مقالات

رسالة إلى العابرين في زمن التيه

رسالة إلى العابرين في زمن التيه
محمود الجاف

قال تعالى:

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾

في أرضٍ غاب عنها العقل، صار قابيل نظامًا لا رجلًا، وغدا هابيل اسمًا يتكرر في وجوه النساء والأطفال. وحين أُقصي أهل الحكمة، تكلم السلاح؛ فتهدّمت البيوت قبل أن تدمّرها القذائف، وبُنيت دول الآخرين من حجارة أوطاننا. فنحن لم نُهزم بقوة أعدائنا، بل بجهلٍ امتطى ظهورنا، وساقنا إلى موتٍ بلا معنى. وبينما ننزف في فتنٍ نصنعها بأيدينا، يراقب العالم ببرود، ويتقاسم الغنيمة من لا يدفع الثمن. سيبقى الأخ يقتل أخيه، لا لأن الشر انتصر، بل لأن العقل أُسكت؛ إلى أن يأذن الله بزمنٍ يعود فيه الإنسان قيمةً لا وقودًا. وحين يستقر في عقولكم فكرٌ لا يُستدرج مع كل ريح، يصبح العالم أقل قدرة على زلزلة يقينكم. الداخل الراسخ وحده هو الذي يُطفئ ضجيج الخارج.

 

فلا تجعلوا الشاشات طريقكم الأوحد للحقيقة، وتعلّموا الانسحاب الواعي؛ لأن الصمت أحيانًا ليس غيابًا، بل سيادة على الذات. تكلّموا حين يكون للكلام أثر، واصمتوا حين يكون السكوت أصدق من أي حُجّة. تلك حكمة من أدرك أن طاقته محدودة، وأن تبديدها في معارك صغيرة هو شكل آخر من الخسارة. وتذكّروا إنسانيتكم قبل انتماءاتكم. فالأيديولوجيا حين تتقدّم على الإنسان تتحوّل إلى قسوةٍ مُبرَّرة. وفي زمن الاستقطاب، الرحمة فعل مقاومة، والتفهّم شجاعة، وحفظ الكرامة انتصار لا يُرى. لأن الناس ليسوا أفكارًا تمشي، بل كائنات مثقلة بالقصص والهشاشة.

 

اصنعوا لأنفسكم لحظات عودة؛ طقوسًا صغيرة تُعيد ترتيب الداخل: صلاة بلا استعجال، دعاء لا يطلب سوى السكينة، مشيٌ صامت، قراءة تُنقّي الفكر، أو حديث لا يحتاج دفاعًا. ولا تنتظروا عالمًا عادلًا؛ فالتاريخ في جوهره اضطراب متواصل، والهدوء فيه استثناء عابر. ومن ربط سلامه بمثالية الواقع، حكم على نفسه بالقلق الأبدي.

 

أخيرًا…

أن تبقى شاهدًا يعني ألا تكذب على نفسك، وألا تسمح للضجيج أن يعيد تعريف الحق والباطل في أعماقك. وأن تكون حافظًا للبوصلة يعني أن تميّز بين العدل والانتقام، وبين الانتماء والعمى، وبين نصرة المظلوم وتحويل الظلم إلى هوية جديدة.

 

لا تحاربوا كل ما يعترضكم. كونوا ثابتين دون تصلّب، واعين دون توتّر . فالسلام الحقّ ليس أن يهدأ العالم، بل أن تعبروا ضجيجه دون أن تفقدوا أنفسكم، ودون أن تسمحوا له أن يكسر أرواحكم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب