ستستمر أعماله»، مشيراً إلى أنهم يسعون لنقل محاكمة لاهور إلى بغداد. فقد طالب الحزب، الذي يترأسه جنكي (يحمل الجنسية البريطانية)، من القنصليات والممثليات الدبلوماسية، والحكومة الاتحادية، وحكومة إقليم كردستان بعدم الصمت إزاء ما وصفه بـ«العمل الإرهابي» الذي تعرض له رئيس الحزب، لاهور شيخ جنكي، محملاً رئيس حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، بافل طالباني، شخصياً المسؤولية عن سلامته. متهمة إياه بانه يريد تلفيق سيناريو واتهامات ضد لاهور شيخ جنكي.
وإضافة إلى رئاسة حزب جبهة الشعب، كان لاهور شيخ جنكي، يشغل سابقاً مع بافل الطالباني، منصب الرئيس المشترك للاتحاد الوطني الكردستاني الذي يسيطر على السليمانية، حتى تم إبعاده من الاتحاد الوطني الكردستاني، بقرار من بافل طالباني في تموز/يوليو 2021 إثر خلافات حادة داخل الحزب، وبعدها أسس لاهور حزب «جبهة الشعب» الذي شارك لأول مرة في انتخابات برلمان كردستان عام 2024 وحصل على مقعدين. وخلال حملته الانتخابية، دعا لاهور أنصاره إلى إنهاء هيمنة الحزبين التقليديين (الاتحاد الوطني والديمقراطي الكردستاني).
وقد برز لاهور شيخ جنكي، بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، من خلال عمله في المجال الأمني، حيث أسس عدة مؤسسات ووحدات عسكرية وأمنية، أبرزها قوة مكافحة الإرهاب عام 2002 بدعم من القوات الأمريكية ووكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية وقدم خدمات كبيرة لقوات الاحتلال الأمريكي في العراق. كما أسس قوات العقرب كوحدة خاصة به، إضافة إلى توليه إدارة جهاز الاستخبارات التابع للاتحاد الوطني الكردستاني المعروف باسم «وكالة زانياري».
قلق من تدهور الأوضاع في السليمانية
وفي ملاحظة لافتة، اعتذر العديد من السياسيين والنواب الكرد عن التحدث إلى «القدس العربي» حول أسباب وقوع المواجهات المسلحة في السليمانية، نظرا لحساسية الموضوع والخشية من ردود أفعال الاتحاد الوطني الكردستاني ضدهم.
وتحدث صحافي كردي من السليمانية إلى الصحيفة، مفضلا عدم ذكر اسمه، قائلا إن تداعيات خطيرة ستترتب على معركة السليمانية أبرزها قلق الشارع الكردي من تجدد القتال والصراع المسلح الكردي الكردي على المصالح ومكاسب السلطة، مما سيعقد أوضاع المواطنين في الإقليم الذين يعانون أساسا من أزمات اقتصادية حادة، مشيرا إلى صراعات مسلحة وقعت بين القوى الكردية في أوقات سابقة.
وأشار الصحافي إلى أن قطاعات الاستثمارات الأجنبية والسياحة والتجارة في الإقليم، ستتأثر بهذا الصراع المسلح وتزيد أعباء الأزمات على المواطنين، مبينا أن الحركة الاقتصادية تعتمد على الاستقرار والأمان، منوها إلى أن الصراعات المسلحة ستقضي على صورة الإقليم الذي يتسم بالاستقرار والأمان وسط فوضى الأوضاع في العراق.
ومما زاد من قلق العراقيين، الموقف المتواضع من حكومة بغداد، التي اكتفت ببيان عام، اعطى الانطباع بالسكوت عن التطور الخطير في السليمانية.
وقد أعرب صباح النعمان الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، عن أسفه للأحداث التي وقعت في محافظة السليمانية، مشددا على أن الحكومة الاتحادية العراقية «لن تدّخر جهداً في درء الفتنة» في جميع مناطق العراق بما فيها إقليم كردستان. وقال النعمان في بيان، إن «الحكومة الاتحادية تؤكد على ضرورة التزام الجهات المختصة باتخاذ الإجراءات القانونية والقضائية وفقاً لأحكام الدستور، وبما ينسجم مع مبادئ العدالة وسيادة القانون».
فيما أكدت رئاسة حكومة إقليم كردستان العراق، في بيان على ضرورة «إنهاء المشاكل والصراعات عبر القانون وبعيدًا عن العنف»، وشددت على «سيادة القانون وحماية أمن واستقرار المدينة وأرواح وممتلكات المواطنين»، كما عبّرت عن «تعازيها لعائلات وذوي الضحايا».
معارضون شملتهم الاعتقالات
والجدير بالذكر، انه قبل أيام من المعركة ضد لاهور شيخ جنكي، جرى اعتقال زعيم حركة الجيل الجديد ساشوار عبد الواحد، في السليمانية أيضا، في قضية قانونية مرفوعة ضده. ويعد الجيل الجديد من أبرز الحركات المعارضة في إقليم كردستان، ولديه مقاعد في برلمان الإقليم والبرلمان الاتحادي ولكنه مقاطع لحكومة الإقليم. وقد اعتاد على توجيه الانتقادات اللاذعة إلى الحزبين الكبيرين في الإقليم واتهامهما بالفساد والاستئثار بالسلطة واهمال مصالح الشعب.
وبعد أيام من اعتقاله، كشفت النائب رئيسة كتلة الجيل الجديد في البرلمان سروة عبد الواحد عبر منصة «اكس»، معلومات مقلقة عن تدهور الحالة الصحية لشقيقها ساشوار عبد الواحد داخل السجن، متهمة الاتحاد الوطني الكردستاني بـ«خرق القانون ومنع ذويه من زيارته» معتبرة أن «القضية ضده سياسية».
انتقادات للصراع الكردي الكردي
وضمن ردود الأفعال الرافضة للأحداث في السليمانية، أبدى الأمين العام للاتحاد الإسلامي الكردستاني صلاح الدين محمد بهاء الدين، عن أسفه وقلقه للأحداث الدامية التي شهدتها مدينة السليمانية فجر الجمعة.
وقال الأمين العام في تغريدة على مواقع التواصل الاجتماعي «ببالغ الأسف والحسرة، شهدت مدينة السليمانية حادثة مؤسفة وغير مرغوبة». وأضاف «ففي الوقت الذي كان المواطنون ينتظرون استلام رواتبهم وتحسين أوضاعهم المعيشية، وبينما يواجه شعبنا تحديات جسام، يُطرح التساؤل: كيف يُعقل أن تُضاف أزمة أمنية جديدة تُراق فيها دماء أبناء شعبنا؟».
وختم تدوينته قائلا: « نطالب باللجوء إلى القانون والقضاء لمعالجة القضايا وحل الإشكالات».
أما رئيس مؤسسة الميثاق للتنمية والديمقراطية سعد عامر، فإنه حذر من «أن الديمقراطية في إقليم كردستان باتت أيضا في خطر شأنها شأن الديمقراطية في العراق، وذلك بسبب تصاعد وتيرة الصراع السياسي إلى هذه المرحلة».
وقال عامر في حديث صحافي إن «ما حصل اليوم في السليمانية ليس مثالا عابرا، بل هو عنوان لفوضى سياسية وأمنية تضرب إقليم كردستان منذ سنوات حيث تنقسم المؤسسات بين أربيل والسليمانية وكأننا أمام دولتين متصارعتين لا إقليماً واحداً داخل دولة».
وشدد عامر على أن «اعتقال قادة سياسيين مثل لاهور شيخ جنكي وساشوار عبد الواحد لن يبني ديمقراطية ولن يحارب الفساد بل يرسخ دكتاتورية حزبية بوجهين ويعيد إنتاج نفس الأنظمة التي كانوا يدعون مقاومتها في السنوات السابقة».
وإزاء خطورة الوضع في كردستان، اعربت بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق «يونامي» عن قلقها إزاء «لقطات مصورة مقلقة» تظهر تعرض موقوفين لسوء معاملة بعد اعتقالهم على خلفية الاشتباكات الأخيرة في السليمانية، مجددة دعوتها لاحترام حقوق الإنسان.
وقالت «يونامي» في بيان على منصة «إكس»، «يؤسفنا وقوع قتلى وجرحى في الاشتباكات، ونشعر بالقلق إزاء الأحداث التي وقعت في السليمانية»، داعية إلى «ضمان عملية قضائية عادلة ونزيهة بما يتماشى مع أحكام الدستور».
وفي تصريح، وصف سفير الاتحاد الأوروبي لدى العراق، توماس سايلر، استخدام القوة في أحداث السليمانية بأنه «انتكاسة خطيرة»، مشدداً على أن الخلافات السياسية «يجب أن تكون خالية من العنف والأسلحة».
ويرى المراقبون لأوضاع كردستان العراق، أنه بعد وفاة الرئيس الأسبق جلال الطالباني بدأت صراعات على زعامة الاتحاد الوطني الكردستاني بين القيادات القديمة والشابة إضافة إلى صراع بين نجله بافل الطالباني وابن عمه لاهور شيخ جنكي، وأن الصراع يتركز على السلطة والمصالح السياسية والاقتصادية.
وطالما اتهمت المعارضة الكردية وبعض السياسيين الكرد، الاتحاد الوطني بالفساد والهيمنة على مقدرات المنطقة من خلال تهريب النفط إلى إيران وتركيا والسيطرة على موارد الحكومة والمنافذ الحدودية. فيما ربط بعض المراقبين، استقواء رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني بافل الطالباني، على خصومه، بعلاقاته الوثيقة مع جيرانه (إيران) وتحالفه مع الأحزاب الشيعية في بغداد، ما شجعه على السعي لإحكام سيطرته على الحزب وتصفية خصومه السياسيين إضافة إلى تحكمه بالحياة الاقتصادية للمحافظة.
«القدس العربي»:




