مقالات

منتدى دافوس ونهاية العالم الذي نعرفه

منتدى دافوس ونهاية العالم الذي نعرفه

مرزوق الحلبي

منتدى دافوس الذي انطلق ليجسد تشابك الاقتصاد العالمي وتكامله بين القارات والجهات، ليجسد عولمة مطمئنة إلى نفسها ومستقبلها يتحول إلى “ساحة” ينكشف فيها المستور، ونحن الآن أمام تحرّر المَرَدة من قماقمها

منتدى دافوس هذا العام عكس منعطفًا واضحًا في رؤية المنظومة الدولية لنفسها ولعلاقاتها. ولا نبالغ إذا قلنا إن الكلمات والمداخلات التي جاءت على ألسن زعماء وقادة الدول الكبيرة والصغيرة والمتوسطة في الهيئة العامة للمنتدى وفي ندوات الأروقة واللقاءات الصحفية، كانت بمثابة إعلان متعدد الأصوات لنهاية العالم الذي نعرفه. صحيح أنهم واصلوا التحدث بلغة دبلوماسية محابية لا تكسر الأعراف، ومع هذا فقد كانت الرسالة واضحة رأى بعضهم أن يوصلها بلغة حازمة ـ كممثل بلجيكا أو رئيس الحكومة الكندية أو رئيس الحكومة الإسبانية.

وحده الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أطلق سلسلة من التصريحات والمناكفات التي بدت كإطلاق الرصاص عشوائيًا بكل اتجاه ليعزّز فرضيتنا أننا بشأن انفراط عقد المنظومة الدولية التي نعرفها والدخول في سيولة عالية لا يعرف أحد كيف تتشكل لاحقًا سوى أنها لن تتشكل إلا بمزيد من الحروب والنزف.

تجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن ترامب نفسه لم يُخفِ رغبته كرئيس عصابة أكثر منه رئيس دولة في البدء بإطلاق النار فعليًا، في جزيرة غيرنلاند وإيران غير آبه بشركائه حتى يوم أمس، الأوروبيين لا سيما بريطانيا وحلف شمال الأطلسي.

قد لا يكون في تهديدات ترامب أي جديد فهو على هذا المنوال منذ عاد إلى البيت الأبيض قبل سنة. أما الجديد فعلًا فهو خروج الدبلوماسية من الأروقة إلى المنصات. فقد اتضح خلال أيام انعقاد المنتدى وما شهدته الندوات أن لا أحد قادر بعد الآن على الصمت وضبط النفس أو إبقاء الأمور للغرف المغلقة وللبروتوكولات التي تُختم بختم “سري للغاية” وتُحفظ في الخزنات المقفولة بألف شيفرة وشيفرة.

لقد كشف قادة العالم أن النظام الدولي المعروف لم يعد يعمل لجهتين. الأولى ـ أن الإدارة الأميركية تخرق قوانين اللعب بشكل لا يمكن قبوله خاصة فيما يتعلق بالرسوم الجمركية وانتقالها من حالة “Win Win” إلى حالة الخاوة التي تفرضها أميركا على سواها لأنها تملك الأساطيل والقوة والتكنولوجيا ومستعدة لاستخدامها ضد من لا يخضع. تمامًا كما هي عادة منظمات الإجرام المنظم ساعة تفرض الخاوة على مصلحة أو شركة. بمعنى أن الدبلوماسية انتهت أو انتقلت إلى مرحلة خطرة يكون فيها الحرب استمرارًا للدبلوماسية ولكن بطريقة أخرى نعرف عواقبها ـ كما قال كارل فون كلاوزفيتش الجنرال البروسي المتخصص بالحروب والاستراتيجيا. الثانية ـ هي تداعي منظومة القانون الدولي والأعراف والمواثيق والمعاهدات وتوقف العمل بموجبها والشلل التام في الأمم المتحدة التي صارت هيئاتها هي، أيضًا، عنوانًا لحملات وحروب من الرئيس الأميركي وقوى متحالفة معه وقطع التمويل عن دوائرها والتشويه والعقوبات والملاحقات ـ كما في حال قضاة المحكمة الجنائية الدولية.

أما إذا ترجمنا هذا الكلام فسنجد أن “الابتزاز” هو اللغة الدولية الجديدة لا الدبلوماسية، وأن العنف والتهديد هي الأدوات التي يستعملها “القادرون”، أو أولئك الذين قطعوا كل صلة بالقانون الدولي والأعراف والمواثيق. وأميركا ليست وحدها في هذا المضمار، فلهذه أميركا شركاء في كل مكان لا سيما في الشرق الأوسط. يبدو أننا قد دخلنا منذ زمن ـ أؤرخ لذلك مع حرب الخليج الأولى 1990 ـ شوطًا من الحروب المبرمجة أي التي يتم التخطيط لها وإشعالها واستثمارها لأغراض وغايات مفارَضة. وهي حقبة معكوسة في الاتجاه للفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، حينما اعتُبرت الحروب مكرهة إنسانية واقتصادية وسياسية وينبغي بذل الجهود لمنعها أو حل النزاعات وتحقيق التسويات. أما في الراهن فإن الحروب هي أزمات مدروسة للكسب والربح وتكديس الثروات وليذهب القانون الإنساني وحظر الجرائم ضد الإنسانية إلى الجحيم. بإمكان الرأسمال المعوْلَم أن يحول الإبادة إلى مشاريع استثمار ـ غزة مثلًا ـ والحروب إلى غطاء للاستيلاء على الثروات أو سلبها من الشعوب والدول المستضعفة.

حري بنا ونحن نراقب السجالات والتصريحات أن نلتفت إلى مساعي التسلح غير المسبوق التي تلف العالم. منهم من يتسلح للدفاع، ومنهم من يتسلح للهجوم والانقضاض. هذا لا يعني أن العالم حتى الآن كان منزوع السلاح أو بدون حروب، لكنه دخل مجددًا سباقًا محمومًا على امتلاك منظومات السلاح المزودة بآخر تكنولوجيا وآخر منجزات التفوق العلمي. حتى الدول التي خرجت من الحرب العالمية الثانية بقرارات الجنوح نحو السلام وبناء الاقتصاد والإنسان مثل اليابان وألمانيا تقف اليوم على رأس الدول الباحثة عن كل منظومة سلاح ممكنة في البر والبحر والجو تمنحها حماية إذا هوجمت أو تمكنها من تحقيق النصر في حال هاجمت.

هناك اعتقاد راسخ في أوساط مجانين السلاح أن من يمتلك التكنولوجيا الأفضل سينتصر. يكفي أن ننظر إلى مجال المسيّرات أو مدافع الليزر أو مدى تغلغل الذكاء الاصطناعي إلى الصناعات الحربية لندرك أن العالم ذاهب إلى منتهاه بمجرّد اعتقاد مجنون واحد كترامب أن التكنولوجيا ستجعله قادرًا على إخضاع الجميع.

العلاقات في العالم تتغير أمام أعيننا، البريطانية الأميركية، الأوروبية الأميركية، الأميركية الروسية، الروسية الأوروبية، الأميركية الكندية، الصينية الأميركية، الأميركية البرازيلية، السعودية الإماراتية، الأميركية الهندية، والهندية الباكستانية، وهكذا. وكل هذا جراء الصراع المفتوح بمعنى المتسارع والمنفلت حول الموارد والثروات وخطوط التوريد والجغرافيا كلها، من القطب الشمالي إلى الجنوبي إلى البحار والصحاري، من أول بئر للغاز السائل إلى آخر بئر للنفط ضمن منظومة فكّت الارتباط بمعنى الانضباط مع الكوابح والقيود التي أنتجتها المنظومة الدولية في منتصف القرن الفائت. إنها العولمة المدفوعة بقوى وتحالفات ومصالح فوق وعبر دولانية جديدة. إنها ليست الدول بقدر ما هي الشركات والمجمعات الكبيرة والاحتكارات العابرة. وهي ليست الشعوب بقدر ما هي النخب والطغم والعصابات الممسكة بزمام الأمور وبالاقتصاد في هذه الحاضرة أو تلك.

منتدى دافوس الذي انطلق ليجسد تشابك الاقتصاد العالمي وتكامله بين القارات والجهات، ليجسد عولمة مطمئنة إلى نفسها ومستقبلها يتحول إلى “ساحة” ينكشف فيها المستور، ونحن الآن أمام المَرَدة من قماقمها.

سنضطر حيال ما نشهده إلى تعديل كل نظرياتنا ومعرفتنا عن العالم وعن السياسات. سنضطر ألا نكون كما كنا. خاصة أننا في زمن يوجد فيه من هو أذكى من الإنسان وقادر هو، أيضًا، على الخروج عن السيطرة. إننا شاهدون على نهاية العالم الذي نعرفه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب