
موسكو وواشنطن في ضوء أزمة غرينلاند: بين الصبر الاستراتيجي والتصدّعات الأطلسية
أزمة غرينلاند تحوّلت إلى اختبار حقيقي لصلابة التحالف الغربي، ولقدرة القوى الكبرى على إدارة التنافس في المناطق الحسّاسة من دون الانزلاق إلى صراع مفتوح.
يشهد العالم تحوّلات جيوسياسية متسارعة، حيث أصبحت أزمة غرينلاند – التي تُعدّ ثاني أكبر جزيرة في العالم بعد أستراليا، وتقع بين المحيط المتجمّد الشمالي والمحيط الأطلسي- محوراً للتوترات بين الولايات المتحدة وأوروبا.
هذه الأزمة، التي بدأت مع إصرار ترامب على السيطرة على غرينلاند، وسلخها من الدنمارك، تُعدّ اختباراً للتوازنات العالمية، خاصة في القطب الشمالي.
غير أنّ الأزمة لا تقتصر على البعد الأميركي-الأوروبي فحسب، بل تتداخل فيها حسابات روسيا التي تراقب المشهد من زاوية استراتيجية أكثر برودة وصبراً. إذ يستغلّ الكرملين الانقسامات داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والتباينات بين واشنطن والعواصم الأوروبية، لتعزيز موقعه الإقليمي والدولي من دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة. وتبدو موسكو ملتزمة باستراتيجية تقوم على الصبر، وانتظار خصومها وهم يستنزفون أنفسهم عبر قرارات متسرّعة وأخطاء سياسية، في تجسيد عملي للمقولة المنسوبة إلى نابليون بونابرت: “لا تقاطع عدوك أبداً وهو يرتكب خطأً”.
وبذلك، تتحوّل أزمة غرينلاند إلى اختبار حقيقي لصلابة التحالف الغربي، ولقدرة القوى الكبرى على إدارة التنافس في المناطق الحسّاسة من دون الانزلاق إلى صراع مفتوح.
تفكّك التماسك الأطلسي: أزمة غرينلاند واختبار الناتو
تُعدّ أزمة غرينلاند أشدّ الاختبارات التي واجهها حلف شمال الأطلسي (الناتو) منذ تأسيسه عام 1949. بدأت الأزمة في كانون الأول/ديسمبر 2025، عندما أعاد ترامب، في ولايته الثانية، طرح فكرة شراء غرينلاند من مملكة الدنمارك، معتبراً إياها ضرورية لأمن الولايات المتحدة في مواجهة التهديدات الروسية والصينية في الآركتيك (المحيط المتجمّد الشمالي).
تصاعد التوتر قبل أسبوع، عندما هدّد ترامب باستخدام القوة العسكرية أو فرض رسوم جمركية تصل إلى 25% على الدول الأوروبية إذا لم تتنازل الدنمارك عن الجزيرة. هذه التهديدات أثارت غضباً أوروبياً واسعاً، إذ اعتبرتها دولٌ مثل فرنسا وألمانيا انتهاكاً للسيادة، ما دفع إلى اجتماع طارئ للاتحاد الأوروبي للتعبير عن التضامن مع الدنمارك وغرينلاند.
غير أنّ حدّة الأزمة تراجعت نسبياً خلال اجتماع المنتدى الاقتصادي العالمي في منتجع دافوس السويسري بتاريخ 21 كانون الثاني/يناير 2026، حيث جرى التوصّل إلى ما وُصف بـ”إطار عمل” بين ترامب والأمين العامّ للناتو مارك روته. وينصّ هذا الإطار على تراجع واشنطن عن التهديدات العسكرية، مقابل تعزيز الوجود الأميركي في غرينلاند ضمن مهمة تحمل اسم حارس القطب الشمالي “Arctic Sentry”، بهدف الحدّ من النفوذ الروسي والصيني في المنطقة. ومع ذلك، لا تزال هذه الترتيبات تثير مخاوف كوبنهاغن من تقويض سيادتها.
خلف الستار العسكري لأزمة غرينلاند، تكمن دوافع اقتصادية تتجاوز مجرّد التوسّع الجغرافي. فالجزيرة تضمّ احتياطات هائلة من المعادن الأرضية النادرة (Rare Earth Elements)، وهي العصب الحيوي لصناعات التكنولوجيا الفائقة والبطاريات والمعدات العسكرية المتطوّرة، وبالنسبة لواشنطن، فإنّ السيطرة على تلك الموارد مهمة لكسر الهيمنة الصينية على سلاسل التوريد العالمية.
في المقابل، تنظر موسكو إلى هذا الخلاف بين واشنطن والعواصم الأوروبية بوصفه مكسباً استراتيجياً مجانياً، يعكس تصدّعاً متزايداً داخل حلف الناتو. وقد أشار وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى أنّ التطوّرات منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض تكشف عن “أزمة عميقة” داخل الحلف، مقارناً الأهمية الاستراتيجية لغرينلاند بالنسبة للغرب بأهمية شبه جزيرة القرم بالنسبة لروسيا، ومؤكّداً أنّ الأزمة تثير تساؤلات جدّية حول مستقبل الناتو ككتلة عسكرية وسياسية موحّدة.
كما أنّ وسائل الإعلام الروسية والمدوّنين الموالين للكرملين عبّروا عن فرحتهم بالتوترات، معتبرين أنها تضعف الاتحاد الأوروبي والناتو معاً، بالشكل الذي يصرف الانتباه عن الحرب في أوكرانيا. ومع ذلك، حافظ بوتين على نبرة هادئة، مقلّلاً من شأن النزاع ومعتبراً إياه “أمراً لا يخصّ روسيا”، مع اقتراح سعر شراء رمزي يتراوح بين 200 و250 مليون دولار، مستنداً إلى صفقة ألاسكا عام 1867.
مفارقة ترامب وبوتين: بين الإعجاب الشخصي والمصالح المتضاربة
رغم المديح المتبادل بين ترامب وبوتين، إلّا أنّ الواقع في ولاية ترامب الثانية (2025-2026) جاء مخيّباً لتوقّعات موسكو في عدة ملفات، ففي أوكرانيا، ورغم سخرية ترامب المتواصلة من الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي، واتهامه بأنه “العقبة أمام السلام”، إلّا أنّ الملف لم يتمّ حسمه كما كان يتوقّع الكرملين، حيث استمرت التعقيدات الميدانية وضغوط حلفاء كييف.
وخلال عام وشهر تقريباً، قصف ترامب إيران، ودعم المسار الذي ترتّب على سقوط بشار الأسد، حليف روسيا الرئيسي، مما أضعف نفوذ موسكو في الشرق الأوسط. كما تدخّل في الصراع بين أرمينيا وأذربيجان، مقلّلاً من دور روسيا كوسيط.
كما قام باختطاف نيكولاس مادورو، زعيم فنزويلا، في 3/1/2026، وبعدها استولى على ناقلة نفط روسية شمال الأطلسي، ما أثار انتقادات خافتة من الخارجية الروسية. كما هدّد كوبا، حليفة روسيا التاريخية، وقدّم دعماً علنياً للعناصر المخرّبة في إيران خلال الأحداث الدائرة هذا الشهر، كما لوّح بالتدخّل العسكري لدعمها.
لهذا تعدّ الأزمة الراهنة حول جزيرة غرينلاند، والتوترات المتصاعدة بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين، فرصة ذهبية لبوتين. خاصة أنّ هذا التحرّك الروسي يأتي مدفوعاً بحالة من خيبة الأمل تجاه سياسات دونالد ترامب التي أضعفت مكانة موسكو كثيراً على الصعيد الدولي.
القطب الشمالي: الدفاع الساحلي مقابل الردع النووي
يُعدّ التحشيد العسكري الروسي في القطب الشمالي دفاعياً بالأساس، مدفوعاً بذوبان الجليد الذي يفتح حدوداً بحرية جديدة، وعلى مدى عقد، أعادت روسيا تأهيل مواقعها العسكرية المهجورة بعد الحرب الباردة، لتعزيز الردع النووي والدفاع الساحلي، ما يعزّز الاستقرار الاستراتيجي لكلا الجانبين. روسيا لا تطمع في غرينلاند، بل تركّز على منطقتها الاقتصادية الخاصة، وتسعى لحصتها في قاع البحر عبر آليات الأمم المتحدة.
لكن هذا لا يمنع موسكو من الشعور بالقلق إزاء طموح ترامب المعلن في “قمة دافوس” لإنشاء ما يسمّى بـ”القبة الذهبية” (The Golden Dome)؛ وهو نظام دفاع صاروخي متطوّر يعتمد على الذكاء الاصطناعي ويغطّي منطقة الأركتيك. هذا المشروع يمثّل تهديداً مباشراً لعقيدة الردع النووي الروسية، حيث تُعدّ الغوّاصات النووية القابعة تحت جليد القطب الشمالي هي “الرصاصة الأخيرة” لموسكو.
ومع ذلك، تجد موسكو قدراً من الطمأنة النسبية في حقيقة أنّ البوصلة الاستراتيجية الأميركية لا تزال موجّهة بالأساس نحو الصين، لا روسيا. وهو ما يفسّر درجة التساهل الأميركي مع النشاط الروسي القانوني في القطب الشمالي، مقابل تشدّد واضح تجاه الوجود الصيني ومحاولات بكين التمدّد في المنطقة. وفي هذا الإطار، يفضّل الكرملين عدم الانجرار إلى أيّ مواجهة مباشرة، مستفيداً من أزمة غرينلاند بوصفها أداة لصرف الانتباه الغربي عن أوكرانيا، وإضعاف تماسك الجبهة الأوروبية-الأطلسية من الداخل.
إلّا أنّ استراتيجية “المراقبة من بعيد” التي يعتمدها فلاديمير بوتين لا تمرّ من دون كلفة داخلية. فبينما يكتفي الكرملين بخطاب دبلوماسي منخفض النبرة تجاه سياسات ترامب التصعيدية، ولا سيما استهدافه المباشر لحلفاء موسكو من آسيا إلى أميركا اللاتينية، تتصاعد داخل النخب الروسية أصوات ما يُعرف بـ”صقور موسكو”، الذين يرون في هذا الصمت تراجعاً عن مكانة روسيا كقوة عظمى، ومسّاً بهيبتها الدولية.
والحقيقة أنّ النزعة الاندفاعية (Volatility) في سياسة ترامب لم تقتصر آثارها على إرباك الناتو فحسب، بل وضعت موسكو في موقع دفاعي رمزي أمام شركائها، خصوصاً في إطار بريكس+، حيث يمرّ تراجع النفوذ الروسي في ساحات متعدّدة — من دمشق إلى كاراكاس — من دون ردود حاسمة تعيد تثبيت خطوط الردع السياسية.
ومن هنا يتبلور السؤال الاستراتيجي الجوهري:
هل يعكس الصبر الروسي حكمة استراتيجية محسوبة تقوم على استنزاف الخصوم وتركهم يخطئون؟، أم أنه تحوّل تدريجي نحو عجز بنيوي عن مجاراة نمط الهيمنة الأميركي الجديد، القائم على الفوضى المُدارة، والضغط متعدّد الجبهات، وجنون العظمة؟.



