تحقيقات وتقارير

الهندسة الجيوسياسية للعراق في الاستراتيجية الأميركية – الإسرائيلية

الهندسة الجيوسياسية للعراق في الاستراتيجية الأميركية – الإسرائيلية

يحتل العراق موقعًا جيوسياسيًا فريدًا يجعله في قلب التفاعلات الإقليمية والدولية، بحيث لا يمكن فصله عن التحولات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، سواء تلك المرتبطة بالسياسات الأميركية والإسرائيلية، أو بتغير موازين القوى الإقليمية بعد حروب غزة ولبنان، وما تلاها من تطورات كبرى في سوريا. هذا الموقع، الذي كان تاريخيًا مصدر قوة للعراق، تحوّل في العقود الأخيرة إلى عامل ضغط دائم، بفعل تراكب المصالح الدولية وتداخلها، وبسبب هشاشة البنية السياسية والأمنية الداخلية التي ما زالت تعاني من آثار الاحتلال الأميركي عام 2003 وما ترتب عليه من اختلالات بنيوية.

تتعامل الولايات المتحدة مع العراق بوصفه حلقة مركزية في مشروع إعادة هندسة الشرق الأوسط، وهو مشروع لا يقوم على منطق الشراكة المتكافئة، بل على إعادة توظيف الجغرافيا والموارد والأنظمة السياسية بما يخدم المصالح الأميركية والإسرائيلية. وفي هذا السياق، يعيش العراق حالة من القلق البنيوي الدائم، حيث يجد نفسه محاصرًا بين ضغوط واشنطن، وتقاطعات المصالح مع إيران وتركيا وسوريا، إضافة إلى التحديات الداخلية التي تعمّق من هشاشة القرار السيادي. هذه الحالة أنتجت ما يمكن تسميته بـ«الهواجس الكبرى» التي تهيمن على العقل السياسي العراقي، وتدفعه إلى التعامل مع الولايات المتحدة باعتبارها «ضرورة صعبة» لا يمكن القطيعة معها، ولا يمكن الوثوق بها في الوقت نفسه.

يتصدر الهاجس الاقتصادي قائمة المخاوف العراقية، إذ تمتلك واشنطن أدوات ضغط مالية بالغة التأثير، على رأسها التحكم غير المباشر بتدفقات الدولار من خلال آلية إيداع عائدات النفط العراقي في حسابات خاضعة لرقابة الاحتياطي الفيدرالي الأميركي. هذا الواقع يمنح الولايات المتحدة قدرة استثنائية على التأثير في سعر صرف الدينار العراقي، وعلى خلق اختناقات مالية يمكن أن تتحول بسرعة إلى أزمات اجتماعية تهدد الاستقرار السياسي. ورغم انتهاء ملف تعويضات حرب الكويت، فإن استمرار هذا الترتيب المالي يجعل الاقتصاد العراقي مكشوفًا أمام أي توتر سياسي مع واشنطن، ويحوّل السيادة المالية إلى سيادة منقوصة، مشروطة بحسن السلوك السياسي وفق المعايير الأميركية.

إلى جانب الاقتصاد، يبرز هاجس عودة تنظيم داعش كأداة ضغط أمنية محتملة، سواء عبر إعادة تنشيط خلاياه في المناطق الحدودية مع سوريا، أو من خلال استثمار الثغرات الأمنية لفرض استمرار الوجود العسكري الأميركي تحت عنوان «مكافحة الإرهاب». هذا الهاجس يتقاطع مع ملف الفصائل المسلحة وسلاحها، حيث يُستخدم التهديد الأمني كورقة للضغط على بغداد من أجل تقديم تنازلات سيادية تمسّ توازناتها الداخلية وعلاقاتها الإقليمية، ولا سيما مع إيران.

كما تلعب الولايات المتحدة دورًا فاعلًا في إعادة تشكيل التوازنات السياسية الداخلية، عبر دعم أطراف بعينها بشكل مباشر أو غير مباشر، ما يساهم في تعميق الانقسامات السياسية والطائفية، ويُبقي النظام السياسي في حالة هشاشة دائمة. ويُعاد في هذا الإطار التلويح بخيارات الفيدرالية الموسعة أو اللامركزية كأدوات ضغط، بما يهدد وحدة الدولة ويحوّل التنوع العراقي من عامل غنى إلى مصدر تفكك.

تنظر واشنطن إلى العراق من زاوية دوره الوظيفي في مشروع «الشرق الأوسط الجديد»، باعتباره عقدة وصل جغرافية بين الخليج وتركيا وسوريا وإيران، ومحورًا لممرات الطاقة والتحالفات الأمنية. ومن هذا المنطلق، تسعى إلى دمجه في منظومات اقتصادية وأمنية تخدم استراتيجيتها في مواجهة الصين وروسيا وإيران، مع تقليص كلفة الانخراط العسكري المباشر. ويتجلى ذلك في السعي إلى ربط العراق بشبكات طاقة بديلة عن إيران، وتعزيز دور الشركات الأميركية في قطاع النفط، بما يحدّ من قدرة بغداد على التحكم المستقل بمواردها.

في هذا السياق، تبرز تطورات المشهد السوري كعامل ضغط إضافي على العراق، إذ تشكل سوريا اليوم ساحة مفتوحة لتقاطع النفوذ الدولي والإقليمي، ما ينعكس مباشرة على الأمن العراقي. فاحتمالات تسلل الجماعات الإرهابية، وتدفق النازحين، وانتقال الصراعات الإقليمية، جميعها عوامل تهدد الاستقرار الداخلي، وتضع العراق أمام تحديات أمنية وسياسية معقدة، خصوصًا في ظل طول الحدود المشتركة وضعف السيطرة الكاملة عليها.

ويزداد المشهد تعقيدًا مع بروز ما يُعرف بمشروع “ممر داوود” الإسرائيلي، الذي يتجاوز كونه مشروع بنية تحتية إلى كونه تصورًا جيوسياسيًا متكاملًا يهدف إلى إعادة رسم خرائط النفوذ في المشرق العربي. يقوم هذا المشروع على إنشاء ممر بري يمتد من الجولان المحتل وصولًا إلى إقليم كردستان العراق، مستفيدًا من الهشاشة الإثنية والطائفية في المناطق التي يمر بها، بما يمنح إسرائيل منفذًا استراتيجيًا نحو الشرق، ويحوّل العراق إلى حلقة ضمن منظومة تطبيع اقتصادي وأمني قسري.

يمثل هذا المشروع تهديدًا مباشرًا للدور التاريخي للعراق كجسر بين الشرق والغرب، ويقوّض مشاريع وطنية حيوية مثل “طريق التنمية” وميناء الفاو، عبر فرض مسارات بديلة تخضع للهيمنة الإسرائيلية. كما أن أي انخراط عراقي في هكذا مشاريع سيؤدي إلى توترات داخلية حادة، نظرًا للرفض الشعبي الواسع لأي شكل من أشكال التطبيع مع الكيان الإسرائيلي، فضلًا عن المخاطر المرتبطة بتآكل السيادة الاقتصادية والأمنية.

في المحصلة، يقف العراق اليوم أمام مفترق طرق تاريخي، حيث تتقاطع عليه مشاريع الهيمنة الإقليمية والدولية، في ظل استراتيجية أميركية تقوم على تعظيم النفوذ المالي والاقتصادي، وتقليل الكلفة العسكرية، وفرض التنازلات عبر سياسة “السلام بالقوة”. وبينما تسعى واشنطن إلى استخدام العراق كأداة في توازنات إقليمية أوسع، تبقى قدرة بغداد على تعزيز مناعة الدولة، وتحصين وحدتها الداخلية، وبناء علاقات إقليمية متوازنة مع إيران وتركيا وسوريا، العامل الحاسم في منع انزلاق البلاد نحو مزيد من التبعية أو التفكك.


الكاتب: غرفة التحرير

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب