مبادرة سخنين: الإرادة المجتمعيّة لاستعادة الحيّز العام

مبادرة سخنين: الإرادة المجتمعيّة لاستعادة الحيّز العام
يعزز هذا الحراك المنطلق من سخنين في موضوعه وغاياته الجهود والسعي إلى تشكيل أوسع قائمة انتخابية وحدوية، أو على الأقل تجميع أوسع قطاع ممكن من مجتمعنا في قوة سياسية موحدة، أراد من أراد ورفض من رفض…
انطلاق الحملة الشعبية ضد الجريمة وتقاعس أجهزة الدولة في مواجهتها من سخنين وبالشكل الذي تمّت فيه وصولًا إلى الإضراب اليوم، ينطوي على جملة من الدروس والعبر على العديد من المستويات. وهو ما نريد أن نسجّله هنا في زمن حصول الحدث مع الحرص على وضعه في نصابه وأن نتتبّع دلالاته دون مبالغات لفظية أو إسقاطات للأماني والرغبات. أن تتدحرج مبادرة محلية وتمتدّ إلى مجتمع كامل على كل مواقع تواجده ليس بأمر مألوف أو اعتيادي. أن تنطلق الفكرة من مجموعة أشخاص وتسكن في يوم أو يومين مجتمعًا كاملًا، أمر ينبغي الوقوف عنده. أن يشعر مجتمع باقتداره في عزّ تعبه وحملات التحريض ضده وفي ظلّ حرب إبادة وسلطة عدوانية متجبّرة، فهذا حدث لافت في أقلّ تقدير يستدعي أن نهتم بحصوله. حدث يُحسب لصالح أصحابه المبادرين لكنه بعد نجاح الإضراب والتظاهرة في مدينة سخنين، يمكن أن نعتبره حدثًا جماهيريًا شعبيًا بامتياز، سيما أنه حظي بقبول ومشاركة غير مسبوقين.
– لا يزال مجتمعنا، رغم الضربات التي وقعت عليه من أوساط الجريمة المنظّمة الناشطة بتغطية مؤسساتية واضحة في السياسات والخطاب، وبتغطية اجتماعية جزئية، قادرًا على الفعل، على التحرّك وعلى ترجمة وعيه وإدراكه إلى عمل في الميدان مرئي وملموس. إلى خيمة اعتصام تحولت بسرعة إلى إضراب عام في مدينة وإلى إضراب أعمّ وأشمل في مجتمع، إلى حراك واسع وسلسلة من المبادرات المحلية. وهو ما يشي برغبة مجتمعية في مواجهة أهم ملف على جدول أعمال المجتمع، وهو ملف الجريمة وعنفها وفقدان الأمن العام والقدرة على ضمان لقمة العيش والكسب الحلال وتحقيق الذات.
– عنف الجريمة الذي بدأ بتشويش سير الحياة في أوساط محددة تمدّد بغطاء مؤسساتي وحصد الأرواح ثم هتك نسيج المجتمع وعطّل سير حياته وأنهك قدراته من خلال ضرب اقتصاده ومرافقه الحيوية. فبعد أن وضع يده على مقدرات القطاع العام من أموال حكومية وفي السلطات المحلية، انتقل إلى القطاع الخاص العربي ليستولي على ميزانياته وثمرة عمله. وهذا ما برز في حالة سخنين. لم يعد الأمر بشأن الاعتداء على حيوات الناس وأملاكها وسحق كراماتها، ولا بشأن الاستيلاء بطرق غير قانونية على مال عام وأملاك عامة، فقد انتقلت الجريمة هناك إلى ضرب اقتصاد المدينة من خلال فرض نظام الخاوة على مصالحها. في هذه المرحلة لم يعد المجتمع قادرًا على احتواء الضربات من الجريمة ومواصلة حياته. لقد تمادى المجرمون في تعطيل العصب الذي يحفظ الحياة ويجعل المجتمع قادرًا على استيعاب الفقدان والألم والثكل. في هذه النقطة بالذات، خرج الناس ليحفظوا قدرتهم على الحياة وقدرة المجتمع على مواصلة السير إلى المستقبل.
– يعكس الحدث تعمّق إدراك الناس أن عليها أخذ زمام الأمور إلى أيديها والمبادرة إلى الفعل وعدم انتظار أي شيء وأي جهة. وهي، وإن شاركت القيادات في الإدراك، سبقتها في الفعل. نعم، الناس في هذا الحدث سبقت القيادات في الانتقال من الوعي بالمحنة إلى مواجهتها فعليًا على الأرض. صحيح أن الفعل لا يزال في أوّله، لكني أرجّح أنه سيتدحرج ويكبر ويمتدّ. مثل هذه المبادرات “مُعدية” وتلتقي مع روح الجماعة وغضبها وتطلعاتها في هذه الظروف.
– تخطئ القوى السياسية إن لم تعترف للناس بريادتها لهذا الحدث الجماعي، وإن هي حاولت استغلاله وركوب موجته. والفارق في الحقيقة بسيط بين هذا وبين السير يدًا بيد مع الناس وحمل همها ومطلبها. وستكون مهمتها صعبة في ظل سلطة منحت الجريمة حرية تفتيت المجتمع وضرب اقتصاده وتتعمّد تكريس الحال ورفض أداء وظائفها كمسؤولة أولى وأخيرة عن سلامة الناس وممتلكاتهم وسير حياتهم. يذكّرنا هذا الحدث بالملابسات التي قادت إلى إعلان إضراب يوم الأرض كحدث مصمم في آذار 1976. يومها، بدا الناس أكثر فاعلية واستعدادًا للفعل من غالبية القيادات (يومها، أيضًا، حاولت السلطات ضرب اقتصاد الناس من خلال مصادرة الأرض كمصدر رزق وحيز للعيش في منطقة سخنين وعربة ودير حنا). إن القوى التي عرفت كيف تفسح المجال للناس والجماهير يومها، وكيف تسير معها وتدعم مطالبها وتتقمص روحها، قادت كل المجتمع العربي منذ ذلك الوقت إلى سنين خلت، وأقصد الحزب الشيوعي و”الجبهة”. الالتحام بالناس وهمومها وقضاياها فعليًا وليس فقط خطابيًا هو مهمة النخب والقيادات إذا أرادت لنفسها ولمجتمعها السؤدد أو على الأقل العيش بكرامة.
– صحيح أن فيما قلته آنفًا نقدًا للقيادات في مجتمعنا أو هي إشارة، كرت أصفر بلغة كرة القدم، لكن الحدث في سخنين يحمل في أساسه رسالة واضحة للمؤسسة الإسرائيلية التي تراهن على إمكانية تفكيك المجتمع وضربه ببعضه من خلال الجريمة المنظّمة التي حوّلتها إلى قوة ضاربة ـ العنف ـ وإلى “فرع اقتصادي” غير مشروع لكنه يستأثر بحصة كبيرة في مجتمع إمكانياته الاقتصادية محدودة بالأصل. بمعنى آخر، الحدث في سخنين هو خروج المجتمع لاستعادة ما أُخذ منه بالخاوة، الأرواح والمال وفرص التطور والحيز العام برمّته. ما انطلق من سخنين هو محاولة لاستعادة المجتمع وقواه الراغبة بعيش كريم وحياة ذات معنى للحيز العام في البلدة والمدينة والشارع والمتجر من أيدي الجريمة المدعومة مؤسساتيًا.
– من أجل ضمان استمرار الزخم وتحقيق غايات المبادرة المنطلقة من سخنين، ينبغي إقامة شراكة فورية بين الناس والقيادات لتثمير الجهود والطاقات. أقول هذا مشيرًا إلى استجابة القيادات (لجنة المتابعة مثلًا، وليس وحدها) لنبض سخنين والشارع العربي وانضمامها إلى الحراك دون قيد أو شرط. ينبغي تعزيز وتقوية ما حصل في هذا الباب كي يظل عنوان الحراك الدولة ومؤسساتها لا سيما الحكومة العنصرية التي تناصب مجتمعنا، شعبنا كله، العداء وتشن حربًا متعددة الأشكال ضده في كل أماكن تواجده. وأقترح التفكير في أخذ هذه الشراكة إلى أمام ومدّها واستثمارها في الجولة الانتخابية المقبلة على أن يكون الناس شركاء في القوائم الانتخابية وليس فقط كناخبين.
– يعزز هذا الحراك المنطلق من سخنين في موضوعه وغاياته الجهود والسعي إلى تشكيل أوسع قائمة انتخابية وحدوية، أو على الأقل تجميع أوسع قطاع ممكن من مجتمعنا في قوة سياسية موحدة، أراد من أراد ورفض من رفض. الانطلاقة من سخنين وتطلعاتها ينبغي أن تكون درسًا للمفتنين وللمحرّضين ولأصحاب نزعات الخلاص الفردي، فلا خلاص فرديًّا كما يتجلى لنا ذلك في مدينة سخنين وكل مجتمعنا، لا أمام الجريمة وضرباتها القاتلة ولا أمام حكومة الحرب والعدوان والاقتلاع والتحريض ونزع الشرعية والإنسانية عن مجتمعنا.
شكرًا سخنين، شكرًا لأنك علّمتنا كل هذه الدروس، ولأنك دفعتنا دفعًا في السير نحو أنفسنا، نحو الطاقات الكامنة فينا، نحو تحويل الوعي الجماعي إلى فعل جماعي. لن يختفي “الطخيخة” ولن تنتهي الجريمة غدًا، لكنك كشفت مواضع الاقتدار في وجودنا.



