أوروبا إذ تكتشف ماضيها في عالم بوتين وترامب

أوروبا إذ تكتشف ماضيها في عالم بوتين وترامب
زياد ماجد
لم يسبق أن تعرّضت أوروبا منذ انهيار جدار برلين أواخر العام 1989 لتحدّيات سياسية واقتصادية وأمنية شبيهة بما تتعرّض له منذ أربع سنوات.
فرغم الحرب الضروس التي شهدتها القارة على مراحل (بين العامين 1991 و2001) في شرقها الجنوبي، أي في يوغوسلافيا السابقة التي تفكّكت وخلّف حطامها مآس وتطهيراً عرقياً ما زالت آثاره قائمة حتى اليوم، ورغم بدء الحرب الأوكرانية في الدونباس وجزيرة القرم والتدخّل الروسي فيها العام 2014 وما نتج عن ذلك من قتل وتهجير وخشية تبديل جغرافي بالقوة لحدود الدول، فإن ما يجري منذ شنّ بوتين حربه الشاملة على كييف في شباط/فبراير 2022 من جهة، ومنذ عودة دونالد ترامب إلى سدّة الرئاسة في واشنطن في كانون الثاني/يناير 2025 وعبثه الخطير بالعلاقات الدولية من جهة ثانية، يضع الأوروبيين في موضع بين فكّي كمّاشة لا قدرة لهم على التعامل السريع والفعّال معه.
فأوروبا اليوم، بدولها السبع والعشرين المنضوية ضمن الاتحاد الأوروبي وبجارتها بريطانيا، تتعامل مع صراع عسكري طاحن في الشرق، يتوجّب عليها إنفاق مليارات الدولارات عليه والتصدّي لتداعياته الأمنية والمالية. والإنفاق الحربي المذكور يأتي على حساب موازنات كان يمكن تخصيصها لمجالات اجتماعية وتنموية، ويتسبّب بنزيف اقتصادي لن يتوقّف قريباً، ويسبق إنفاقاً آخر سيرتبط مستقبلاً بإعادة إعمار أوكرانيا ودعمها ما أن تخرج من هذه الحرب التي فرضتها روسيا عليها. والأرجح أنها لن تكون في خروجها في نفس الجغرافيا السابقة لبدء اجتياحها، وهذا في ذاته خسارة ترابية ورمزية لها وللأوروبيين. على أن الأمور لا تتوقّف عند هذا الحد. فالصراع مع روسيا تخطّى حدود أوكرانيا، وصار ماثلاً بوصفه مسألة حيوية في بولندا ودول البلطيق كما في الدول الاسكندنافية، التي زادت جميعها من موازناتها العسكرية، وانضمّ بعضها إلى حلف شمال الأطلسي بعد أن تمنّع طويلاً عن ذلك إيثاراً لحيادٍ واستقلالية. وهو تحوّل كذلك إلى شأن داخلي في دول أُخرى مثل هنغاريا وتشيكيا وإيطاليا والنمسا وفرنسا وسواها، حيث يتقدّم اليمين المتطرّف انتخابياً، وحيث العلاقات بين هذا اليمين وموسكو علاقات وثيقة، وصلت حدّ انعقاد مؤتمرات له في روسيا وحصول عدد من مكوّناته (مثل الجبهة الوطنية الفرنسية) على قروض من مصارف روسية أو دعم في الحملات الانتخابية عبر هجمات سيبرانية وعبر أنشطة إستخباراتية تهدف إلى مفاقمة توتّرات اجتماعية تفيد خطاب العنصرية ضد المهاجرين واللاجئين.
تهديد من الغرب
المستجدّ في هذا السياق من التحدّيات الكبرى المفروضة على الأوروبيين هو الهجوم من الغرب، أي من ناحية الولايات المتحدة الأمريكية، التي يسعى رئيسها دونالد ترامب إلى إحداث تعديل في الخرائط وفي التحالفات على حسابهم، في مرحلة ترنّح صريح ومُعلن للقانون الدولي ولآليات التحكيم فيه ومؤسساتها. فترامب، الذي لم يخفِ في ولايته الأولى إعجابه بفلاديمير بوتين، يميل في شروط إنهاء الحرب الأوكرانية إلى المطالب الروسية، ويهدّد بوقف تسليح الأوكرانيين طالباً من الأوروبيين التكفّل بذلك طالما أنهم يعترضون على ما يوافق عليه. وهو يعلن دورياً عزمه على تقليص موازناته المخصّصة لحلف شمال الأطلسي وللدفاع عن أوروبا على ما يقول، محمّلاً العواصم الأوروبية الكبرى مسؤولية الأمر إذ «لا تقوم بواجبها» ولا تستحقّ دعم بلاده. ولعلّ تصريحاته الأخيرة التي اعتمد فيها خطاب اليمين المتطرّف الأوروبي، مركّزاً على ما أسماه تغيّر القارة ديموغرافياً وثقافياً نتيجة الهجرات إليها، يشير إلى أنه يتقاطع مع موسكو في دعم التيارات العنصرية الداعية إلى «الصفاء العرقي الأبيض»، بما قد يضاعف من أزمات الاتحاد الأوروبي ككيان إن وصلت هذه التيارات إلى السلطة في عواصم إضافية، ويفاقم من أزمات المجتمعات المعنية داخلياً، حيث الانقسامات حادة على نحو غير مسبوق.
الأخطر بالنسبة لأكثر الدول الأوروبية اليوم، هو مطالبة ترامب بالاستحواذ على جزيرة غرينلاند التابعة للدانمارك، وإصراره على الأمر بمعزل عن المعاهدات والمواثيق، وبدء فرضه زيادة في الضرائب على السلع الأوروبية معاقبة للأوروبيين على رفضهم طلبه، مهدّداً إياهم بالمزيد من الإجراءات ومؤكّداً على أن الولايات المتحدة ستتملّك غرينلاند في أي حال، بالكامل وبلا شروط. والحقّ أن الأمر هذا، معطوفاً على فرضه رسوماً جمركية عقابية على دول أوروبية تعارض الانضمام إلى «مجلس السلام» الذي أنشأه ويترأسّه، والذي يريد أن تُناط به مهمّة «إعادة إعمار ريفييرا» غزة ومهام لاحقة أخرى بما يجعله يحلّ تدريجياً محلّ الأمم المتحدة التي عبّر أكثر من مرة عن احتقاره لها كمؤسّسة «فاشلة»، يضع الأوروبيين في حيرة شديدة وقلق عميق لا جواب حتى الآن يخقّف منهما أو يبدّد أسباب استتبابهما في أوساط حكومية عدة.
فما الذي يمكن فعله مع رئيس أقوى دولة في العالم، لا يُقيم اعتباراً لقوانين وشرائع ولا لديبلوماسية وأحلاف تاريخية؟ وكيف يمكن الردّ على شخص تحرّكه انفعالاته، ولا يكترث بأصول تخاطب أو تعامل مع نظرائه، ويعبّر صراحة عن أن ما يهمّه هو العقارات والتجارة والنفط (والتكريم) بمعزل عن أي اعتبار حقوقي أو عن أي معايير ناظمة للعلاقات بين الدول والكيانات السياسية؟ وكيف يمكن الردّ عليه بإجراءات عقابية اقتصادية وجمركية مضادة، في وقت تستمرّ فيه الحاجة الماسة إلى استمرار دعمه لأوكرانيا في حربها مع روسيا؟
لم يعثر أحد على أجوبة قاطعة بعد. والأرجح أن الأوروبيين سيبحثون عن تسويات ومخارج تحفظ لهم «ماء الوجه»، متجنّبين المواجهة، ومتجنّبين الانحناء أو الاستسلام التام في الوقت نفسه، مراهنين على ضغوط اقتصادية داخلية أمريكية وعلى انتخابات تشريعية نصفية ستجري في تشرين الثاني/نوفمبر من العام الجاري وقد تضعف ترامب، لتكبح من اندفاعته العدوانية تجاه حلفاء بلاده التاريخيين، وتُلزمه القبول بحلول وسط في الملفّات الشائكة التي يفرض راهناً تعاملاً صدامياً معها.
المسؤولية الأوروبية ومرآة الماضي
لكن ينبغي أن نضيف في ما خصّ ما يجري في أوروبا ومن حولها بُعداً آخر، مفاده أن ثمة مسؤولية أوروبية، وثمة مرآة لماضٍ أوروبي غير بعيد تفرض التحديق ملياً فيها.
ذلك أن احتقار فلاديمير بوتين ودونالد ترامب للقانون الدولي الذي يصدم الأوروبيين ويرعبهم اليوم، لا يختلف في شيء عن احتقارهم للقانون إياه حين تعلّق الأمر بالإبادة الجماعية التي ارتكبتها إسرائيل في غزة، والتي شاركوا فيها دعماً لتل أبيب أو صمتاً على جرائمها. وهو لا يختلف في شيء كذلك، عن تواطؤهم مع أنظمة معروفة بانتهاكاتها وفظائعها لأسباب تجارية واستثمارية، وعن تركهم عشرات آلاف المهاجرين يغرقون منذ سنوات في البحر المتوسّط محاولين الوصول إلى شواطئهم.
ولعل نظرة في مرآة الماضي القريب، حين كانت جيوش أوروبية تجتاح مناطق وشعوب أو تسطو على موارد وثروات، تفسّر لهم لماذا يُخيفهم بوتين وترامب إلى هذا الحد. فالمذكوران، كلّ من جهته، ما زالا في العام 2026، يتصرّفان وكأنّهما أوروبا النصف الأول من القرن العشرين وما قبل. وهما بهذا المعنى أشبه بكابوس يُعيد أشباح ماض، بذل البعض جهداً للتخلّص منه، في حين يبذل البعض الآخر جهداً معاكساً لاستعادة ملامحه.
هكذا، يبدو أننا أمام مرحلة تصادم روسي- أوروبي- أمريكي ستستمرّ بأساليب وكوابيس ووسائل مختلفة، ولا مؤشرات واضحة حتى الآن لما سترسو عليه حرب أوكرانيا، ولما ستصيره العلاقة الأوروبية بواشنطن، ومثلها أحوال العلاقات داخل أوروبا نفسها، وبينها وبين الصين، التي تراقب كلّ ما يجري بشماتة وحذر…
*كاتب وأكاديمي لبناني




