مقالات
كتاب راهنية العروبة والاستهدافات الداخلية والخارجية مراجعة د. محمد مراد-استاذ جامعي -لبنان –
مراجعة د. محمد مراد-استاذ جامعي -لبنان - طليعة لبنان -

كتاب راهنية العروبة والاستهدافات الداخلية والخارجية
مراجعة د. محمد مراد-استاذ جامعي -لبنان –
الكتاب هو نتاج أعمال الندوة الفكرية – السياسية التي عقدت في مركز الدراسات والنشر لحزب طليعة لبنان العربي الاشتراكي في لبنان في السادس من تشرين الثاني ( نوفمبر ) 2022.
توزّع الكتاب في مقدّمة وأربعة محاور بحثية تناولت الواقع الراهن للعروبة في ضوء كثافة التحدّيات والاستهدافات الداخلية والخارجية، التي تواجهها الأمّة العربية في وجودها وهويّتها ورسالتها الحضارية الإنسانية. أتى تقديم الكتاب على تعريف العروبة بوصفها الكينونة التي يجسدها “الشعورالواضح المتمايز بالهويّة، والذي يؤسّس لمشروع سياسي ضروري لبناء الاقتدار والاستنهاض الحضاري”، ( الحجيري،ص، 5). وجاء في توصيف آخر على أنّ العروبة هي ” الرابطة القومية التي تجمع أبناء الأمّة العربية… وتربطهم على صعيد الوعي بالهويّة العربية”، (شحيتلي، 13)، وهو وعي حراكي تراكمي استمرّ يتواصل عبر حقبات تاريخية متتالية، فالعروبة، بهذا المعنى، هي حاصل الأمّة وهويّتها، ذلك أنّ تلازما عضويا ربط بين الأمّة العربية كوجود تاريخي والعروبة كهويّة متمايزة بعلاماتها الفارقة من حيث ” هي البصمة التي انفردت بها الأمّة العربية في خصوصيتها كشخصية تاريخية حضارية”، (مراد، 37).
عالجت مباحث الكتاب التحدّيات الداخلية والاستهدافات الخارجية، التي واجهت، وما تزال، الأمّة العربية بهدف اختراقها، وإبقائها أسيرة التخلف والركود، واستثمارها في استراتيجيات الخارج الدولي والإقليمي.
عالج المحور الأول د. عبدو شحيتلي، وهو تحت عنوان: ” راهنية العروبة: مبرراتها والرهانات”، (ص: 13- 35). رأى الباحث، ومن خلفية فلسفية، أنّ العروبة كانت حاجة الأمّة العربية الدائمة الى تطوير ذاتها وعيا فكريا وجوديا حضاريا وسياسيا وثقافيا واجتماعيا، كل ذلك من أجل تحقيق هدفها الأسمى لذاتها كأمّة واحدة موحّدة سياسيا في دولة قومية جامعة، وإرساء مجتمعها القومي التحرري على مرتكزات العدالة الاجتماعية. لكنّ الأمّة كانت أمام مواجهة شرسة مع تحدّيات ضاغطة وثقيلة على الصعيدين الداخلي والخارجي. ولمّا كانت التحدّيات الداخلية قد تمثّلت بمعوّقات بناء الدولة الوطنية ( القطرية ) الحديثة، التي ظهرت في ضوء تكثيف الهجوم الاستعماري على الوطن العربي من ناحية، وتسويات تقاسم النفوذ والسيطرة على سلسلة من الدول المخططة استعماريا من ناحية ثانية، فإنّ التحدّيات الخارجية كانت قد تمثلت بالدعم الامبريالي المطلق لزرع الكيان الصهيوني في فلسطين واقتلاع شعبها من أرضه التاريخية، مقابل إبقاء الكيان الدخيل مانعا أساسيا لقيام دولة الوحدة العربية في المستقبل. فقد رأى شحيتلي أنّ ثمّة حتمية تربط ” بين الصراع الاجتماعي والصراع القومي ” ( ص: 18 – 19 ).
في أعقاب الحرب العالمية الثانية، سجّل الباحث لحركة النضال القومي إنجازات نوعية لجهة ارتقاء الفكر الوحدوي التحرري الاجتماعي. ففي سوريا، وفي السابع من نيسان 1947، كان المؤتمر التأسيسي لحزب البعث العربي الاشتراكي الذي رسمت منطلقاته الفكرية استراتيجية الثورة العربية المعاصرة نحو قيام مجتمع عربي وحدوي تحرري اشتراكي. وفي مصر جاءت ثورة 23 تموز ( يوليو) 1952 بقيادة جمال عبد الناصر لتضع مصر في قلب المعادلة القومية، ولتلتقي مع البعث في تشييد صرح أول وحدة في التاريخ العربي المعاصربين القطرين السوري والمصري في 22 شباط 1958، وبعد ذلك، كانت ثورات البعث في العراق ( 8 شباط 1963 )، وفي سوريا ( 8 آذار 1963 )، وبعدها ( 17 تموز 1968 ). وفي الفاتح من كانون الثاني ( يناير ) 1965 كانت الثورة الفلسطينية قد دشّنت مرحلة جديدة من الكفاح الشعبي المسلّح بدعم وتفاعل مع سائر فصائل حركات التحرر الوطني والقومي في الأقطار العربية.
ولان حركة المدّ القومي المشار اليها قد أنعشت العروبة فكريا وثوريا وهويّة، فقد تعرضت الى هجومات مضادّة داخلية وخارجية في آن معا. ففي مصر، يقول شحيتلي، ” حلّت الساداتية المتحالفة مع الأصولية الإسلامية مكان الفكر القومي للناصرية، فكانت كامب ديفيد رديفا ليس فقط لعزل مصر عن أمّتها العربية، وعن دورها في الدفاع عن القضية الفلسطينية وحسب، وإنّما لتراجع التنمية الداخلية وضرب القطاع العام، وتراجع الدخل الوطني، وتزايد المديونية ” ( 23 ). كما عملت قوى الخارج المعادية للعروبة على استحضار وتنمية الولاءات الأولية من طائفية ومذهبية وعرقية وجهوية.
وبعد اسقاط عبد الناصر كمشروع قومي على أثر نتائج حرب حزيران 1967، والحرب الصهيونية على لبنان 1982، التي أفضت الى إخراج المقاومة الفلسطينية وإبعادها عن المواجهة المباشرة، جاء دور العراق في الاستهداف المتحالف بين الصفوي والأطلسي، فقد شنّت على العراق أربع حروب متواصلة بدءا بالحرب الإيرانية ( 1980 – 1988)، مرورا بالحرب الأطلسية 1991، وحرب الحصار الاقتصادي الأقسى والأطول في التاريخ ( 13 سنة )، وصولا الى الاحتلال الأمريكي- البريطاني المباشر ( نيسان 2003 ). كان مخطط إزاحة النظام الوطني العروبي في العراق تمهيدا لتغوّلات إقليمية وتحشّدات عسكرية أمريكية، الأمر الذي أفضى الى رعاية وتنمية حركات مذهبيات الإسلام السياسي المتطرّف، وكان معها فتح المجال العربي برمته على حروب داخلية تركت، وما تزال، أثرها البالغ على وحدة الدولة الوطنية من جهة، وعلى العروبة كهويّة قومية ونهضوية للأمّة العربية من جهة أخرى.
يخلص الباحث شحيتلي الى تسجيل مطلب أساسي يدعو الى ضرورة ” التحوّل في الوعي الشعبي ووعي الشباب بشكل خاص “، والى إعطاء الأهمية المطلوبة لقيام الدولة المدنية الديمقراطية، التي تأخذ بتوسيع المساحات المشتركة بين سائر افراد مجتمع الدولة. ويختم الباحث بالقول: ” إنّ العروبة بوصفها مشروعا نهضويا يحمل لواء الحداثة والتنوير والتنمية ينبغي أن تجسّد لواء الحرية الذي رفعته، باعتباره المدخل الأساس لوحدة المجتمع، وتجسيد وحدة الأمّة في أقطار تتكامل فيما بينها بإرادة أبناء الأمّة الحرّة، وتبني مشاريع التقدّم والتنمية على قاعدة العدالة الاجتماعية” .
ينهي الباحث: ” إنّ خطاب العروبة بما هو خطاب نهضوي في الداخل، يواجه القوى التي تشدّ المجتمع نحو الماضي وتمنع سيره التقدّمي الى الأمام، مثلما يواجه الخارج الاستعماري – الصهيوني، وأطماع الدول الإقليمية، لا بدّ له من العمل على بناء أوسع جبهة متراصّة تحكمها عقلية التوحّد ” ( 31 )،وثقافة التحرّر والانتماء الى هويّة يتكامل معها التلازم العضوي بين الوطني والقومي.
تناول المحور الثاني د. محمد مراد بعنوانه: العروبة في الاستهداف الأمريكي – الصهيوني: محو هويّة الأمّة، ( ص،37 – 99 ). توزّع هذا المحور بين مبحثين اثنين:
الأول: العروبة هي حاصل الأمّة وهويّتها، الثاني: الاستهداف الأمريكي – الصهيوني. بعد أن تابع الباحث في المبحث الأول التلازم التاريخي بين مساري الأمّة والعروبة ( 39 )، حيث توقّف عند أربعة عوامل أطلق عليها ” العوامل
الحاملة للأمّة – العروبة ” وهي: الأول: جغرافية الأمّة – العروبة ( شخصية المكان )، الثاني: التفاعل الحيّ بين الجماعات البشرية المكوّنة للأمّة، الثالث: الإسلام مفصل تاريخي استثنائي في مسار الأمّة – العروبة، والرابع: النظرية الفكرية المعاصرة لتجديد الحياة بالأمّة – العروبة ( عقيدة البعث).
توقّف الباحث مطوّلا عند الحامل الثالث وهو” الإسلام والعروبة: تجربة ثورية ونهضوية”. فقد جاء ظهور الإسلام كما وصفه مفكّر ومؤسّس البعث أحمد ميشيل عفلق ” ليكون الحادث ” الخطير” في حياة العرب والأمّة والعروبة على السواء، حادث قومي انساني وعالمي فيه عظة بالغة، وفيه تجربة هائلة” ( 45 -52 ). هو الإسلام الذي أحدث هزّة روحية عنيفة حرّكت وجدان الأمّة الداخلي، فكانت انقلابا ثوريا في المعادلات القائمة، فاتحا لمرحلة جديدة حافلة بالمتغيّرات النوعية العميقة، التي من شأنها أن تمدّ الأمّة بعوامل حاملة ليس فقط للنهوض بذاتها وحسب، وإنّما لتعميم رسالتها السمحاء الزاخرة بالمبادىء القيمية والإنسانية على البشرية جمعاء . أفادت التجربة الإسلامية الأمّة العربية بتوفير ثلاثة مرتكزات بنائية عميقة وهي: بناء مجتمع عربي – إسلامي جديد، بناء نواة الدولة العربية – الإسلامية، تحقيق الجغرافية السياسية للأمّة العربية في ظل دولتي الخلافة الأموية والعبّاسية.
ولمّا كان الإسلام فاعلا حضاريا أغنى الأمّة وهويّتها الثقافية والحضارية، أي العروبة، استمرت الاستهدافات والاختراقات الخارجية منذ أواسط القرن العاشر ولم تنته الى اليوم، بدأت بالبويهية الفارسية، والسلجوقية، والزحف الصليبي عبر سلسلة من الحملات استمرت تتواصل لأكثر من قرنين من الزمن، تلتها غزوات من وراء الحدود الشرقية للمجال العربي بهدف توظيفه في خدمة العهود السلطانية المغولية والمملوكية والعثمانية والشعوبية الصفوية، وصولا الى الاستعمار الغربي الذي أمعن تفكيكا سياسيا في جغرافية الأمّة العربية عبر اصطناع كيانات سياسية ( دول حديثة) تبقى متغايرة ومتباعدة من حيث التركيب المجتمعي، والنظم السياسية، ومشدودة الولاء الى الخارج الدولي والإقليمي.
المبحث الثاني يدور حول العروبة الراهنة في ضوء الاستهداف الخارجي الصهيوني والأميركي.
الأول، الاستهداف الصهيوني : كان الاغتصاب الصهيوني لفلسطين – قلب المجال العربي، هو الأشرس والأقسى بين الاستهدافات الخارجية بوصفه يمثل القاعدة الاستعمارية المتقدّمة للغرب من جهة، وهو الحاجز الفاصل والمانع الأكبر لتحقيق وحدة العرب القومية من جهة أخرى. عام 1948 كانت المحطة التأسيسية في مشروع الاغتصاب الصهيوني القائم على أسرلة فلسطين بعد قتل وطرد وتهجير أهلها تحت ضغط الممارسات العدوانية والحروب التي لم تتوقف، والتي تتجلى بأبشع صورها اليوم في حرب الإبادة غير المسبوقة في قطاع غزة امتدادا الى الضفة الغربية ولبنان والشتات الفلسطيني في غير مكان من العالم.
تواصلت الخطوات التنفيذية للمشروع الصهيوني عبر الآتي:
1 – استمرار العدوانية عبر شنّ الحروب ( 1948، 1956، 1967، 1973، 1982، 2006، 2023 وحتى تاريخه ). الهدف الاستراتيجي المرسوم في المشروع الصهيوني يتمثل بضرب مواقع القوّة العسكرية والاقتصادية والاجتماعية كلما توفّرت في إحدى الدول العربية من أجل إبقائها ضعيفة، وبالمقابل الاحتفاظ بتفوق القوّة الصهيونية في المنطقة.
2 – السعي الصهيوني وبدعم غربي وأميركي على وجه الخصوص لفرض مسارات التطبيع بين الكيان الغاصب وأكثرية النظم السياسية العربية، لا سيّما تلك التي تحكم ” دول الهيكل” ( وهي 11 دولة)، والتي يعني التطبيع معها إسقاطها وإخراجها من معادلات القوة والسيادة الوطنية وروابطها القومية ( 88 ). فالصهاينة ومعهم قوى الغرب الاستعماري، يرون أنّ سلام الدولة اليهودية التوراتية لايكون الا بإسقاط دول الهيكل أي الدول العربية ذات التأثير والمقوّمات الجغرافية والسكّانية والاقتصادية.
3 – قيام كونفدرالية ” شرق أوسطية ” جديدة تحت اسم ” الولايات المتحدة الابراهيمية ” (89 – 90)، اذ أنّ قيامها هو بمثابة الضربة القاضية للوحدة
القومية العربية، وليس إلغاء للعروبة وحسب، وإنّما لمحوها كهويّة تاريخية وجودية وحضارية للأمّة العربية.
الاستهداف الأمريكي
المرتكزات الاستراتيجية لهذا الاستهداف:
1 – توظيف المجال العربي بكل خصوصياته الجيوسياسية في خدمة التراكمات الرأسمالية للشركات الأمريكية المعولمة، والتخطيط لقيام ” شرق أوسط أميركي” يخدم النزعة الأحادية القطبية الأمريكية للبقاء على قمّة النظام الدولي للقرن الحادي والعشرين الحالي ومن غير منافس.
2 – تدمير العراق أولا، واسقاط نظامه الوطني يمثّل مفتاح الترجمة لمشروع الشرق الأوسط الأمريكي، والذي سيكون بديلا لمشروع الوحدة القومي.
3 – التخطيط لحروب مفتوحة في غير قطر عربي، وكذلك لأزمات دائمة تبقى عصيّة على المعالجة، الأمر الذي ينتهي بسقوط الدول القطرية وطنيا وقوميا، ويسقط عنها هويّتها القومية المتمثّلة بالعروبة (59).
أمّا الدوافع الأمريكية الكامنة وراء استهداف العروبة فهي ثلاثة أساسية:
الأول، عدائي أيديولوجي بين أيديولوجية أمريكية رأسمالية متوحّشة، وأخرى قومية عربية إنسانية.
الثاني، عدائي حضاري بين تسلطية الرجل الأبيض الأمريكي، وحضارة عربية تاريخية قيمية بخصوصية إسلامية بدءا من مطلع القرن السابع الميلادي.
الثالث، إنجاز الدولة اليهودية الكبرى كبديل لدولة الوحدة القومية العربية.
المحور الثالث وهو تحت عنوان: ” الاستهداف الخارجي للوطن العربي: إنشاء القواعد العسكرية الأجنبية أنموذجا”.
يستعرض الباحث د. علي بيان الاستهدافات العسكرية الأوروبية فالأمريكية للوطن العربي، التي استمرت تتواصل على مدى المراحل التاريخية منذ ما قبل الميلاد الى يومنا الحاضر. فقد كانت هناك جيوش الامبراطوريات القديمة من رومانية ويونانية وفارسية، مرورا بالمراحل الوسيطة، حيث تواصلت الحملات
الصليبية خلال القرنين الثاني والثالث عشر، تلتها الاجتياحات المغولية والمملوكية والعثمانية، وصولا الى المرحلة الحديثة والمعاصرة، حيث بات الوطن الوطن العربي هدفا لرأسماليات المركز الغربي الاستعماري، وبصورة خاصّة للثنائي الامبريالي الأنكلو – فرنسي حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، ومن ثمّ انتقال الراية الامبريالية الى الولايات المتحدة بعد ذلك.
يعزو بيان تعاظم الوجود العسكري الأمريكي في الوطن العربي، الى دوافع أربعة أساسية:
الأول، الاستئثار بالموقع الجيو-استراتيجي للخليج وسائر المجال العربي، وتوظيف وجوده العسكري لتعزيز القدرات العسكرية لمواجهة القطب السوفياتي المنافس على النفوذ في الشرق الأوسط خلال مرحلة الحرب الباردة ( 1945 – 1991).
الثاني، تصدير الأمن المستعار لدول الخليج العربية، وإيهامها بالحماية الأمنية عبر انتشار القواعد العسكرية من جهة، ودفع أكلاف عالية لهذه الحماية من جهة أخرى.
الثالث، أمساك الولايات المتحدة من خلال قواعدها العسكرية، ليس فقط بأمن النفط الخليجي والعربي، وإنّما أيضا بالأوضاع السياسية والاقتصادية والعسكرية .
الرابع، حماية العدوانية الصهيونية في أنجاز مشروعها التلمودي وحروبها المستمرة، وتغلغلها الأمني في غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا.
ويستعرض الباحث خارطة انتشار القواعد الاجنبية في الوطن العربي ويخلص الى تسجيل استنتاج ملفت بشأن الانتشار العسكري الأجنبي في الوطن العربي مفاده أنّ هذا الانتشار هو بمثابة محاصرة للأمن الوطني والقومي العربي، عدا عن كونه مصدرا استثماريا للدول الأجنبية اقتصاديا وأمنيا وسياسيا، كل ذلك على حساب التنمية البشرية والنهوض في المجتمعات العربية الاخرى، التي ما زالت ترزح تحت أعباء الفقر والبطالة والأمية والهجرة، مع فقدان الدولة القطرية لجزء كبير من استقلالها وسيادتها وهويّتها القومية ( 109).
المحور الرابع عالجه الباحث الأستاذ حسن غريب، وهو تحت عنوان: ” الوطن العربي والاستراتيجيات العدائية الخارجية: تحالف عضوي بين أطماع الاستعمار ودول الإقليم “.
ينطلق الباحث غريب من مقررات مؤتمر” كامبل – بانرمان “، الذي عقد بين عامي 1905 – 1907، والذي كان بمثابة محطة فاصلة لتكثيف الهجوم الاستعماري لرأسماليات الغرب الأوروبي على الوطن العربي لغرض الاستئثار بخصوصياته الجيوسياسية من ناحية أولى، وتفكيكه سياسيا وتجزئته من ناحية ثانية، وتوفير الدعم المطلق لزرع كيان صهيوني اغتصابي إحلالي في فلسطين للحؤول دون تواصل الجغرافية الطبيعية والاجتماعية العربية حتى لا تقوم وحدة قومية عربية في المستقبل من ناحية ثالثة.
استمرت حلقات المشاريع الاستعمارية تتواصل خلال القرن العشرين لتشهد محطات جديدة في القرن الحادي والعشرين الحالي. ففي العام 1980 أقرّ الكونغرس الأميركي ” مشروعا تقسيميا على أسس طائفية … وبدأ بتطبيقه في العام 2006، وعرف أكثر فصوله زخما في العام 2011 عبر مظهرية “الربيع العربي “.
وجدت المشاريع الاستعمارية الغربية نقاط ارتكاز لها في المجال الاجتماعي والسياسي العربي عبر الكثير من العوامل كان من أبرزها اثنان أساسيان: الأول، تفاعل العلاقات الوثيقة بين الدول الاستعمارية الكبرى بزعامتها الأمريكية ودول إقليمية محيطة بالوطن العربي ظلّت مخزونة تاريخيا بنزعات تغوّل وسيطرة وأحقاد شعوبية لم تعرف لها نهاية. الثاني، خلق اختلالات في البنية المجتمعية في الدولة القطرية العربية وخاصة زرع الظاهرة الطائفية لتكون فاعلة وممتدّة في الثقافة الشعبية العربية، بهدف ان تستمر معها التقسيمات الاجتماعية الطائفية والعرقية والعشائرية والجهوية كحواجز مانعة للتماسك داخل مجتمع الدولة، لا بل جعلها في حالة دائمة من التوترات والعصبيات كي تترك تأثيراتها السلبية على الاجتماع السياسي والوطني للدولة القطرية ( 121). يرى الباحث غريب أنّ ثمّة تقاطعات وثيقة من حيث مشاريع الاستهداف للوطن العربي في المرحلة المعاصرة، أبرز هذه المشاريع ثلاثة:
الأول، مشروع رأسمالية المركز الأميركي في سعيه لإقامة شرق أوسط جديد
يسعى لتوظيفه في تأبيد الأحادية القطبية الأمريكية على رأس العالم.
الثاني، مشروع ولاية الفقيه الإيراني الذي يسعى، ليس فقط للتغوّل والهيمنة في الوطن العربي، وإنّما لإحداث تقسيم اجتماعي وثقافي ومذهبي سياسي مغلّف بأيديولوجيا دينية مذهبية تضع المذهب الشيعي الاثني عشري في مواجهة المذاهب الإسلامية على مبادئ أهل السنّة والجماعة، الذين يشكّلون، ليس فقط الأكثرية في التوزيعات الديمغرافية العربية، وإنّما أيضا التجربة السياسية التاريخية والسلطة الحاكمة في التاريخ العربي الإسلامي الوسيط والحديث والمعاصر.
أمّا الثالث، فهو مشروع الإسلام السياسي الذي يعكسه بوضوح خطاب حزب العدالة والتنمية الذي صعد الى السلطة في تركيا في العام 2002.
ولمّا كان مشروع الشرق الأوسط الجديد المخطط أميركيا منذ العام 1980، يقوم على ترسيمات جغرافية سياسية في إطار الطائفة والمذهب الديني والعرق الاثني والعشائري والجهوي، فإنّ هذا المشروع وجد مرتكزاته التطبيقية في توظيف النظامين الإقليميين ولاية الفقيه الإيراني والاسلاموي التركي. فكلاهما مدفوع بأيديولوجية “دينية” بإمكانها أن تكون غطاء سياسيا يستجيب للاستراتيجية الأمريكية في شرق أوسطة جديدة للمنطقة برمتها.
تقوم أيديولوجيا نظام ولاية الفقيه على مفهوم الانتظار الغيبي لظهور ” الامام المهدي المنتظر” حيث يتولى الولي الفقيه النيابة عنه في التأسيس لحكومة عالمية تنتفي معها أشكال الظلم والحرمان، وتسود العدالة والسلام في العالم ( 135 – 139)، هذا الغطاء بالأيديولوجية الدينية – المذهبية ليس في الواقع سوى تغليف لطموحات جيوبولتيكية لمصالح إيرانية في المنطقة العربية من خلال الاندفاع المذهبي الى حيث البيئات العربية الملائمة مذهبيا، لاسيّما في العراق ولبنان وسوريا واليمن والسعودية وسواها، وقد سجّل النظام الإيراني هيمنة مذهبية – سياسية مكنته من أن يكون له الأذرع الضاربة في عواصم أربع من الأقطار المذكورة. يبقى الهدف الجيوبولتيكي هو الأبعد في المشروع التوسّعي الإيراني الذي تحكمه طموحات الوصول الى الساحل الشرقي للمتوسط
( سوريا، لبنان ) من جهة، والفوز بالنفوذ في الخليج العربي ومحاصرة دول مجلس التعاون الخليجي من خلال تأمين قاعدة للنفوذ الايراني في اليمن على البحر الأحمر من جهة أخرى. الأمر نفسه ينطبق على نظام الاخوان المسلمين في تركيا، فهو نظام مغلّف دينيا بالإسلام السياسي تحت عنوان استعادة دولة الخلافة الإسلامية .أمّا الدوافع الجيوبولتيكية بعد العام 2002 فتتمثّل بتحوّل تركيا من خيار الأوربة كونها عضوا في منظمة حلف شمال الأطلسي ( الناتو) الى خيار الأسلمة والاندفاع الى العمق الإسلامي في الوطن العربي من جهة، وباتجاه منطقة القوقاز، حيث الجمهوريات الإسلامية الخارجة من الحقبة السوفياتية بعد العام 1991.
ولمّا كان العراق بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي (1968 – 2003) يمثّل الثقل الوازن للعروبة كمشروع نهضوي قومي وحدوي منفتح على العصر، فقد كان التركيز الإيراني على الإطاحة بالحالة العراقية ، وذلك لأسباب محاددة العراق الجغرافية له. ويعزو الباحث غريب الدوافع العميقة لحرب السنوات الثماني بين إيران والعراق (1980 – 1988) الى سعي إيران – ولاية الفقيه للاستثمار المذهبي في العراق وتحويله الى نقطة ارتكاز لمشروعها في التغوّل والهيمنة في الوطن العربي. فقد وجد النظام الإيراني، فرصته الذهبية بالحرب العدوانية الأمريكية على العراق واحتلاله عام 2003، وقام بالعمل على تأمين حاضنة مذهبية لمساعدته على وراثة تركة الاحتلال، لاسيّما بعد هزيمته في العام 2011، الأمر الذي وفّر له الإمكانات المادية الهائلة في ثروات العراق، التي من شأنها تمكين نظام ولاية الفقيه من الهيمنة على أربع عواصم عربية ( بغداد، بيروت، دمشق وصنعاء)، (138- 139). في تركيا – حزب العدالة والتنمية كان النظام الاسلاموي مدفوعا، هو الآخر، للاختراق والتغلغل في الداخل العربي، في سوريا وليبيا والسودان وتونس وغيرها من الأقطار العربية الأخرى (139 – 140).
في خاتمة البحث، يصل غريب الى استنتاج مفاده أنّ أهداف التحالف الغربي – الصهيوني وتقاطعاته مع أهداف النظام الإيراني انكشفت في غير موقف واختبار، فقد منحت اميركا – أوباما النظام الإيراني هبة توقيع الاتفاق النووي، بما رافقه من الافراج عن مئات المليارات من الدولارات، التي راح النظام يستخدمها في استئناف مشروعه الامبراطوري الفارسي والتي ما تزال تفاعلاتها وتداعياتها مستمرة الى يومنا هذا.



