تحقيقات وتقارير

غزة: هل يمهد قتل الصحافيين لإبادة جديدة بعيدا عن الإعلام ضمن عملية «عربات جدعون 2»؟

غزة: هل يمهد قتل الصحافيين لإبادة جديدة بعيدا عن الإعلام ضمن عملية «عربات جدعون 2»؟

إسماعيل عبدالهادي

أن تكون صحافيا يعني أن تكون على خط النار الأول، العدسة هنا لم تعد تحكي فقط بل تنزف، وفي عالم يشاهد ولا يتحرك، يستمر القتل وتموت الحقيقة في كل يوم، ونحن أمام مرحلة خطيرة من خنق حرية التعبير، في وقت يدرك فيه الاحتلال أن معركة الرواية أخطر من المعركة الميدانية، ولذلك يستهدف من يظهر الحقيقة، فهم يريدون قتل الصورة قبل قتل البشر، وارتكاب المزيد من المجازر بعيدا عن الإعلام.
ومع عودة الحديث عن اجتياح مدينة غزة، والمصادقة من قبل الجيش والمستوى السياسي على خطة العملية التي أطلق عليها «عربات جدعون 2»، وتهجير قرابة 900 ألف مواطن إلى جنوب القطاع، يخشى الغزيون أن يتحول قطاعهم إلى منطقة مغلقة بلا شهود، حيث ترتكب الجرائم ولا أحد ينقل الصورة، ورغم التوثيق الكامل للانتهاكات، لم تتحرك أي جهة دولية لمحاسبة الجناة أو حتى فتح تحقيقات جادة، حيث سعت إسرائيل من وراء اغتيال الصحافيين البارزين ومن يخلفهم في عملهم، إلى تقليل ظهور الصورة على حقيقتها في قطاع غزة، لكنها في ذات الوقت لا تعنيها ردة فعل العالم، وما حدث في جريمة اغتيال مراسلي قناة «الجزيرة» أنس الشريف ومحمد فريقع وغيرهما من الصحافيين، يعكس حقيقة صلافة ولا أبالية إسرائيل.

بمواجهة الظروف المهنية المعقدة

وفقا لمعطيات شبه رسمية، فإن الاحتلال الإسرائيلي قتل منذ بداية حرب الإبادة على غزة 240 صحافيا وأصاب 90 آخرين، وعلق قرابة 1500 صحافي نشاطهم في ظل الخطر الشديد الذي يتعرضون له بشكل يومي، في حين غادر نحو 350 صحافيا وإعلاميا المجال مضطرين، إذ أصيب عدد منهم بجروح وكانوا في حاجة إلى تلقي العلاج في الخارج، كما اضطر البقية إلى السفر من غزة بعد ما خنقتهم الظروف المعيشية الصعبة وحتى الظروف المهنية المعقدة، في حين يبقى في غزة 318 صحافيا ما زالوا قابضين على الحقيقة.

محاولة طمس الرواية الفلسطينية

دقت مؤسسات حقوقية وإعلامية دولية، ناقوس الخطر إزاء تصاعد حدة وشراسة استهداف الصحافيين. ويرى مركز «الميزان» لحقوق الإنسان، يرى أن استهداف الإعلاميين في غزة يرتبط بشكل مباشر بمحاولة طمس الرواية الفلسطينية، خاصة في ظل التأثير الواسع لمحتوى الصحافيين المحليين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، واستهداف الصحافيين مؤخرا جاء بعدما تم اعتبارهم يشكلون تهديدا لإسرائيل، ما أباح لإسرائيل عمليات قتلهم ومهاجمتهم. وحسب اللجنة الدولية لحماية الصحافيين ومنظمات حقوقية أخرى، يعتبر هذا النزاع الأكثر دموية في تاريخ الصحافة الحديثة، إذ قتل فيه المئات من الصحافيين، من بينهم العشرات من مراسلي قناة «الجزيرة»، عدا عن الإصابات المتفاوتة التي طالت مئات الصحافيين، وبعضهم خرج عن العمل بسبب الظروف الصحية الصعبة والإعاقات.
قناة «الجزيرة» الفضائية، واحدة من أكثر القنوات حضورا وتأثيرا بنقل مجريات الحرب على قطاع غزة، وتحظى القناة بمتابعة عالمية واسعة، ومنذ بدء حرب الإبادة على قطاع غزة، تواصل نقل معاناة السكان وفضح جرائم الاحتلال، ويعمل طاقمها على نقل كل ما يجري من عمليات الإبادة، في الوقت الذي تعرقل فيه إسرائيل دخول الصحافيين الدوليين إلى غزة، ما يجعل كادر «الجزيرة» المحلي هو الناقل الوحيد لما يجري في غزة رغم الظروف الإنسانية الصعبة جدا، بما فيها التجويع والقتل وانعدام مقومات الحياة الأساسية، حيث تواصل إسرائيل توجيه اتهامات مضللة لكوادر ومراسلي «الجزيرة»، بأنهم أعضاء في حركات مسلحة مثل حماس أو الجهاد الإسلامي، واستخدمت تلك الاتهامات كذريعة لتشويه السمعة وتهديد الصحافيين.
ومؤخرا عززت إسرائيل من عمليات التحريض الممنهجة ضد الصحافيين، وتبرر ذلك بكونهم عناصر من الموالين للفصائل المسلحة، وينسجم هذا فعلياً مع التصريحات التي صدرت قبل أسابيع قليلة للمتحدث باسم الجيش أفيخاي أدرعي، والذي حرض فيها على الصحافي أنس الشريف مراسل قناة «الجزيرة» في شمال غزة، وغيره من زملاء المهنة بأنهم قادة خلايا تابعة لحركة حماس، واتهم أدرعي أحد الصحافيين الذين قتلهم الجيش بأنه كان مسؤولاً عن إطلاق صواريخ على المدن الإسرائيلية، وعلق مبرراً «نرفض اتهامات قتل صحافيي غزة عمداً، لم ولن نستهدف الصحافيين عمداً أبداً». في المقابل رئيس لجنة الحريات الصحافية محمد اللحام قال في تصريحات صحافية، «تغتال إسرائيل الصحافيين في غزة ضمن حملة ممنهجة لطمس الحقيقة عن جرائمها، والتشكيك في كل ما يخرج من قطاع غزة، وشيطنة الصحافي الفلسطيني لزعزعة الثقة به كمصدر لنقل الأخبار، وتتهم الإعلاميين بأنهم تابعون للفصائل المسلحة»، ويضيف اللحام «تحاول إسرائيل التحكم في السرد الإعلامي، فعندما تمنع أو تستهدف الصحافيين المحليين وتعرقل وجود الصحافة الدولية، يقل الوصول إلى صور وآراء مستقلة من ميدان المعركة، ما يساعد على بسط السرد الرسمي الإسرائيلي وتقليل أثر التقارير المناقضة». ويوضح اللحام أن اغتيال الصحافيين هو رسالة ردع مفادها عدم نقل مجريات المجازر، مشيراً إلى أن معظم حوادث قتل الصحافيين في قطاع غزة ترقى إلى مستوى الانتهاك الخطير لحقوق الصحافة والقانون الدولي.
صحافيون وسياسيون تحدثوا لـ «القدس العربي» عن استيائهم الشديد من استمرار الاحتلال في ملاحقة الصحافيين خلال عملهم في الميدان، لاسيما البارزين منهم كأمثال المراسلين في شبكة «الجزيرة» الإعلامية، حيث يتعرض هؤلاء لمحاولات ملاحقة مستمرة تشمل استهداف عائلاتهم ومنازلهم وأخيرا تصفيتهم، في خرق واضح وفاضح لكل القوانين والأعراف الدولية، ومحاولة لثني الصحافيين عن مواصلة نقل جرائم الإبادة المفجعة إلى العالم، وارتكاب مجازر جديدة بعيدا عن الإعلام، خاصة في واقع تزايد الخوف من التهديدات الإسرائيلية والتلويح بقرب عملية احتلال مدينة غزة، ويبدو أن الاحتلال بدأ مؤخرا باتخاذ خطوات عقابية ضد القادة والجنود الذين يغادرون في إجازات استجمام.

استهداف الصحافيين سياسة مدروسة

من جهته أكد الكاتب والمحلل السياسي الدكتور جهاد ملكه، أن «استهداف الصحافيين وخصوصا مراسلي فضائية الجزيرة ليس خطأ عشوائيا، بل سياسة مدروسة ضمن معركة الاحتلال على الرواية، لأن الكاميرا في غزة باتت أخطر على إسرائيل من أي صاروخ، والعالم صامت لأنه متواطئ، والاتهامات المضللة للصحافيين ما هي إلا ستار سياسي وقانوني لإخفاء جريمة مركبة، في حين الاحتلال يمهد عادة لأي عملية إبادة واسعة بإسكات الشهود أولا، والصحافيون خصوصا في الجزيرة هم من يفضحون حجم الجرائم، وبالتالي استهدافهم يعني فتح الطريق أمام عمليات عسكرية بلا رقابة إعلامية، والتوقيت يشير بأن الاحتلال يحضر لمرحلة أشد دموية شمال القطاع، وربما لمجزرة جديدة أو تهجير قسري من المناطق المتبقية، ويريد تنفيذها في صمت إعلامي».
واعتبر ملكه خلال حديثه لـ«القدس العربي» أن «تعمد الاحتلال في هذه الحرب استهداف الصحافيين وبالذات مراسلي شبكة الجزيرة، يعود لأسباب مترابطة عدة منها، أولا الحرب على الوعي لا تقل عن الحرب على الأرض، والاحتلال يخوض معركة إعلامية موازية هدفها منع وصول الحقيقة للجمهور العربي والعالمي، وكلما ظهر مشهد الدماء والدمار على الفضائيات العالمية والعربية، انكشف زيف دعايته حول ما يسميه حربه على الإرهاب، ثانيا على الرغم من بعض الملاحظات على أداء الجزيرة في تضخيم قوة غزة وكأنها دولة نووية، إلا أن القناة كانت عين غزة التي يرى الاحتلال أنه يجب إسكاتها، فعلى مدار حرب الإبادة على غزة، كانت الجزيرة المصدر الأكثر حضورا ونقلا للجرائم بالصوت والصورة من قلب الميدان، ولأن الاحتلال يدرك أن قتل المدنيين والتدمير الشامل لقطاع غزة سيفضح خطابه أمام العالم، لذلك ركز على محاولة إسكات المنبر الذي يكسر روايته الرسمية».
وبين أن «العالم يقف صامتا أمام استمرار سياسة ملاحقة الصحافيين، وتوجيه تهم مظللة لهم لأسباب، منها ازدواجية معايير العالم الغربي الذي يدعي الدفاع عن حرية الصحافة، ويغض الطرف عندما يتعلق الأمر بالصحافي الفلسطيني أو العربي، لأن الجهة المنتهكة هي إسرائيل الحليف الاستراتيجي لهم، إضافة إلى ذلك سلاح الدعاية الإسرائيلية، فالاحتلال ينجح في شيطنة الصحافيين خصوصا مراسلي الجزيرة، عبر اتهامهم بـالتحريض أو التعاون مع المقاومة، وهي تهم مظللة تستخدم كغطاء لجرائم الإعدام الميداني بحق الإعلاميين».

حرب تجويع وتهجير

في سياق ذلك، يقول الصحافي إبراهيم محمد «إسرائيل صعدت في هذه المرحلة بالتحديد استهداف الصحافيين في سياق عسكري جديد، إذ تخطط لتوسيع الحرب وتدمير غزة، ولا تريد أن تنكشف أمام العالم، وأن ينقل الصحافيون أحداث تلك الحرب المروعة، وهذا ما بات واضحا من الفيديوهات والقصص المروعة التي تخرج من غزة للعالم، وتسببت في إحراج إسرائيل».
يشير في حديثه لـ«القدس العربي» إلى أن «هؤلاء الصحافيين تولوا المهمة الصعبة والمعقدة لوحدهم، إذ لم تسمح إسرائيل للصحافيين الدوليين بدخول قطاع غزة لتغطية الأحداث بصورة مستقلة، وهذا ما جعل مهمة الإعلاميين في القطاع أكثر صعوبة وتعقيداً، وأتاحت الفرصة لإسرائيل للتحريض ضدهم، ومع إصرارهم المستمر على نقل حقيقة ما يجري من إبادة مروعة، أعطيت إسرائيل الضوء الأخضر لقتلهم».
ويلفت إلى أن «إسرائيل تقتل الصحافيين بسبب ما هو قادم في غزة، موضحا أنها معنية بتقليل وجود الصورة بغزة، لذلك إسرائيل تلاحق كل صحافي يحاول نقل الحقيقة التي تدور على الأرض، من أجل تبرير أكاذيبها التي تسوقها للعالم على أنها لم ترتكب مجازر بحق المدنيين، ولم تمارس حرب تجويع وتهجير».
ولا يستبعد أن «تقدم إسرائيل خلال الأيام المقبلة على استهداف مزيد من الصحافيين، خاصة مع بدء العملية البرية على مشارف غزة، وتهديد الاحتلال بارتكاب إبادة كما جرى في مناطق رفح وبيت حانون، حيث لم يبق لهاتين المدينتين من أثر سوى أكوام الحجارة ورماد الصواريخ، وأي عملية جديدة سيحرص الجيش على أن تجري من دون أن تكون هناك رقابة إعلامية».

منهج الاحتلال الترهيب والاستهداف

أما الصحافي عبدالله أبو حشيش فيرى أن «إسرائيل تواصل ملاحقة الصحافيين لاخفاء أثر الجرائم التي تمارسها بحق المدنيين العزل، وكل ما هو مكفول بقوانين ومعاهدات دولية، وذلك خشية من الملاحقات الجنائية لقادة الجيش والجنود والسياسيين، كما حدث في الدعاوى التي قدمت مؤخرا لمحكمة الجنايات الدولية من قبل دولة جنوب أفريقيا، والتي تتهم اسرائيل بارتكاب جرائم إبادة، استنادا إلى التقارير المصورة التي خرج وما زال يخرج بها الصحافيون من غزة».
ولفت في حديثه لـ«القدس العربي» إلى أن ملاحقة الصحافيين غير مقتصرة على صحافيي قناة الجزيرة فقط، بل أن كل صحافي له تأثير ويؤثر على العالم من خلال فضح جرائم الاحتلال، فهو مستهدف ويبقى تحت دائرة الملاحقة، ويتم توجيه التهم الكاذبة بحقه تمهيدا لقتله».
ويخشى أبو حشيش «من غياب التغطية الإعلامية الكاملة خلال الفترة المقبلة عن مدينة غزة وشمالها، مع بدء الاحتلال التحضير لعملية احتلال غزة، بعد استهداف الصحافيين البارزين خاصة الشريف وقريقع، وترهيب من يأتي بديلا عنهم ووضعهم في دائرة الملاحقة والاستهداف، وغياب التغطية سيعطي الاحتلال الفرصة لارتكاب المزيد من المجازر البشعة».
يذكر أن المستوى السياسي في إسرائيل، ماض في تنفيذ عملية اجتياح واحتلال مدينة غزة، على الرغم من المرونة العالية التي قدمتها حركة حماس من خلال موافقتها على مقترح الصفقة الذي قدمته إدارة ترامب قبل أسابيع، لكن هذه الموافقة الحمساوية لم توقف مخططات الاحتلال، إذ يماطل بنيامين نتنياهو في تقديم الرد على المقترح، ويتجاهل جهود الوسطاء ويضع عراقيل جديدة أمام إنجاح الصفقة، ما يمهد الطريق لتنفيذ عملية إبادة جديدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Thumbnails managed by ThumbPress

جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب