كنانة حاتم عيسى -هل قرأتم مصنع السكر؟!

كنانة حاتم عيسى -هل قرأتم مصنع السكر؟!

ظاهرة ادبية جديدة وتنوع الشخصيات
اعتنى المؤلف محمد شعير بلغته الأدبية لأبعد حد، وكأنه ينفصم عن لغته الإخبارية التقريرية الصحفية الجادة المعتادة، دافعا عنه تهمة الخلط والاندماج وإعادة التشكل، فنكاد نرى لغة أدبية حية ككينونة حيوية متضامة العناصر، حقيقية وشفيفة لأبعد حد، مندمجة بالهموم الفردية لكل شخصية على حدة،فتمركزت معاينة خطابات الشخصيات وما يمتلكونه من سمات نفسية وجسدية إلى بنى تجريدية ديناميكية قادرة على خلق الدلالات، بدءً من الأسماء إلى الحوارات باللهجات المحلية بين لهجة أهل مدينة حمص وبين اللهجة المصرية القاهرية، مرورا بالمونولوجات الداخلية المتعاقبة للشخصيات المثيرة للجدل مثل (هاني) المتسلق و المنافق و المتقلب، و (سهير السكري) التي تلبس عباءة الشعر لتداري انكسارها النفسي و فسادها الأخلاقي وتعدد علاقاتها الآثمة تحت مسمى الحب ، خروجا من معايير الضبط الأخلاقي ومؤطراته الثقافية خلال مشاهد الحب والإيروتيكية الشجاعة الموظفة بذكاء.
هناك تحرر كبير ملّح يضيف للظاهرة الأدبية، الإبداع الحر المنفلت من الوازع الأخلاقي اللغوي،من الحكم على الصراع المذهبي والديني الذي يتأجج تحت الرماد، هذا الصراع المتسرب من التوتر الوجداني الذي يرافق نمو تأزم الشخصيات و تشابكها ببعضها البعض. وصوت نادر الوازع الاخلاقي الصادق والصديق الحقيقي الخجول، إنها حرية الإبداع .. التي لا يهمها التأويل بقدر خلق الدلالة الاجتماعية والسياسية والنفسية..و السيسيولوجيةِ، إنه المتن المتصاعد بأحداثه، الحقيقي بملاصقته للواقع و الصادم بمعالجته الإنسانية لفظائع الحرب الأهلية السورية التي منذ بدأت لم تنته بعد، لا على ساحةالصراع العام ولا على مستوى الصراع الداخلي الفردي .
الصراع الأيديولوجي الديني والنفس العروبي
وظف الكاتب الصداقة الرمزية بين زياد وبين هاني، كرمز مستتر على وحدة النسيج المصري إنسانيا رغم فتور العلاقة لاحقا وظهور عمق الفارق النفسي العقائدي للشخصيتين، وعلاقة الحب المتأججة بين ورد وبين زياد كرمز لشعبين توحدا وانفصما بسبب الفعل السياسي المتقلب تاريخيا، وبالطبع لم تنته قصة الحب الشفيفة إلا بخاتمة غرائبية مدهشة غير متوقعة، أقفل فيها محمد شعير المتن على رؤية مستحدثة للحب بكل لغاته مستشعرا الأمل.
الحب الإنساني الذي يندمج
بحب الوطن وبالأبوة والأمومة والحلم، و الحب الذي يرتفع عن الانتماء الهوياتي ، و يعود لمساره الصحيح وإن تجاذبته الرغبات الجسدية والشهوات الحيوانية. الحب الذي يرتقي بالروح ويسمو بها، فلا تؤطرها مسافة ولا يخنقها زمن، الروح العاشقة الماثلة التي تتجاوز الفوارق المذهبية، واختلافات الملل و النحل والطوائف والمدارس الفقهية في تباين تشريعاتها، إنها حكائية إنسانية بامتياز تدعو للمواطنة، شيقة لأبعد حد، تترك الأثر الواعي عبر ضمير شخصياتها المتصارعة أخلاقيا، رغم شجنها وصدماتها النفسية. انها حكائية جديدة تتحدث عن الإنسان أولا في صراعه مع مبادئه وأفكاره و وجوده ثم انتمائه وهويته.
البطل التراجيدي أكثر من مجرد صانع
اغلفة
زياد ثابت، صانع الأغلفة القلق، المتشظي في عوالم تغريبه، العاجز عن المضي قدما، مرهونا بماضيه الملتبس على ذاكرة دينية أبوية، عالقا في زواج نقي لا يستطيع تخطيه بسبب نبل زوجته علياء، متأرجح بين الواجب والمسؤولية، بين الحب الحقيقي لورد وبين التفريغ الشهواني اللامسؤول مع سهير، زياد ثابت هو رمز المواطن العربي المسحوق بالخيبات، بوهم التحرر، والتفلت من القيود، والانعتاق من النمط، لكنه في الحقيقة، أسير لذاته المتشظيه المعذبة في واقع سياسي لا حول له فيه ولا قوة، في أطر تحكمها الأيديولوجية الدينية والمدافعون عنها، إنه يذبح نحره بأغلفته الجميلة التي ستجعله فنانا عظيما، وكأن هوية المبدع الحقيقي لا بد أن يدفع ثمنها الباهظ ببتر المزيد من الدلالات وأولها الفقد .لكن كاحل أخيل لا يمتد للفقد المتواتر في حياة زياد ثابت ولا في أصداء هزائمه المتكررة بينه وبين نفسه، حتى حين يغدو فنانا مشهورا، إن كاحل آخيل هو الذاكرة الملتوية التي تطل بها علينا شهد من الذاكرة المشتركة ببوح المستقبل، إنها وعي جديد يتكون من المفارقة التي يبتكرها الأجيال اللاحقون حين يتمسكون بذاكرة أسلافهم.وكان التاريخ ليس حصريا للمنتصرين بل للمهزومين كذلك
السياقات السيكو- سوسيولوجية و
البولوفونية
إنها رواية ممتعة شيقة تختبر لغات الحب ويتظهر التباين والاختلاف وحدّة الصراع بتعدد أصوات الرواة ومآزقهم النفسية الوجودية، فالجميع أبطال تراجيديون مذبحون بأيديهم، بأقدراهم، بأوطانهم، بلعنة الحدود والمعابر و جوازات السفر، بلاذنب حقيقي، بسبب سطوة العالم الخارجي العصي على الفهم،
ان أطروحة العمل الادبي هي عن الحب الذي تنبثق عنه كل قدرة على التسامح، الحب الذي لا يفسر سبب السقوط في قاع روح الآخر، إنه المبدأ الإنساني عن الانتماء والتحول الوجداني العميق الذي ينال من شخصية المبدع في انكساره، لكنه رمزي في كل اتكاءاته، عابر للوعي العام المألوف وتشظيه،الحب العذري بين ورد وبين زياد، الحب الأمومي من علياء الى زياد وشهد، الأبوة بين شهد وبين زياد، حب ورد لمدينة أمها ومدينة أبيها المختلفتين الذي عبر برقة نحو صرامة الاختلاف الطائفي وماهيته الشائكة التي غدت مبررا لسفك الدماء. دماء أبناء الوطن الواحد.
العنونة الباردة المقصودة
لم يكن تصميم الغلاف والعنونة جاذبين حقيقة لمحتوى فلسفي و وجودي وموضوعة تثمن المعنى الحقيقي للسياق، كان العمل يستحق مرواغة ومعاصرة في تصور غلافه، ورغم دلالة العنونة العميقة وصلتها بموضوعة تثمين المعنى المغيب للحقائق، فإن مصنع السكر الذي تعاقب على اسم ورد في قاموس زياد مرات عدة، وانتقم من ذاته في جسد هاني ، و بقي شاهدا موجعا على اعدامات جماعية مجانية
يعجز القارىء فيها عن مواربة الحقيقة
هو رمز للمواطنة المشوهة، انها صرخة استحقاق آدمي يطالب بها المؤلف علنية إنسانيتهم في أزمنة الحروب والخيبات والهزائم.
ورغم أن مصنع السكر هو تناسل مكتمل لمعادلات موضوعية عديدة تبدأ ب (شخصية ورد)، كرمز لسوريا الذبيحة بحربها الأهلية، ورمز للشهداء الذين قضوا نحبهم فيها بتهمة المواطنة، والاختلاف المذهبي، إلا أن الأنساق الثقافية المضمرة التي زجها الكاتب بوعي مقصود أو غير مقصود، إنما جعلت المتن سياقا متعدد الرؤى، خارجا عن رغبة قارىء واحد بالنهاية السعيدة للحب والثورة والحرية والحلم وبالنفس العروبي القومي الذي غابت معالمه وتلاشت في زمن قلق متأزم غائم بالاحتمالات السياسية والمتغيراتةالجتماعية المتسارعة.
صوت الكاتب موسيقي
لم نرى صوت الكاتب واضحا على لسان أي من شخصياته، إنها براعة سردية روائية متمكنة أقصت أيديولوجية الكاتب وآرائه عن المتن، لقد عقلن خطاب كل شخصية حسب وعيها وانكسارها وتأزمها، لكنه تسرب للمتلقي من خلال خياراته الغنائية المشبعة بالوجدان، وكأنه، يعلن صوته السردي كذاكرة غنائية، تتوحد فيها الكلمة مع اللحن مع وعي التلقي الجمعي، إنه يراهن على دمج ذائقته الخاصة بشخوصه، متحديا المناهج النقدية التي تسعى لتحليل المتن بنيويا أو سيميائيا، متحديا الذاتية والقيمية، طالبا برفق أدبي، التحليل الموضوعي الناضج لعمل أدبي.
إن التعامل مع نص متفوق أدبيا، انتهج البولوفونية كسمة ما بعد حداثية، وطرح ثيمات جريئة مميزة، وابتعد عن الحشو والإطالة والاستطراد الذي يقع فيه بعض الروائيين، قد سمح بظهور شخصية الأديب الموسوعية بحمولتها الثقافية وقدرته على خوض جنس الرواية بوعي وتجديد وحرفية ستصدم كل قارىء على حدة. صدمة العبور الى عالم مصنع السكر الموازي.
دام القلم المبدع





