من باب المندب إلى غزة: لماذا تراهن إسرائيل على أرض الصومال؟

من باب المندب إلى غزة: لماذا تراهن إسرائيل على أرض الصومال؟
بقلم: رئيس التحرير
لم يكن اعتراف “إسرائيل” بما يُعرف بـ“أرض الصومال” (صوماليلاند) كـ“دولة مستقلة ذات سيادة” خطوة دبلوماسية معزولة أو رمزية، بل يأتي في سياق استراتيجية أوسع لإدارة الفوضى الإقليمية، وتوسيع دوائر النفوذ من غرب آسيا إلى القرن الأفريقي، تحت مظلة أميركية واضحة.
فالاعتراف، الذي وُقّع ـ بحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ـ “بروح اتفاقيات أبراهام”، يعكس توجهاً إسرائيلياً لنقل نموذج التفكيك والتطبيع من الشرق الأوسط إلى شرق أفريقيا، مستنداً إلى كيان انفصالي لم يحظَ بأي اعتراف دولي منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991.
ورغم استهزاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالسؤال عن “ما هي أرض الصومال؟”، فإنّ واشنطن وتل أبيب تعرفان جيداً أهمية هذا الإقليم، وموقعه، ووظيفته المحتملة في معادلات الصراع الإقليمي والدولي.
أرض الصومال: واقع أمر لا شرعية له
تاريخياً، تُعدّ أرض الصومال جزءاً من جمهورية الصومال الموحدة، وانفصالها الأحادي لا يستند إلى أي أساس قانوني دولي. فالقانون الدولي، وميثاق الأمم المتحدة، وقرارات الاتحاد الأفريقي، تؤكد جميعها مبدأ وحدة أراضي الدول، وترفض شرعنة الكيانات الانفصالية خارج إطار التوافق الوطني والدولي.
ورغم امتلاك الإقليم مؤسسات حكم محلية، وعلاقات غير رسمية مع بعض الدول، فإنّ ذلك لا يمنحه صفة الدولة، ولا يبرر الاعتراف به، خاصة إذا كان هذا الاعتراف يخدم أجندات عسكرية وأمنية خارجية.
الموقع… مفتاح اللعبة
تكمن الأهمية الحقيقية لأرض الصومال في موقعها الجغرافي على خليج عدن، قرب مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم. هذا الموقع يجعلها نقطة جذب للقوى الكبرى الساعية إلى السيطرة على طرق التجارة والطاقة، وتعزيز حضورها العسكري في القرن الأفريقي.
وفي ظل تحوّل جيبوتي إلى مركز للقواعد العسكرية الأجنبية، تسعى قوى دولية إلى توسيع انتشارها في الإقليم، وأرض الصومال تمثّل حلقة مثالية في هذا السياق.
قاعدة أمامية ضد اليمن
تشير تقارير إسرائيلية إلى أنّ الاعتراف بأرض الصومال يخدم هدفاً أمنياً مباشراً، يتمثل في استخدامها كقاعدة عسكرية واستخباراتية متقدّمة قريبة من اليمن. فالمسافة القصيرة نسبياً بين سواحل الإقليم والسواحل اليمنية تمنح “إسرائيل” قدرة على الرصد والتدخل، بعيداً عن كلفة المواجهة المباشرة.
وهذا التوجّه ينسجم مع عقيدة “الأمن عن بُعد” التي تعتمدها “إسرائيل”، عبر نقل خطوط الاشتباك إلى ساحات هامشية وهشّة.
الاقتصاد كغطاء أمني
تروّج “إسرائيل” لعلاقات اقتصادية مع الإقليم، تشمل الزراعة والطاقة والبنية التحتية، غير أنّ هذه المشاريع، في جوهرها، تشكّل غطاءً لتثبيت وجود أمني وعسكري طويل الأمد، لا مشروع تنمية حقيقية لشعب يعاني هشاشة اقتصادية وسياسية.
التهجير… الخطر الأكبر
الأخطر هو إدراج أرض الصومال ضمن نقاشات أميركية–إسرائيلية سابقة حول إعادة توطين فلسطينيين من قطاع غزة، في إطار مخططات ما بعد الحرب. فمثل هذه الطروحات تمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، ومحاولة لإحياء مشاريع التهجير القسري، باستخدام كيانات ضعيفة كورقة سياسية.
صراع نفوذ دولي
لا يمكن فصل الخطوة الإسرائيلية عن الصراع الأميركي–الصيني في القرن الأفريقي. فواشنطن، القلقة من تنامي النفوذ الصيني، تسعى إلى تثبيت وجودها العسكري في موانئ استراتيجية، مستخدمة “إسرائيل” كذراع متقدّمة لتقليل الكلفة السياسية.
خلاصة
إنّ الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال لا يخدم الاستقرار، بل يهدد وحدة الصومال، ويحوّل القرن الأفريقي إلى ساحة جديدة للصراع الدولي. وما يُقدَّم تحت شعارات “الاعتراف” و“الشراكة” ليس سوى إعادة إنتاج لسياسات التفكيك، وهندسة فوضى مقصودة، تقودها “إسرائيل” برعاية أميركية، على حساب القانون الدولي وأمن الشعوب.




