هل يعتدون على إيران؟

هل يعتدون على إيران؟
بقلم موفق محادين
شنّ عدوان واسع على إيران ليس بالأمر الهيّن من حيث تداعياته وآفاقه، وبينها تداعيات غير متوقّعة قد تقلب الوضع كلّه رأساً على عقب.
على الأغلب، في ضوء تجربة العدوان الأميركي السابق على إيران، فاحتمالات العدوان هذه المرة ستكون مختلفة من حيث أدواتها وأهدافها وتداعياتها واتساع نطاقها، ومن حيث الردّ الإيراني (التاريخي) على مستوى الإقليم برمّته.
بالنسبة للعدوان المحتمل، فلا يأتي هذه المرة في إطار صعود تاريخي للإمبريالية وحسابات استراتيجية من هذا النمط كما في مرحلة مونرو وأيزنهاور وحتى ريغان، بل في سياق أزمة بنيوية سبق أن عاينها مبكراً مفكّران كبيران من مفكّري هذه الإمبريالية: بريجنسكي انطلاقاً من تداعيات الثورة المعلوماتية والعولمة، وبول كينيدي انطلاقاً من وهم القوة البحرية في عالم بري.
وغالباً ما ترتبط هذه الأزمات وتعبيراتها بأنماط من الأباطرة المرضى والمجانين، كما تحدّث عنهم ماركس بإشارته إلى التاريخ عندما يكرّر نفسه (نابليون الثالث مقارنة بـ نابليون الأول، الكوميديا المتوحشة السوداء مقارنة بالتراجيديا التاريخية)، فإذا ما حدث مثل هذا العدوان فهو:
– مظهر للتخبّط الأميركي الناجم عن الأزمة البنيوية العميقة التي ضربت وتضرب المنظومة الرأسمالية العالمية برمّتها، وتعيد شكل مؤسساتها الدولية والاقتصادية والعسكرية، فنحن على أعتاب ظروف تشبه الحربين العالميتين الأولى والثانية وما انتهت إليه من التصدّعات الداخلية لهذه الرأسمالية.
يشار هنا إلى انعكاسات الثورة المعلوماتية والتقنية على البناء الرأسمالي وطرد مئات الملايين من سوق العمل والهرب إلى أزمات مفتعلة وإشاعة الفاشية.
– مظهر للتخبّط داخل مجموعات المصالح والمؤسسات الأميركية نفسها، التي لم تدخل حالة كهذه من قبل مما جعل سياسات ترامب الهستيرية ممكنة ومتاحة.
– مظهر لاستعمار جديد مع تزايد أهمية الأسواق التقليدية والمعادن النادرة.
– مظهر لأزمة الشكل السياسي للدولة التي لم تتطوّر كثيراً منذ وستفاليا (المعاهدة التي أسست للنظام الدولي الحالي).
– مظهر للفاشية الجديدة التي تحمّل المهاجرين وخاصة العمال مسؤولية الأزمة الرأسمالية.
– مظهر لازدياد أهمية الجيوبولوتيك في السياسة والمصالح الدولية، وبشكل خاص توظيف أفكار ماكندر عن “الهارت لاند” الأوراسي وضرورة السيطرة عليه لمنع روسيا من الاقتراب من المياه الدافئة، ومنع الصين من تكريس صعودها الكبير عبر طريق الحرير والحزام.
– مظهر للانبعاثات الأصولية على حساب الليبرالية وعقلانية مرحلة الحداثة، ومن أخطر هذه المظاهر ما يتعلّق بصعود اللوثرية المتطرّفة والصهيونية المسيحية إضافة إلى الأصوليات التكفيرية.
أما لماذا إيران تحديداً، فلأنها أكبر قوة مستقلة داخل “الهارت لاند” الجنوبي المتكامل مع “الهارت لاند” الأوراسي، مضاف إلى ذلك علاقات إيران الاستراتيجية التي تتوسّع باستمرار مع روسيا والصين، فمقابل تركيا الأطلسية والتي تقيم علاقات معروفة مع الكيان الصهيوني، ومقابل المشهد العربي وتناثره بين التبعيّة والعجز والاحتقانات الطائفية، فإنّ إيران هي أكبر قوة إقليمية مستقلة ومتسلّحة بمشروع نووي معروف، وتقاسم واشنطن النفوذ في بلدان عديدة، مثل أذربيجان والعراق، إضافة إلى حضورها في أوساط شعبية واسعة في بلدان أخرى.
وليس بلا معنى التركيز الشديد المتواصل على ما يسمّى (الخطر الإيراني) في كلّ التقارير السنوية لمعهد واشنطن ومؤتمر هرتزيليا الصهيوني.
من أجل ذلك ظلّت إيران الهدف الأول للاستراتيجية الأميركية والصهيونية، سواء من خلال مشاريع سياسية وأمنية واقتصادية، أو من خلال العدوان المباشر، وكان من أبرز هذه المشاريع تعطيل القوة الاقتصادية الإيرانية، بدءاً من الحصار الاقتصادي الطويل، إلى مشاريع قيد البحث لإنشاء قنوات وممرات مائية وبرية لاستبدال مضيق هرمز بممرات بين الخليج والبحر الأحمر أو بين الخليج وبحر العرب.
ومثل ذلك ما يقال عن الممر البري بين أذربيجان وأرمينيا (ممر زانغيزو)، أما الأخطر فهو الاحتلال الأميركي والصهيوني المباشر لقطاع غزة من أجل الاستيلاء على الاحتياطي الضخم للغاز في ساحل القطاع، كبديل للغاز الإيراني والروسي في أسواق أوروبا القريبة، وهذا ما يشرح جانباً مهماً من فكرة مجلس (السلام) العالمي.
إضافة إلى الأبعاد المذكورة في استراتيجية العدوان الأميركية – الصهيونية ضد إيران، فإنّ شبح العدوان المباشر يلوح في الآفاق متسلّحاً باستخدام وحشي واسع للتكنولوجيا ومترافقاً مع خلق بيئة طائفية على مستوى الإقليم برمّته، وهو السيناريو الذي يستند إلى توظيف مركّب للجولانيّين في سوريا وإلى “الدواعش” في العراق بعد تهريبهم من السجون التي كانوا محتجزين فيها شمال شرق سوريا.
ومن التداعيات الخطرة للسيناريو المذكور أنه لا يقتصر على استهداف إيران وحدها، بل يضع المنطقة كلّها في صورة حرب طائفية مدمّرة وفق استراتيجية حدود الدم الطائفية والجهوية التي وضعها الجنرال الأميركي، رالف بيترز.
كلّ ما سبق عناوين لأوهام أميركية بإحداث تغيير بهذا المستوى أو ذاك في إيران: تدمير الدولة وإعادة إنتاجها على طريقة سوريا وجمهوريات الموز، أو ترويض الحكم وإجباره على شراكة بالقوة مع تيارات داخلية تجري صناعتها وتصعيدها.
وثمّة ما يقال هنا عن تداعيات الفسيفساء الاجتماعية والإثنية في أيّ بلد يشبه إيران، فحيث تتحوّل هذه الفيسفساء إلى مصدر للتنوّع والقوة طالما ظلت الدولة قوية وسيدة، فإنّ هذه الفسيفساء تتحوّل إلى مصدر للثورة المضادة والانقسام بل والحرب الأهلية كلما ضعفت الدولة.
تحسبات العدوان
بالرغم من كلّ مظاهر القوة التقنية والمسرح الطائفي الذي تحضره واشنطن و”تل أبيب” في سوريا الجولانية و”الدواعش” في العراق، وبالرغم من تداعيات العدوان الذي استهدف محور المقاومة وأدى إلى استشهاد السيد وإسقاط الدولة السورية، إلّا أنّ شنّ عدوان واسع على إيران ليس بالأمر الهيّن من حيث تداعياته وآفاقه، وبينها تداعيات غير متوقّعة قد تقلب الوضع كلّه رأساً على عقب:
– الاستعدادات الإيرانية الجديدة وفق مؤشّر التعمية التكنولوجية في الفضاء الإيراني خلال الأحداث الأخيرة.
– إذا كان من المنطقي والعقلاني والمسؤولية أيضاً ضبط النفس في حالات العدوان المحدود كما حدث في مرات سابقة، فإنّ عدواناً واسعاً يستهدف تدمير إيران أو إضعافها أو إعادتها إلى نظام الشاه العميل المخلوع، سوف يؤدّي بالتأكيد إلى إشعال الخليج برمّته وتغيير معالمه وإغراق العالم كلّه، بما في ذلك الأسواق الأميركية بأزمة نفط وغاز طويلة ومدمّرة.
– بقدر ما سيصيب إيران من أذى كبير على صعيد البنية الفوقية والتحتية، بقدر ما سيصيب المصالح والقواعد الأميركية، المهمة بحد ذاتها في سياق النفوذ الأميركي العالمي، والضامن الأساسي للنظام المالي والنقدي الأميركي وموقع الدولار فيه.
– إذا كانت الضربات الإيرانية المحدودة في المواجهة السابقة قد ألحقت كلّ ذلك الضرر بالمنشآت الصهيونية الحساسة في قلب “تل أبيب” وميناء حيفا الاستراتيجي وقواعد النقب، ووسّعت من الهجرة اليهودية المعاكسة، فإنّ ردّة الفعل الإيرانية المتوقّعة على عدوان واسع ستلحق بالكيان خسائر كبيرة واستراتيجية وتعمّق التصدّع الاجتماعي الداخلي فيه.
– إنّ حرباً بهذه الاحتمالات، لن تكتفي موضوعياً بتبديد الاستهدافات الأميركية فيما يخصّ “الهارت لاند” الجنوبي والصراع الدولي عليه مع روسيا والصين، بل ستخلط الأوراق من جديد وتعيد التوازن الدولي للشرق الأوسط.
– وبالمثل يمكن انتظار صعود خط وثقافة المقاومة حول الكيان بمستويات جديدة تحاصر الإبراهيمية السياسية بدلاً من إعادة تعميمها.
الاحتمالات في ضوء ما سبق
– رغم مظاهر التنمّر الأميركية ومحاولات بناء روما إمبراطورية جديدة، تبقى المخاوف والحسابات الأميركية حذرة وقائمة أيضاً.
– إنّ أبرز حلفاء واشنطن في المنطقة، الكيان الصهيوني ومحميات النفط والغاز المسال، بالقدر الذي يتمنّون فيه زوال إيران وليس إضعافها وحسب، بالقدر الذي يدركون فيه أنّ حرباً مدمّرة ضدّ إيران قد تطيح بهم جميعاً وتهدّد مستقبلهم.
– إذا كانت أيّ حرب محدودة من شأنها تقوية إيران بدل إضعافها، وإذا كانت الحرب الواسعة مفتوحة على احتمالات خطيرة، فالأرجح أنّ واشنطن ستواصل العمل على رهاناتها السابقة: الحصار الاقتصادي والسياسي، وإضعاف حلفاء إيران خارج الأسوار، وصولاً إلى وهمها التاريخي بإضعاف التيار الراديكالي وتصعيد تيار تغريبي انعزالي وشاهنشاهي يدعو إلى فكّ علاقة إيران بقضايا التحرّر في المنطقة والعالم، وذلك بالتزامن مع تطويق إيران بمحيط من الخطاب الطائفي.
بالمحصّلة، طبول الحرب المسموعة لا تعني أنّ الحرب الواسعة أكيدة أو وشيكة، وفي الوقت نفسه تبقي الباب مفتوحاً لحماقات الإمبريالية في أزمتها.
الميادين




