تحقيقات وتقارير

إيران أمام لحظة الحقيقة بين الامتثال أو العزلة… فالسقوط!

إيران أمام لحظة الحقيقة بين الامتثال أو العزلة… فالسقوط!

رلى موفّق

تُوفِّر الـ30 يوماً فسحة دبلوماسية يخلقها، في واقع الأمر، الأوروبيون أمام إيران لالتقاط الفرصة بالذهاب إلى التعامل إيجابياً مع الشروط الثلاثة التي نقلتها «الترويكا» لطهران.

يضيق حيّز المناورة أمام إيران وينفد الوقت. في اللحظة الحاسمة، يوم 28 آب/أغسطس، طَلب وزراء الترويكا الأوروبية (فرنسا، وبريطانيا، وألمانيا)، في رسالة إلى مجلس الأمن، إطلاق تفعيل «آلية الزناد» (السناب – باك) لإعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة على إيران، بموجب القرار الدولي 2231 عام 2015 الذي صادق على «خطة العمل الشاملة المشتركة». تستغرق عملية تفعيل الآلية 30 يوماً، أي أنها تُصبح نافذة في 27 أيلول/سبتمبر، قبل نحو أسبوعين من انتهاء المدة الزمنية للاتفاق برمته في 18 تشرين الأول/اكتوبر 2025، وقبل أن تتولى روسيا في الأول من تشرين الأول/أكتوبر رئاسة مجلس الأمن، وتصبح معها الأمور أعقد، وإنْ كان أي من الدول الخمس الدائمة العضوية لا يحق لها استخدام «الفيتو» في ما يتعلق بتفعيل «آلية الزناد»، خلال مدة الاتفاق.
وتفعيل «آلية الزناد» يعني أن جميع قرارات مجلس الأمن السابقة المتعلقة بإيران قبل 2015 ستعود سارية: حظر استيراد أو تصدير أي نوع من الأسلحة أو المعدات ذات الصلة لإيران، وإلغاء الاستثناءات التي كانت تسمح بشراء وبيع أسلحة بعد 2020، وحظر أي أنشطة تتعلق بالصواريخ القادرة على حمل رؤوس نووية، ومنع نقل التكنولوجيا أو المساعدة الفنية المرتبطة بها، ووقف جميع أشكال التعاون النووي المدني غير المصرَّح به، وإلغاء الاستثناءات التي سمحت بمشاريع مثل مفاعل آراك أو مفاعل بوشهر بمساعدة دولية، وكذلك إعادة تجميد الأصول للأشخاص والكيانات المدرجة على لوائح العقوبات، وإعادة حظر تقديم خدمات مالية أو مصرفية مرتبطة بالأنشطة النووية أو الصاروخية، وحظر السفر والتجميد الفردي من خلال العودة إلى قوائم الأفراد والكيانات التي كانت مدرجة بموجب قرارات مجلس الأمن السابقة، والتي تشمل كذلك مسؤولين عسكريين وعلماء وكيانات مرتبطة بالحرس الثوري ومنظمة الطاقة الذرية.
وستبقى العقوبات سارية إلى أجل غير مسمى، إلا إذا أصدر مجلس الأمن قرارًا جديدًا يرفعها، وهو ليس أمراً سهلاً وممكناً بفعل القدرة على استخدام الفيتو من قبل أي من الدول الكبرى المعنية بالملف النووي والدائمة العضوية في مجلس الأمن.
تعيش الجمهورية الإسلامية الإيرانية على عملية شراء الوقت وتمريره وإدارته. بات الأمر اليوم صعباً حيث الاستحقاقات داهمة، ونظام الولي الفقيه في عين العاصفة، والأزمات تحوطه من الداخل والخارج. لا يعني ذلك أن طهران فقدتْ كل عناصر قوتها، إنما ما عادت قادرة على توظيف تلك العناصر، وفي مقدمها الأذرع في الخارج، كما كانت تفعل منذ ما يزيد عن عقدين، يوم فتح الأمريكيون الباب واسعاً أمام إيران، بعد سقوط أفغانستان والعراق، لمدِّ نفوذها العقائدي والعسكري والسياسي والاجتماعي إلى المنطقة.
أمام إيران فسحة الـ30 يوماً للاختيار بين تسوية دبلوماسية مشروطة، أو الذهاب نحو انفجار سياسي وعقابي يُعيدها إلى مربع العقوبات والعزلة. المطلوب منها لوقف تفعيل «آلية الزناد»، وفق ما تبلغته من «الترويكا الأوروبية»، ثلاثة أمور: الانخراط في مفاوضات جادة مع الولايات المتحدة؛ واستئناف التعاون المثمر مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومنحها حرية الوصول إلى المنشآت، ومنها التي استهدفتها الضربات الأمريكية؛ وتقديم تفسير يكشف مصير أكثر من 408 كيلوغرامات من اليورانيوم المخصَّب بنسبة 60 في المئة.
لا مكان لأنصاف الحلول والتذاكي وممارسة «الصبر الاستراتيجي» الذي عادة ما ينتهجه النظام الإيراني. فالتعقيدات كثيرة، ولا يبدو أن موقف الدبلوماسية الإيرانية – حول أن خطوة الترويكا الأوروبية تفتقر إلى القاعدة القانونية من أجل إعادة تفعيل آلية «سناب باك» – قادر على أن يُغيِّر في مسار الريح. حتى إن الحليفين، الصيني والروسي، لن تجدهما طهران في موقع النصير والفاعل والقادر على درء الخطر الماثل عليها إذا كان في ذهنها اعتماد الطرق العوجاء والالتفافية في ما خص برنامجها النووي، الذي مهما حاججت بأنه برنامج سلمي، فإن سلوكها كل السنوات الماضية يشي عكس ذلك من خلال وجود منشآت سرية، وأعداد مرتفعة من أجهزة الطرد المركزي الحديثة التي تفوق المسموح به، والتخصيب بنسب مرتفعة تُتيح لها صنع القنبلة النووية بعد فترة زمنية قصيرة أو متوسطة أو بعيدة.
تجاهلت إيران عرض «الترويكا» بتمديد العمل بالقرار الدولي 2231 و«آلية الزناد» الخاصة به، ليُشكِّل فرصة سانحة للتوصل إلى اتفاق سياسي جديد بديل عن «خطة العمل الشاملة المشتركة»، من شأنه أن يستجيب للمطالب الدولية الآيلة إلى معالجة القلق من عدم سلمية البرنامج النووي الإيراني، ومن المخاوف البعيدة الأمد في شأنه. لم تقبل طهران، واستدارت نحو روسيا، لطرح هذا المطلب الذي دعمته الصين أيضاً، والذي تُعلّق عليه الآمال بأن يُشكِّل مخرجاً للمأزق الإيراني. لكن ذلك، في حال حصوله، يستند إلى مسلمة مفادها أن اعتماد سياسة الهروب إلى الأمام قد انتهى زمنها.
فالقرار الجازم بأنه لن يُسمح لإيران بامتلاك القنبلة النووية، وانخراط الولايات المتحدة في ضرب 3 منشآت نووية خلال حرب الـ12 يوماً الإسرائيلية، رسالة بالنار للقيادة الإيرانية عن الخطوط الحمر المرسومة من قبل إدارة دونالد ترامب. ولا يعتبر المتابعون أن وضع إيران الراهن، وتهديدها بالرد على الخطوة الأوروبية بخطوات تصعيدية مماثلة، مثل إقفال الأبواب نهائياً أمام الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أو الانسحاب من معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، أو التحكم بمضيق هرمز جزئياً أو كلياً، يمكن أن يُشكِّل نوعاً من المواجهة المتكافئة مع الدول الغربية بما يسهم في تخفيض التصعيد، بل سيزيد من مستوى التوتر والخطر ويدفع نحو التشدّد في الخيارات المقابلة، سواء من الولايات المتحدة التي تُلوِّح بالعودة إلى استخدام القوة في حال فشل الحلول السلمية، أو إسرائيل التي تضع يدها على الزناد لتنفيذ المرحلة الثانية من المواجهة المفتوحة مع إيران. فالحساب لم يُغلق بعد.
في قلب الصراع، دائماً ما تكون هناك قنوات تفاوض. وتُفيد المعلومات المتوافرة أن مفاوضات تجري بين الأمريكيين والإيرانيين بطريقة ما، وهي مفتوحة زمنياً إلى منتصف أيلول/سبتمبر، ويُفترض بعد هذا التاريخ أن تظهر الاتجاهات المقبلة… إما نحو انفراج أو تأزم.
بعد حرب الـ12 يوماً مع إسرائيل، كشف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، أن المرشد الأعلى علي خامنئي هو مَن اتخذ القرار الاستراتيجي بالقبول بالمفاوضات غير المباشرة مع واشنطن بعد عودة ترامب إلى البيت الأبيض، لأن إيران كانت أمام خيارين لا ثالث لهما: التفاوض، أو الانزلاق إلى مواجهة عسكرية واسعة النطاق. وقد اعتبر خامنئي حينها أن التفاوض غير المباشر، عبر قنوات مثل مسقط، هو الوسيلة لتفادي الخيار الأسوأ، أي الحرب، مع الحفاظ على ثوابت إيران في عدم الجلوس وجهًا لوجه مع الإدارة الأمريكية بوصفها غير موثوقة.
ما يؤشر إليه كلام الدبلوماسي هو أن المرشد اختار أهون الشرَّين. واليوم، تُوفِّر الـ30 يوماً فسحة دبلوماسية يخلقها، في واقع الأمر، الأوروبيون أمام إيران لالتقاط الفرصة بالذهاب إلى التعامل إيجابياً مع الشروط الثلاثة التي نقلتها «الترويكا» لطهران. لكن الأسابيع المقبلة من شهر أيلول/سبتمبر ستجيب عن كيفية تعامل المرشد مع الاستحقاق المصيري الذي تواجهه بلاده. هل يتجرَّع السم، كما فعل من قبله الخميني في الحرب مع العراق لإنقاذ النظام، أم يذهب في اتجاه استكمال المواجهة بغض النظر عن الأثمان الباهظة التي سيدفعها داخلياً؟ هل يعتبر أن ليس بين الخيارات ما هو سيئ وجيِّد إنما خيارات كلها سيئة، وستفضي في نهاية المطاف إلى النتيجة نفسها بالسقوط في الهاوية، سواء بالنسبة إلى تخلخل النظام من الداخل أو سقوطه بضربه من الخارج، الأمر الذي يجعله يُجازف بالذهاب إلى تجرُّع خيار الحرب، علّه يستطع احتواء النتائج ولو على حساب إيران مُدمَّرة، ومُحاصَرة، ومُمزَّقة؟!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Thumbnails managed by ThumbPress

جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب