غزة بعد عامين من حرب الإبادة: الجوع سلاح والمعابر أداة حصار

غزة بعد عامين من حرب الإبادة: الجوع سلاح والمعابر أداة حصار
باسل خلف
مع أنّ الحرب وضعت أوزارها بعد عامين عاش فيهما سكان القطاع ظروفًا قاسية للغاية، إلا أن إسرائيل لم تلتزم، حتى اليوم، بالنصوص الواضحة المتعلقة بالبروتوكول الإنساني في اتفاق وقف إطلاق النار…
ظهيرة الرابع والعشرين من أكتوبر 2023، أي بعد أسبوعين تقريبًا من بداية الحرب على غزّة، شنّت إسرائيل غارة على مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزّة.
كنت في تلك الساعة أُغطي آثار قصف إسرائيلي على منزل في مخيم البريج المجاور من الناحية الشرقية، وفي أقل من عشرين دقيقة، وصلتُ إلى مكان القصف: مركز أبو دلال التجاري.
ما تزال فرق الدفاع المدني المنهكة تحاول إنقاذ المواطنين من تحت ركام المكان، جثثًا داخل الموقع المكتظ بالنازحين الذين قصدوه لشراء بعض حاجاتهم في تلك الأيام الصعبة.
فيديو قصير من كاميرا مراقبة يُظهر، بعد ساعات، لحظة القصف؛ كيف تناثرت الأشلاء كما تناثرت البضائع – أو ما توافر منها – في كل مكان.
لم يكن ذلك القصف هو الأول في الحرب، فقد سبقته غارات عنيفة، لكنّه كان أحد أبرز الضربات ضد المدنيين. وفي حينها، كان هذا المستودع وجهة لآلاف النازحين من غزة إلى مناطق الوسط والجنوب.
يمر عامان على بداية الحرب، ومنذ تلك اللحظة وحتى يومنا هذا، استمر سلوك الاحتلال ضد البنية التحتية والاقتصاد والمدنيين في غزة.
دمّرت إسرائيل المنطقة الصناعية في غزة، وما تزال تحتل معظم المناطق الزراعية شمال وشرق القطاع، المعروفة بـ”سلة غزة الغذائية”. وليس من نافلة القول إنّ هذه المناطق أصلًا كانت عرضة لسلوك إسرائيلي ممنهج منذ عام 2007، هدفه الأساسي تقويض أي إمكانية لنمو الاقتصاد وتطوير بنيته التحتية، ودفع سكان القطاع إلى الاعتماد على المساعدات بالدرجة الأولى، والاستيراد عبر القطاع الخاص بالدرجة الثانية.
شكلٌ جديد من العقاب الجماعي، هكذا تقول المنظمات الحقوقية والدولية ذات العلاقة.
قصفت إسرائيل المخابز، وتكيات الطعام، ومستودعات الأونروا. سلوك بدأته إسرائيل في 2007، حين شرعت في حساب السعرات الحرارية التي يحتاجها سكان القطاع. هآرتس والغارديان وغيرهما من الصحف تحدّثت عن تقارير إسرائيلية بهذا الخصوص، لكن لم يُعر أحدٌ الأمر اهتمامًا حينها، واكتفت بعض المنظمات الدولية – مرة أخرى – بتوصيف المشكلة، وربما إدانتها، من دون البحث عن حلول عملية.
غطيت عشرات القصص منذ 2007 عن المشاريع التي موّلتها المنظمات الدولية، وكانت في معظمها – إن لم يكن جميعها – مشاريع إغاثية لا مشاريع مستدامة.
وكان الباحثون ذوو النظرة المستقبلية يُحذّرون من هذا التوجّه، باعتباره نظرة سطحية لحاجات سكان القطاع.
وما إن بدأت الحرب، حتى تكشّف حجم المشكلة. ففي الأيام الأولى، فرغت المخازن من الخضروات، وأصبح من الصعب الوصول إلى المناطق الزراعية لخطورتها، ولم يكن بالإمكان الاستفادة من نتائج معظم المشاريع الصغيرة التي كانت تموّلها دول الاتحاد الأوروبي. وكذلك، كانت إدانات الاتحاد الأوروبي خجولة.
يقودنا كل ما سبق إلى نتيجة مفادها أن إسرائيل كانت لديها خطة ممنهجة سبقت الحرب، تهدف للإضرار باقتصاد غزة، سواء بالسلوك العسكري المتمثل في استهداف المنشآت الاقتصادية بشكل مباشر – سواء في الحروب أو جولات التصعيد بين عامي 2008 و2023 – أو من خلال إغلاق المعابر وفرض قيود على حرية الاستيراد والتصدير.
وبالتالي، ومع أنّ الحرب وضعت أوزارها بعد عامين عاش فيهما سكان القطاع ظروفًا قاسية للغاية، إلا أن إسرائيل لم تلتزم، حتى اليوم، بالنصوص الواضحة المتعلقة بالبروتوكول الإنساني في اتفاق وقف إطلاق النار في يناير 2025. بل ذهبت أبعد من ذلك، واستخدمت المعابر كورقة ضغط وعقاب جماعي على سكان القطاع.
وقبل أن تستأنف إسرائيل حربها في منتصف شهر مارس، أغلقت المعابر، وقيّدت حركة الصيد البحري، ما يعني أن المعابر باتت أداة من أدوات الحرب الإسرائيلية على القطاع، الأمر الذي دفع مسؤولين دوليين في الأمم المتحدة للقول إنّ إسرائيل تستخدم التجويع سلاحًا في وجه مليوني فلسطيني يعيشون في القطاع.
والآن، يتحدث العالم عن سلام في المنطقة، بينما تسمح إسرائيل بإدخال أقل من نصف عدد الشاحنات التي من المفترض أن تدخل ضمن الحاجات الإنسانية العاجلة لسكان القطاع.
تخط المؤسسات الدولية خططها من أجل التعافي، وإعادة تأهيل النازحين، وإدخال المساعدات، بينما تفرض إسرائيل قيودًا متعددة الأوجه.



