في ظل النزول إلى الشارع: أين تُخطئ أحزابنا؟

في ظل النزول إلى الشارع: أين تُخطئ أحزابنا؟
على الأحزاب أن تتبنى مبادرات جماهيرها وتقودها لا أن تتسلقها. ففي اللحظة التي خرج فيها الناس، كان على الأحزاب أن تمكّن هذا الخروج بشد قوسه لأوسع مداه، لزومًا بالشارع لا بردهم إلى مبنى الكنيست، على الأقل ليس في نفس يوم
“إذ يفضلون عند الاقتضاء لزوم الشارع على الاستيلاء على مبنى ما”.
– بول فيريليو – السرعة والسياسة
***
عشرات الآلاف من أبناء وبنات مجتمعنا العربي في الداخل كانوا قد همّوا الأسبوع الماضي إلى تظاهرة سخنين ضد الجريمة والخُوّة وتواطؤ الحكومة معهما على أرواح الناس وأرزاقهم. كانت شرارة هذه الصرخة قد انطلقت من حنجرة مواطن سخنيني هو علي زبيدات، صاحب سوبرماركت رفض دفع الخُوّة. أغلق زبيدات باب رزقه وفتح باب الإضراب وحده، ليلتحق به أبناء بلدته ثم عموم مجتمع الداخل، وعلى رأسهم لجنة المتابعة العليا التي تبنت الإضراب ودعت إلى مسيرة غضب في سخنين نفسها، البلدة التي أرست سردية الشعار “لا” في الداخل الفلسطيني على السياسات الحكومية منذ سبعينيات القرن الماضي.
خرج المجتمع العربي عاري اليدين ليخلع شوكه بها. كان هذا أهم ما بدا عليه يوم سخنين الماطر بصرخات ترفض العيش تحت وطأة عصابات الإجرام وفرض الخِوّات وتواطؤ الشرطة وأجهزة أمن بن غفير الإسرائيلية معها. غير أن يُسفر آخر نهار يوم سخنين في قاعة بلديتها عن إعلان إعادة تشكيل القائمة المشتركة تحت طائل التخجيل، كان هذا أكثر ما أساء ليوم سخنين بإضرابه وجماهيره. لقد أخطأت الأحزاب السياسية ومعها لجنة المتابعة في محاولتها إعادة الناس من نبض الشارع إلى رصيف التمثيل البرلماني والكنيست المشترك، على أهمية هذا الأخير.
كانت مسرحية اُستغل فيها خروج الناس، وتحت طائل غضبهم جرى تخجيل أحد قيادات الأحزاب العربية بالتوقيع، أسوة بباقي أفرقائه، على إعادة إقامة القائمة الـ”مشتركة” لخوض انتخابات الكنيست القادمة. لتستعجل المتابعة والقوى السياسية معها قطف ثمار يوم غاضب على الجريمة والخُوّة لم يكتمل، لصالح الأحزاب وتمثيلها البرلماني الذي ثبت اكتمال فشله في مواجهة الجريمة تحديدًا.
العمل البرلماني ووجود أحزاب عربية في الكنيست مهم، ومن الأهمية بضرورة إعادة بناء القائمة المشتركة، يجمعها برنامج سياسي وحدوي يقف على راهن المجتمع العربي وتحدياته التي باتت تنزع نحو التدهور. لكن التمثيل العربي في الكنيست، أيًّا كان شكله، لم يعد بمحل يمكنه فيه الإجابة على سؤال الجريمة الملح، وإلا لماذا خرجت الناس بحناجرها وقبضاتها في سخنين وغير سخنين في البلدات والمدن العربية على مدار الأسبوع الأخير؟ خرجت الناس، ليس لأنها تريد الخروج على مؤسساتها التمثيلية (المتابعة) وقواها السياسية (الأحزاب)، بل لأنها تريد الخروج على أدوات العمل التي أرستها القوى والأحزاب كتقليد سياسي محلي لم يعد يفي بحاجة المجتمع لأمنه وأمانه في الداخل.
على الأحزاب أن تتبنى مبادرات جماهيرها وتقودها لا أن تتسلقها. ففي اللحظة التي خرج فيها الناس، كان على الأحزاب أن تمكّن هذا الخروج بشد قوسه لأوسع مداه، لزومًا بالشارع لا بردهم إلى مبنى الكنيست، على الأقل ليس في نفس يوم خروجهم للشارع. كان نبض الشارع بتوحيده الناس، سيقود لأفق وحدوي من تلقائه مستقبلًا، بما فيه التمثيل البرلماني في قائمة مشتركة دون أن تضطر الأحزاب قطع الطريق عليه كما فعلت في بلدية سخنين.
لقد نشأت الجريمة وتنظمت ثم استشرت على مدار عقد، وذلك في ظل وجود تمثيل عربي في الكنيست، سواء بقائمة عربية مشتركة أو بقوائم حزبية منفردة. بالتالي، ليس من رابط بين الجريمة وبين التمثيل البرلماني لا بقائمة مشتركة ولا بقوائم منفردة متنافسة، لأن التمثيل العربي في الكنيست على أهميته ليس بمستوى أداء كل مهمة متصلة بشأن المجتمع العربي، وتحديدًا مهمة بمستوى مواجهة الجريمة. وكما ثبت بأن الشرطة وأجهزة الأمن الإسرائيلية غير جادة بمنع الجريمة، ثبت كذلك قصور التمثيل العربي البرلماني في مواجهتها، مما بات يضطرنا إلى اجتراح سُبل احتجاج وضغط تعمل بمنطق ومساحات أخرى غير المساحة المتاحة تحت قبة البرلمان.
إذا كانت تظاهرات الغضب على الجريمة وفرض الخُوّة في سخنين وطمرة وأم الفحم ويافا والنقب، وغدًا السبت ستكون في تل أبيب، بمثابة تأسيس لفصل جديد من تاريخ المجتمع العربي في الداخل، وقد لوحت قيادات سياسية مؤخرًا في لجنة المتابعة والأحزاب والقوى السياسية المحلية بالعصيان المدني كخطوة احتجاجية – شعبية تصعيدية، فهذا يعني أن على الأحزاب التلويح أيضًا بتعليق التمثيل البرلماني والامتناع عن خوض انتخابات الكنيست المقبلة، لأن في ذلك شرط العصيان المدني وليس في رد الناس لسؤال الكنيست والقائمة المشتركة، فماذا يعني أن نلوح لأجهزة أمن حكومة سموتريتش – بن غفير على تراخيها في منع الجريمة بإعادة تشكيل القائمة المشتركة في نفس اليوم الذي قررت فيه الناس اتخاذ الشارع طريقًا؟
يوحد الشارع الناس لأنه لا يقسمهم على قوائم، ووحدة العمل الشعبي في الشارع وخيام الاعتصام والمبادرات الأهلية الميدانية إذا ما دُعمت وأُعطيت حقها من قبل لجنة المتابعة والأحزاب السياسية والسلطات المحلية العربية كذلك، فإنها ستدفع بدورها إلى العمل الوحدوي في كل مساحة أخرى، بما فيها التمثيل البرلماني في الكنيست. لذا، فإن على الأحزاب الممثلة منها في الكنيست وغير الممثلة أن تدعم وتقود مبادرة الشارع بشروط الشارع المؤدية إلى محاصرة الجريمة والخُوّة لا بشروط العمل البرلماني في الكنيست. وبذلك لن تتخلى الناس عن أحزابها وتمثيلها في الكنيست، بل سيتعزز تمثيل العرب مدعومًا بثقة الشارع وثقله.




