الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بعد 77 عاماً: بين المبادئ والواقع على أرض غزة

الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بعد 77 عاماً: بين المبادئ والواقع على أرض غزة
بقلم المحامي علي أبو حبلة
بعد مرور سبعة وسبعين عاماً على اعتماد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، يبدو أن هذه المبادئ السامية تواجه أكبر اختبار لها على أرض الواقع. الإعلان الذي أرسي أساسيات الكرامة الإنسانية، الحق في الحياة، الأمن، التعليم، والصحة، يقف اليوم عاجزاً أمام ما تشهده غزة من حرب دمّرت حياة المدنيين وأخرجت حقوق الإنسان من دائرة التطبيق الواقعي إلى دائرة الشعارات.
القانون الدولي الإنساني، بما في ذلك اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها الإضافية، يؤكد حماية المدنيين والأعيان المدنية أثناء النزاعات المسلحة، ويجرّم القتل العمد، الإبادة، التهجير القسري، والتدمير المنهجي للبنية التحتية. ورغم وضوح هذه النصوص، فإن الواقع على الأرض يكشف عن فشل مطلق في حمايتها، خصوصاً في ظل استهداف الأحياء السكنية والمستشفيات والمدارس، ما يجعل هذه الالتزامات القانونية أمام امتحان حقيقي.
من منظور حقوقي وقانوني، ما يجري يمكن وصفه بأنه انتهاك صارخ لمبادئ حقوق الإنسان وجرائم حرب محتملة، وفق الاتفاقية الدولية لمنع ومعاقبة جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948. التجاهل المستمر للضمانات الدولية، وغياب مساءلة واضحة للجهات المسؤولة، يضع المجتمع الدولي أمام اختبار لمصداقيته، ويبرز فجوة كبيرة بين النصوص القانونية المعلنة والقدرة على تنفيذها وحماية المدنيين فعلياً.
على الصعيد السياسي والاستراتيجي، يعكس هذا الواقع فشل أساليب الردع والضغط الدبلوماسي، ويزيد من إحباط الشعوب المتأثرة ويغذي دائرة العنف المستمر. إن الدعوات المستمرة لتطبيق القانون الدولي تبدو عاجزة أمام القوة العسكرية المطلقة، ما يعيد فتح النقاش حول ضرورة تطوير آليات جديدة لحماية المدنيين، تتجاوز البيانات والإدانات الشكلية إلى إجراءات ملموسة.
كما يجب التأكيد على أن القيم الإنسانية والقانونية لا تزال قائمة، لكنها بحاجة إلى التفعيل الفعلي عبر:
ضغوط سياسية مستمرة على الأطراف المتورطة.
ملاحقة قضائية دولية للمسؤولين عن الانتهاكات.
تعزيز آليات الرصد والتحقيق المستقلة لضمان تحقيق العدالة.
إن تطبيق هذه الإجراءات لن يحمي غزة فحسب، بل يعزز مصداقية القانون الدولي وحقوق الإنسان عالمياً. ففي نهاية المطاف، ما يحدث اليوم ليس مجرد انتهاك لحقوق شعب فلسطيني، بل اختبار للضمير الإنساني والسياسي والقانوني للمجتمع الدولي بأسره.
لقد أثبت الواقع أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بعد سبعة وسبعين عاماً لا يزال وثيقة أساسية، لكنه بحاجة إلى إرادة سياسية وقانونية حقيقية لتطبيقه وحماية المدنيين من الانتهاكات الجماعية. إن فشل المجتمع الدولي في التفاعل الفعال مع الأزمة الحالية يعني أن القيم الإنسانية ستبقى حبرًا على ورق، إلا إذا تم تحويلها إلى إجراءات ملموسة تردع الانتهاكات وتحمي الأرواح.
في هذا السياق، فإن غزة ليست مجرد مكان على الخارطة، بل محك عالمي لمصداقية القانون الدولي وحقوق الإنسان، وإشارة صارخة إلى أن حماية البشر من الإبادة الجماعية لا يمكن أن تبقى مجرد شعارات، بل يجب أن تتحول إلى فعل عاجل وحقيقي على الأرض.




