ثقافة وفنون

«مملكة القصب» للعراقي حسن هادي: حين تتحوّل الطفولة إلى شهادة سياسية

«مملكة القصب» للعراقي حسن هادي: حين تتحوّل الطفولة إلى شهادة سياسية

نسرين سيد أحمد

لا يقدّم فيلم «مملكة القصب»، الذي حصل عنه مخرجه العراقي هادي حسن على جائزة الكاميرا الذهبية في مهرجان كان 2025، وهي الجائزة التي تمنح لأفضل فيلم أول، الطغيان بوصفه سلطة مباشرة، ولا يستعرض وجه الديكتاتور، أو صوته أو خطبه، بل يختاره كغياب ثقيل، كظلّ ممتدّ يخيّم على تفاصيل الحياة اليومية، ويتسرّب إلى أكثر المساحات براءة: الطفولة. منذ مشاهده الأولى، يتّضح أن الفيلم لا ينوي رواية قصة سياسية تقليدية، بل يسعى إلى تفكيك آلية الخوف كما تُزرع مبكرا في الوعي، وكيف يصبح الامتثال، لا المقاومة، هو اللغة الأولى التي يتعلّمها الجسد.
تدور أحداث الفيلم في قرية عراقية فقيرة في الأهوار، محاطة بالماء والقصب، في زمن لا يُسمّى صراحة، لكنه مألوف حدّ القسوة. عالم مغلق، متقشّف، تتحرّك فيه الشخصيات كما لو كانت تؤدي طقوساً يومية مفروضة سلفاً، دون سؤال أو اعتراض. في هذا السياق، يضعنا هادي أمام حكاية بسيطة ظاهريا: طفلة تُكلّف بمهمة تبدو صغيرة، وهي إعداد كعكة لصفها الدراسي بمناسبة عيد ميلاد الرئيس العراقي صدام حسين. لكن هذه المهمة تتحوّل تدريجياً إلى عبء أخلاقي ونفسي يفوق طاقة الطفلة الصغيرة، واسمها لميعة. من خلال هذه الرحلة، لا يختبر الفيلم قدرة الطفلة على الاحتمال فحسب، بل يختبرنا نحن أيضا: إلى أي حد يمكن للبراءة أن تصمد حين تُستدعى لخدمة نظام لا يعترف بالبراءة أصلاً؟

قوة «مملكة القصب» تكمن في اختياره منظور الطفولة، لا بوصفه مدخلاً عاطفياً سهلاً، بل كعدسة أخلاقية دقيقة. الطفلة هنا ليست رمزاً مجرداً، ولا استعارة جاهزة عن المستقبل، بل كائن حيّ، متردّد، خائف، يحاول أن يفهم العالم كما يُقدّم له: عالم لا يشرح نفسه، ولا يبرّر قسوته. النظرات الصامتة، التوقّفات الطويلة، الحركات الصغيرة المرتبكة، كلّها تشكّل لغة الفيلم الأساسية. الحوار شحيح، لكن الصمت كثيف، محمّل بمعانٍ لا تقل بلاغة عن أي خطاب سياسي.
يجيد هادي استخدام المكان بوصفه عنصراً درامياً لا خلفية محايدة. القصب، الذي يمنح الفيلم عنوانه العربي، ليس مجرد نبات أو مشهد طبيعي، بل كيان بصري ونفسي. سيقانه الطويلة المتلاصقة، صوت احتكاكه مع الريح، كثافته التي تحجب الرؤية، كلّها توحي بعالم خانق، جميل من بعيد، لكنه مقلق عند الاقتراب. القصب هنا يشبه النظام نفسه: يبدو طبيعياً، متجذّراً في الأرض، لكنه يخفي داخله متاهة لا مخارج واضحة لها.
السينما في «مملكة القصب» بطيئة، متأنية، ترفض الإيقاع السريع أو القطع الحاد. الكاميرا غالباً ثابتة أو تتحرّك بحذر، كما لو كانت تخشى إزعاج المشهد. هذا الخيار الجمالي ليس ترفاً، بل ضرورة سردية. البطء هنا يمنح الزمن وزنه الحقيقي، ويجعل كلّ خطوة للطفلة، كلّ انتظار، كلّ نظرة، حدثاً قائماً بذاته. نحن لا نُدفع إلى التعاطف القسري، بل نُترك مع الشخصية في الزمن نفسه، نشعر بثقل اللحظة كما تشعر به. لا يلجأ الفيلم إلى مشاهد صادمة، أو عنف مباشر ليقول ما يريد قوله. على العكس، العنف في «مملكة القصب» هو عنف منظومي، هادئ، غير مرئي. إنه عنف القوانين غير المكتوبة، والطقوس الإجبارية، والتهديد الضمني، الذي لا يحتاج إلى صوت مرتفع. الخوف من أي شيء وكل شيء هو الشعور الذي لا يبرح الفيلم. في هذا المعنى، يبدو الفيلم أقرب إلى تأمل طويل في بنية الخوف، لا في نتائجه الدموية فقط. الخوف هنا ليس حالة طارئة، بل أسلوب حياة، يُنقل من جيل إلى جيل دون حاجة إلى تفسير.

لأداء الطفلة بنين أحمد نايف في دور الطفلة لميعة الرئيسي، حضور هادئ بريء، يسكنه الخوف أحيانا، والتحدي أحيانا أخرى ويعتمد على الاقتصاد التعبيري، لا دموعا مفتعلة، ولا انفعالات كبيرة، بل حضور صامت، هشّ، يزداد صلابة مع تقدّم الأحداث. هذا التحوّل التدريجي، غير المعلن، من أبرز ما يصوره الفيلم. الطفولة لا تُفقد فجأة، بل تتآكل ببطء، عبر سلسلة من التنازلات والتحديات الصغيرة التي تبدو، كلّ واحدة على حدة، معقولة أو ضرورية.
من اللافت أن الفيلم لا يمنحنا نهاية مريحة، أو خلاصاً واضحاً. «مملكة القصب» لا يؤمن بالحلول السهلة، ولا يعدنا بأن الوعي وحده كافٍ لكسر الحلقة. ما يقدّمه هو شهادة، أو ربما اعتراف جماعي، بأن الأنظمة القمعية لا تُنتج ضحايا فحسب، بل تُعيد تشكيل البشر من الداخل. النهاية تتركنا في حالة تأمّل، وربما قلق، لأنها تذكّرنا بأن ما شاهدناه ليس استثناءً تاريخياً، بل نمطا يتكرّر بأشكال مختلفة.
ينتمي الفيلم إلى تقليد السينما التأملية التي تثق بالمشاهد، ولا تشرح نفسها. هو فيلم يطلب الصبر، ويكافئه. لا يسعى إلى الإبهار البصري، رغم جمال صوره، ولا إلى الخطابة السياسية، رغم وضوح موقفه الأخلاقي. قوته في تواضعه، في إصراره على الحكاية الصغيرة بوصفها مرآة للكارثة الكبرى.
«مملكة القصب» ليس فيلما عن رئيس، ولا عن كعكة، بل عن تلك المسافة الهشة بين الطاعة والنجاة، بين الخوف والبقاء. فيلم عن طفولة تُستدعى مبكراً لتحمل ما يجب أن لا يُحمَل. وفي هذا، ينجح حسن هادي في تقديم عمل سينمائي ناضج، حساس، يضيف صوتاً مختلفاً، صوتًا لا يصرخ، لكنه لا يُنسى.

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب