تصعيد إسرائيلي في جنوب سوريا: إنزال جوي في الكسوة يعكس ضغوطاً لانتزاع تنازلات أمنية وإستراتيجية

تصعيد إسرائيلي في جنوب سوريا: إنزال جوي في الكسوة يعكس ضغوطاً لانتزاع تنازلات أمنية وإستراتيجية
منهل باريش
إسرائيل تتبع سياسة فرض واقع أمني جديد جنوب دمشق، قائم أساساً على جعل المنطقة منزوعة السلاح الثقيل بشكل حاسم، وجعل خواصر دمشق الغربية والجنوبية ضعيفة عسكرياً.
ما زال من المبكر التأكيد على صحة كل التفاصيل الواردة حول الإنزال الجوي الإسرائيلي في السفوح الشرقية لجبل المانع، الممتد بين طريق دمشق – درعا ودمشق – السويداء. وتختلف أوضاع سوريا وقدراتها العسكرية عما كانت عليه في الإنزال الذي شنته قوات النخبة في جيش الاحتلال الإسرائيلي في أيلول (سبتمبر) 2024، عندما نفذت عملية مركبة على بعد نحو 200 كيلومتر عن الحدود الشمالية لإسرائيل. استهدفت خلالها كتائب الدفاع الجوي في منطقة مصياف بمحافظة حماة ومحافظة طرطوس، ودمرت كتيبة الدفاع الجوي في حرف بتمرة شرق مصفاة بانياس، وكتيبة أخرى في العنازة بريف جبلة، وقصفت مستودعات الزاوي (شمال مصياف بنحو 8 كيلومترات) ومركز البحوث العلمية في الشيخ غضبان شرق مصياف على الطريق المؤدي إلى حماة، كما جرى استهداف كتائب الدفاع الجوي للفوج 49 المختص بمنظومة إس-200 الروسية.
أنهت إسرائيل ذلك القصف بإنزال لقوات خاصة في أحد مواقع البحوث العلمية في حير عباس جنوب مصياف، والتي كانت تعتبر مقراً إيرانياً خالصاً متخصصاً في إنتاج الصواريخ الدقيقة منذ عام 2017. يومها، لم تتأخر الصحافة الإسرائيلية عن نشر الخبر بحيثيات كافية، بما في ذلك الحصول على وثائق ومخططات وأخذ عينات من المواد قبل تفخيخها وتفجيرها نهائياً.
حادثة الإنزال في مصياف قبل نحو عام، وما رافقها من زخم سياسي وعسكري وإعلامي، لا تشبه بحال من الأحوال الإنزال المزعوم في الكسوة. في سياق منفصل، انحصرت التغطية الخبرية الرسمية بخبر نقلته وكالة الأنباء الرسمية «سانا» عن مصدر حكومي، بالقول إن طائرات إسرائيلية شنت غارات على الموقع أعقبها إنزال جوي لم تُعرف تفاصيله بعد، وسط استمرار التحليق المكثف لطيران الاستطلاع.
وفي التفاصيل الأخيرة، قال مصدر عسكري في قيادة الفرقة 44 جنوب دمشق إن الطيران المسير التابع لجيش الاحتلال الإسرائيلي يغطي المنطقة بشكل دائم، وتكررت حوادث القصف على مقرات القيادة والمستودعات وكتائب الدبابات والمدرعات. وزاد في حديث لـ«القدس العربي» أن طائرة معادية استهدفت أربعة عناصر جنوب شرق الحرجلة، وهو امتداد لجبل المانع، ما أدى إلى مقتلهم على الفور، ومنعت الطائرات المسيرة وصول فرق الإسعاف والإخلاء إلى المنطقة، واستهدفت كل الطرق الواصلة، ما أدى إلى قضاء زملائهم نتيجة عدم القدرة على إسعافهم وأكد أنه تم إرسال عربتين مصفحتين لإسعافهم، إلا أن الطيران استهدفهما ما أدى إلى مقتل السائقين، ورفع عدد القتلى إلى ستة. وأوضح المصدر أن وحدات الجيش لم تتمكن من سحب جثثهم حتى يوم الخميس نتيجة الرصد الناري من قبل الطيران الإسرائيلي.
وأفاد المصدر بأن عناصر الجيش السوري «عثروا الثلاثاء قرب جبل المانع في ريف دمشق على أجهزة مراقبة وتنصت، وأثناء التعامل معها تعرض الموقع لهجوم جوي إسرائيلي أدى إلى سقوط قتلى وإصابات، بالإضافة إلى تدمير آليات». وأضاف أن الاستهداف الإسرائيلي استمر حتى مساء الأربعاء لمنع الوصول إلى المنطقة، مشيراً إلى أن مجموعات من الجيش دمرت جزءاً من المنظومات بالسلاح المناسب وسحبت جثامين الشهداء.
وعن الإنزال، أشار المصدر العسكري إلى أن جبل المانع عبارة عن سلسلة جبال متلاصقة تبلغ مساحتها أكثر من 50 كيلومتراً مربعاً، ويبلغ طولها من الشرق إلى الغرب قرابة 8 كيلومترات، وهذا الاتساع منع رصد الطيران المروحي. ويتطابق كلام المصدر مع مصدر محلي في مدينة الكسوة الذي قال إن الطائرات المروحية لم تشاهد أو يُسمع صوتها، في حين ميز المصدر وأغلب أهالي الكسوة أصوات الطيران الحربي بوضوح. من جهة أخرى، اكتفت وسائل الإعلام العبرية بنقل التفاصيل من مواقع إخبارية عربية، بدون إضافة تفسيرات رسمية. ومع ذلك، كتب وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس على منصة «إكس» قائلاً: «قواتنا تعمل في ساحات القتال كافة ليلاً ونهاراً من أجل أمن إسرائيل»، بدون تقديم تفاصيل إضافية تكشف عن طبيعة العملية.
وتُعتبر منطقة الكسوة وجبل المانع من أشد المناطق استهدافاً من قبل الطيران الحربي الإسرائيلي منذ 2017 حتى سقوط النظام نهاية 2024، بسبب تمركز الحرس الثوري الإيراني فيها واتخاذ الجبل مقراً لمستودعات رئيسية جنوب سوريا، خصوصاً الصواريخ متوسطة المدى، كما يرجح النشاط الإيراني المتصاعد أنها تحولت إلى مركز تصنيع حربي، وخصوصاً للطائرات المسيرة ثابتة الجناح.
ان وجود معدات تصنيع حربي أو مستودعات صواريخ إيرانية ليس الهاجس الإسرائيلي الوحيد، فإسرائيل تتبع سياسة فرض واقع أمني جديد جنوب دمشق، قائم أساساً على جعل المنطقة منزوعة السلاح الثقيل بشكل حاسم، وجعل خواصر دمشق الغربية والجنوبية ضعيفة عسكرياً.
الهجوم الإسرائيلي المستمر دفع الإدارة السورية الجديدة إلى سحب السلاح الثقيل من فرق وألوية جنوب سوريا وإبعادها عن الجولان السوري المحتل قدر الإمكان، وتجميعها في الفرقة 44 الجديدة المتمركزة في منطقة الكسوة (الفرقة الأولى سابقاً). إلا أن سحب العتاد من الجنوب لم يحل دون قصفه مدمراً عدة مرات، أشدها في 25 شباط (فبراير) من العام الجاري، والذي طال العربات والدبابات المجمعة في الفرقة 44 ودمر قسماً كبيراً منها، ما دفع الجيش الجديد إلى سحب ما تبقى شمال العاصمة السورية.
توغلات إسرائيلية وترتيبات أمنية
في سياق الترتيبات الإسرائيلية للمنطقة، تنتهج تل أبيب مخططاً واضحاً يدفع إلى تعزيز حضورها وتكريس تواجدها اليومي في محافظة القنيطرة وريف دمشق الغربي، أو جنوبي غربي البلاد. وتشمل التوغلات الإسرائيلية مداهمة وتدمير بعض النقاط العسكرية السابقة التي يُشتبه في أنها ما زالت تحوي أسلحة أو ذخائر، خصوصاً ما بعد المنطقة منزوعة السلاح التابعة إدارياً لمحافظة درعا. وتعتقل قوات الاحتلال أهالي المنطقة بشكل مستمر، وتحاول جمع معلومات عن أي نشاط محتمل للإدارة السورية الجديدة، كما تستطلع آراءهم في أحداث السويداء، وتسألهم عن رأيهم بالرئيس الانتقالي أحمد الشرع، وتطلب من بعضهم التعاون والإبلاغ عن أي أنشطة عسكرية محتملة، وتسألهم عن رأيهم في بقاء المنطقة تحت السيطرة الإسرائيلية على غرار الجولان السوري، حسب ما أفاد إثنان من المعتقلين السوريين لـ«القدس العربي» خلال الأسابيع القليلة الماضية.
وقبل أيام، توغلت قوات جيش الاحتلال في قرية رويحينة بريف القنيطرة واعتقلت شابين، وعادت ليل الجمعة وانتشرت في قرية العشة أكثر من ثلاثين مدرعة وجرافة إسرائيلية، وقامت بحملة تفتيش في القرية الملاصقة للحدود.
وفي سياق منفصل، وتزامناً مع العدوان الإسرائيلي في الكسوة، التقى رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الرئيس الروحي للطائفة الدرزية في إسرائيل موفق طريف. وخلال كلمة مصورة، قال نتنياهو: «الحكومة لا تخدع نفسها بشأن من يسيطر على سوريا»، مضيفاً: «لست شخصاً ساذجاً، وأفهم تماماً مع من نتعامل في سوريا، ولهذا السبب استخدمنا القوة».