
نجيب محفوظ الكاتب الذي انتصر للرواية أولاً
واسيني الأعرج
كان نجيب محفوظ (1911- 2006) هو النجم رقم واحد بلا منازع، شخصية معرض القاهرة للكتاب في دورته 57. فقد اتسمت الندوات اليومية المخصصة له ولأعماله الكبيرة التي غيرت الجنس السردي كلياً، بالجدية والصرامة في الكتابة والمداومة. وكان السؤال المركزي الذي تردد كثيرا: كيف يستمر نجيب محفوظ خارج قهر الزمن والإفناء؟ ما العناصر التي تضمن لسرديته الغنية والواسعة، الديمومة والاستمرار؟ فقد رسخ محفوظ بجهوده الفنية الكبيرة الرواية كجنس مستقل بنظمه وأفكاره ومكوناته الفنية، لهذا كانت الأسئلة الكبرى التي طرحتها مختلف الندوات اليومية التي خصصت لنجيب محفوظ بمناسبة مرور عشرين سنة على رحيله، شديدة الأهمية والدقة. وكلها تصب في فكرة: كيف يظل هذا الميراث المحفوظي مستمرا زمنيا وقدوة للأجيال القادمة التي وإن كانت مشاغلها الجديدة مختلفة، فإن حاجتها إلى مرجع تاريخي ثابت أكثر من ضرورة.
نجيب محفوظ تجربة كبيرة وواسعة ولا يمكن حصرها في الدوائر الضيقة سواء أكانت اجتماعية أو سياسية مرتبطة بالحقبة التي عاشها، والتي تجلت في عالمه الروائي كهوامش أدبية وليست كجوهر كتابي.
استضافت القاعة الرئيسية، أهم فضاءات البلازا1، غالبية الندوات الخاصة بنجيب محفوظ، وتوزعت على سلسلة من المحاور، كان الهدف من ورائها تثبيت تجربة محفوظ والدخول في عمق الأسئلة المؤجلة، منها الخصوصية السردية المحفوظية، والتحقيب التاريخي لكتاباته من التاريخية إلى الواقعية إلى الفكرية، وموقع كتاباته عالميا بوصفه أحد أهم رموز الأدب الإنساني، محفوظ والمرأة، الأسئلة الغائبة…
كان المعرض فرصة لترهين بعض الأسئلة الثقافية والأدبية، التي ظلت معلقة، ولم نعرف كيف نجابهها في وقتها، نظرا لتعقدها وحساسياتها، وعوضناها بالخطاب الوثوقي الذي لا يقبل أي جدل ولا يرتكز على أي مرجعية حقيقية، ولم نوله الأهمية التي يفترضها: هل يجب مثلا تغليب السياسي الطارئ على الأدبي المترسخ الذي يشكل هوية نجيب محفوظ الفعلية، لأن نجيب محفوظ لم يدّع يوما أنه محلل سياسي، فقد انتصر دوما للروائي والمبدع والتخييل؟ وعمل جاهدا على تغليب الصفة المتعالية؛ أي صفة الفنان والمبدع، مما جعل جائزة نوبل تلتفت بحق نحو منجزه الكبير. إذن، ماذا فعل نجيب محفوظ لتقوم ضده، في الكثير من الفترات، زوبعة ألغت وجوده بجرة قلم ولم تعط أية قيمة لمنجزه الروائي المتوغل في شعبيته؟ حوسب مثلا أنه لم يكتب عن قضية إنسانية كبيرة مثل القضية الفلسطينية؟ فقد ظل على هوامشها ولم ينخرط فيها كما غالبية الكتاب العرب؟ لا يمكن أن نكتب عن محنة الهنود الحمر مثلا، وحرب فيتنام، ولا ننتبه لجزء مهم من الوجدان الإنساني والعربي. هناك بياض بالنسبة لنجيب محفوظ يستدعي ضرورة فهمه وتأمله بدون مسبقات من أجل فهمه وليس محاسبته. طبعاً، من الصعب مطالبة كاتب أن يكتب عن موضوعة محددة دون غيرها فقط لأنها مهيمنة على الوجدان السياسي العربي. يظل الروائي، وفق المنطق الإبداعي، حرا في خياراته وإلا سيخسر نفسه قبل خسران نصه. لكن المأخذ هو في زاوية النظر التي انطلق منها الكاتب، أي كيف نسكت عن الشر عندما يمس وجداننا الإنساني؟ الروائيان الإسرائيليان دافيد غروسمان وألموس عوز، مثلاً، على الرغم مما يمكن أن يقال عنهما بعد انهيار اليسار ومجموعة «السلام الآن»، لم يصمتا قط في اللحظات التاريخية المفصلية، فقد دافعا باستماتة عن حل الدولتين، وكانا من المناصرين لإسحاق رابين وياسر عرفات قبل اغتيال الأول وتسميم الثاني. بل هناك من الكتاب «الإسرائيليين» من ذهب إلى أبعد من ذلك؛ فالكاتبان إيتان برونشتاين Eitan Bronstein Aparicio ، التي جاءها مهاجراً من الأرجنتين برفقة والده وعمره خمس سنوات، وصديقته إليونوري ميرزا Éléonore Merza وهي من أصول فرنسية ومتخصصة في الأنثروبولوجيا السياسية كلاهما فقد إسرائيل، تركاها بشكل نهائي احتجاجاً على الاعتداءات الإسرائيلية اليومية ضد الشعب الفلسطيني. أسس إيتان منظمة زوخروت Zochrot (تذكّر) في 2001، التي فضحت إسرائيل أيام النكبة. ثم ألفا كتاباً مشتركاً أعطياه عنوان «النكبة»، وكشفا فيه جرائم ما تسميه إسرائيل «التحرير». لم يستطيعا تحمل الوضعية العسكرية والأيديولوجية والسياسية الدينية المتطرفة في إسرائيل. رهانهما الكبير -كما يقول إيتان برونشتاين- هو إنقاذ ابنهما من ظلام نظام تربوي مُعسكر، في إسرائيل، بعد أن يئسا من أي إمكانية للسلام: «لا أرى في الأفق أي إمكانية لسلام حقيقي».
هناك أمثلة كثيرة أعلن أصحابها عن آرائهم تجاه المذابح التي ارتكبتها إسرائيل ويرتكبها جيشها إلى اليوم في غزة وفي الضفة الغربية. ألم يكن حرياً بمثقف عربي كبير كنجيب محفوظ، كما يقول بعض منتقديه، أن ينتصر ككاتب، للحق؟ كتب نجيب محفوظ رواية «الحب في المطر» التي أظهر فيها شخصية أبو النصر الفلسطينية التي توقعت الكوارث التي حصلت لاحقاً. الرواية عالم معقد يحتاج إلى معاشرة حقيقية للأحداث. فما يهم في نجيب محفوظ في النهاية هو منتجه الروائي الذي شكل هويته الأدبية الحقيقية، وليس آراءه السياسية فقط. عبر نجيب محفوظ زمنا طويلا وصعبا اتسم بالقلق الوجودي، فأولاه أهميته القصوى أدبيا وفلسفيا. وعرف المؤسسة الإدارية، الشكل المصغر لنظام الدولة، واشتغل عليها في غالبية رواياته، وبحث أحيانا عن رضاها، وعدم الاصطدام بها بشكل مباشر. لكنه لم ينصع لها، فانتقدها دون أن يتخلى عنها. رفض أيضا أن يصطدم بالأزهر، وألح بل وأوصى بألا تنشر رواية «أولاد حارتنا» الإشكالية، إلا بمقدمة من شخصية مرموقة في الأزهر. وكان له ما أراده في النهاية؛ فصدرت الرواية في مصر بمقدمة من الكاتب الإسلامي أحمد كمال أبو المجد على الرغم من أنه ليس ناقدا روائيا لا من بعيد ولا من قريب. مقدمة ضعيفة أدبيا، ظلت بعيدة عن عظمة الرواية. لكن ذلك كله لم يمنع نجيب محفوظ من انتقاد المؤسسة الدينية نقدا لاذعا في الكثير من رواياته. لم يكن محللا سياسيا، لكنه مرر كل مواقفه الرافضة عبر الرواية التي تعتبر حرفته الأساسية من خلال ممارسة «السوفت باور» القوة الناعمة، التي كانت واحدة من خياراته لمواجهة سلطان المؤسسة. انتصر نجيب محفوظ للرواية أولا وأخيرا، كفعل حر ودائم يتخطى السياسي الطارئ. ومن يقرأه، بدون مسبقات سياسية، لا يشك لحظة واحدة في جرأته وقوة نفاذ بصيرته، وعقلانيته الفذة.
ما بقي اليوم من نجيب محفوظ هو الروائي، ولا شيء آخر سوى الروائي، وما عدا ذلك فهو متروك للدرس والتحليل الأكاديمي بالتوافق مع معضلات الزمن الذي عاشه الكاتب.




