جمر الكلام: حوارات الإبداع والمقاومة

جمر الكلام: حوارات الإبداع والمقاومة
فراس حج محمد| فلسطين
يعد كتاب “جمر الكلام: حوارات نقدية في الشعر الفلسطيني” من إعداد الكاتب والصحفي السوري وحيد تاجا الصادر عن مؤسسة ميسلون للثقافة والترجمة والنشر في طبعته الأولى لعام 2026، مشروعاً توثيقياً ونقدياً يقع في أكثر من (380) صفحة من الحجم الكبير، ويمثل الكتاب محاولة جادة لسبر أغوار التجربة الشعرية الفلسطينية عبر أجيالها المختلفة وجغرافيتها المشتتة، حيث يضم بين دفتيه حوارات ممتدة ومتشعبة مع واحد وعشرين شاعراً وخمس شاعرات، إضافة إلى أربعة من النقاد الفلسطينيين، وقد وردت حواراتهم في الكتاب في فصلين، الأول للشعراء، والآخر للنقاد، مرتبين أبثتيا داخل كلا الفصلين.
لا تقتصر أهمية الكتاب على كونه تجميعاً لحوارات صحفية، إنما يمكن النظر إليه على اعتباره مختبراً نقدياً يستنطق المبدعين حول مشاريعهم الفنية، ورؤيتهم للقضية، وتحولات القصيدة الفلسطينية من الخطابية المباشرة إلى الفضاءات الإنسانية والفلسفية الأرحب، وبذلك يقدم شكلا تفاعليا من أشكال النقد الأدبي.
تعتبر المادة الحوارية في جمر الكلام ثمرة جهد صحفي وأدبي تراكم على مدار عقود، فلم تكن هذه الحوارات وليدة اللحظة، فقد نُشرت سابقاً في الصحف، مما يمنح الكتاب قيمة تاريخية ترصد تحولات الوعي الثقافي الفلسطيني في مراحل مفصلية، إذ تمتد تلك الحوارات عبر فترة زمنية طويلة تعكس تقلبات المشهد الفلسطيني والسياسي العربي، حيث يجد المرء أن الحوار مع الشاعر الراحل أحمد دحبور قد أجري في صيف عام 2015، ويعد من آخر شهاداته الإبداعية قبل رحيله.
يستعرض الكتاب في فصله الأول تجارب شعراء ينتمون إلى جغرافيات متباينة: من فلسطين المحتلة عام 1948، والضفة الغربية، وقطاع غزة، والشتات، مما يتيح للقارئ والباحث ملامسة التداخل الزمني والرؤيوي بين من عاش النكبة ومن ولد في ظل الحصار.
يبدأ الكتاب بالحوار مع الشاعر أحمد دحبور، ويرتكز مشروع دحبور الشعري على ثيمتين أساسيتين: المخيم والأم، ويرى دحبور أن المخيم ليس فقط مكاناً بائساً للجوء، إنما قد يمثّل له الدنيا الجميلة التي تربطه بالحياة، وهو الذي صاغ شخصيته الشعرية كولد فلسطيني دائم التجدد، ويتميز دحبور بقدرته الفائقة على توظيف التناص مع الخطاب الديني والتراثي، واستخدام لغة إلياذية في قصائده، حيث يحيل الفردي إلى جمعي، والآني إلى أسطوري.
أما المتوكل طه فينطلق مشروعه الإبداعي من تجربة السجن التي يراها فضاءً للتوازن والاعتدال والرد على قسوة العالم، ويتميز شعره بالاتكاءات الكبري على الرموز الدينية (القرآنية والمسيحية) والرموز التاريخية (هارون الرشيد، غرناطة)، ويرى المتوكل أن الغموض في شعره هو وعي وقدرة، وليس عجزاً، ويهدف من خلاله إلى دفع المتلقي للصعود إلى فضاءات تأويلية أرحب، وتعكس أعماله مثل حليب أسود والخروج إلى الحمراء صراع الهوية والذاكرة.
في حين يمثل الشاعر باسم النبريص صوتاً متمرداً ينحاز إلى الصعلكة كأسلوب حياة وإبداع. ويركز مشروعه الشعري في غزة على قصيدة الومضة والتأمل، بعيداً عن الخطابية والضجيج السيادي، ويرى النبريص أن القصيدة الفلسطينية يجب أن تتحرر من التصويت الجماعي لتصبح تعبيراً عن الذات الرائية التي تنزف من أحشائها، وتعكس كتبه واقعية مؤلمة مغلفة بشفافية الغموض.
أما خالد أبو خالد فإنه ينتمي إلى رعيل الشعراء المقاتلين، حيث تتسم لغته بالمباشرة الثورية والنفحة الملحمية، ويستحضر في مشروعه الجذور الكنعانية لفلسطين، معتبراً أن الشعر هو بندقية الكلمات، وتؤسس أعماله لخطاب يرفض الهزيمة ويؤله الأرض، متميزاً بإيقاع غنائي عالٍ يناسب المنبر والميدان.
ويجمع خالد جمعة في مشروعه بين الشعر والسرد وأدب الأطفال، ويتميز شعره بالتمرد والنرجسية الإيجابية التي ترفض السائد الشعري، وساهم من خلال مجلة عشتار في تحرير القصيدة من الألفاظ الحجرية والخطابية، متجهاً نحو قصيدة النثر والتركيز على التفاصيل الإنسانية الصغيرة التي تسبق أو تلي الحدث الدرامي الكبير.
ويعد عثمان حسين من أبرز أصوات جماعة التجريب في غزة، حيث يرى أن القصيدة الفلسطينية يجب أن تكون انعكاساً للخراب الداخلي الذي خلفه الحصار، ويرفض في مشروعه الالتزام بمفهوم شعر المقاومة الضيق، مفضلاً الانحياز إلى لغة سريالية تحطم اليقينيات الجمالية القديمة، ويرى أن قصيدة النثر في غزة هي خيار أخلاقي وفني لمواجهة واقع متفجر.
ويركز غسان زقطان في مشروعه على تحرير القصيدة الفلسطينية من الأيديولوجيا والسياسة المباشرة، متجهاً نحو الفضاء الإنساني الأرحب، ويتميز شعره بالهدوء والتأمل، والتركيز على المكان الفلسطيني كبنية ذاكرة وليس كشعار سياسي، ويرى زقطان أن على الجيل الجديد مسؤولية اجتراح أدوات تعبيرية لا تكتفي بـالرثاء.
يبرز فراس حج محمد كصوت مشاكس وإشكالي يطرق موضوعات مسكوتاً عنها في المجتمع الفلسطيني المحافظ، مثل الأيروسية والجسد، ويرى أن الصمت عن الجنس هو مخالفة للفطرة، ويدعو في أعماله إلى دمج الفكر والغريزة في بوتقة الإبداع، معتبراً أن القصيدة تلد شاعرها ولا يلدها هو بقرار مسبق.
يتناول الحوار مع محمود درويش في الكتاب مراحل تطوره من البداوة الشعرية إلى الاحتراف العالمي، ويبرز مشروعه كعملية إعادة صياغة للأسطورة، حيث يحول الواقعة الفلسطينية إلى تراجيديا إنسانية كونية، ويؤكد درويش أهمية المعرفة التحليلية والحدسية في بناء القصيدة، معتبراً أن الرمز هو الذي يحمي القصيدة من السقوط في الآني والزائل.
وينطلق مراد السوداني من جماليات الوعر والبيئة القروية، منحازاً إلى البساطة الرعوية التي تفيض برائحة الأرض والشجر، ويرى أن شعراء التسعينيات يعيشون حالة من الانشقاق في الوعي بين روح المقاومة وارتباك الواقع السياسي، ويقوم مشروع السوداني على صيد المفردات التراثية وإعادة إنتاجها بأسلوب حداثي، وهو ما يتجلى في دواوينه رغبوت وصداح الوعر.
ومن الشاعرات اللواتي حاورهن وحيد تاجا آمال عواد رضوان، وتتميز تجربتها الإبداعية بما يسمى النحت اللغوي، فهي تبتعد عن السياق المباشر لتخلق لغة مشحونة بالصور والرموز الحسية، وتبرز في مشروعها علاقة العشق الصوفي مع الطبيعة الفلسطينية، حيث تستخدم مفردات غير مألوفة لتفجير طاقات المعنى، وترى آمال أن العنوان عتبة سيميائية لا تنفصل عن متن القصيدة، وهو ما يظهر في دوانيها بسمة لوزية تتوهج ورحلة إلى عنوان مفقود.
أما إيمان مصاروة فإن الحزن والوداع يهيمن على مشروعها الشعري، خاصة في ديوانها بكائيات الوداع الأخير الذي يعد أول ديوان رثائي لشاعرة فلسطينية ترثي زوجها وأختها، وترتبط قصائدها بالقدس ارتباطاً عضوياً، حيث تدمج بين الذات المكلومة والوطن المصادر، وتتميز لغتها بالبساطة والصدق العفوي، بعيداً عن الفذلكة اللغوية، معتبرة أن الشعر هو نبض الروح في مواجهة القلق الوجودي.
بينما تمثل نداء يونس صوتاً يمزج بين الشعر والفلسفة والوعي الرقمي، وترى أن القصيدة الفلسطينية الجديدة يجب أن تخرج من دائرة المظلومية لتصبح سؤالاً وجودياً حول الهوية والذات، فمشروعها يقوم على التفكيك وإعادة البناء، حيث ترى في اللغة كائناً حياً يتشكل وفقاً لآليات التواصل الحديثة معتبرة أن الشاعر هو مشروع أزمة دائمة.
ويستعرض الفصل الثاني من الكتاب رؤى أربعة من النقاد، قدموا إطارات نظرية لفهم التحولات المهمة في بنية الشعر الفلسطيني، وهم: إبراهيم أبو هشهش، وإبراهيم خليل، وإبراهيم طه، وعمر عتيق.
يركز الدكتور إبراهيم أبو هشهش في مشروعه النقدي على سيميائية المكان في القصيدة الفلسطينية، ويحلل كيف تحول المكان من حيز جغرافي مفقود إلى فضاء استعاري يعوض الشاعر عن فقدان الأرض، ويرى أبو هشهش أن الشعر الفلسطيني استطاع بناء وطن لغوي موازٍ، وأن قوة القصيدة تكمن في قدرتها على جعل هذا المتخيل حقيقة واقعة في وجدان المتلقي العربي والعالمي.
في حين يهتم الدكتور إبراهيم خليل بالتحولات الأسلوبية في الشعر الفلسطيني المعاصر، ويرى خليل أن القصيدة الفلسطينية قد تجاوزت مرحلة الخطابية المباشرة التي ميزت حقبة الستينيات لتدخل في مرحلة التكثيف والرمزية، وينتقد خليل استسهال البعض لكتابة قصيدة النثر دون امتلاك أدوات لغوية قوية، ويشدد على أن الحداثة هي موقف فكري ولا تتجلى في كسر الأوزان والقوافي فقط.
ويعدّ البروفيسور إبراهيم طه من أهم المتخصصين في دراسة الأدب الفلسطيني في فلسطين المحتلة عام 1948، ويتمحور مشروعه النقدي حول علاقة الأدب بالهوية، ويحلل طه الصراع الثقافي الذي يعيشه مبدعو الـ 48 بين الهوية القومية العربية والمواطنة الطارئة والقسرية في دولة الاحتلال، ويرى أن اللغة هي حصن المقاومة الأخير، وأن الأدب في الداخل هو فعل إثبات وجود يومي يواجه محاولات التغريب والمحو الثقافي.
ويركز الدكتور عمر عتيق في دراساته النقدية الأكاديمية على جماليات التشكيل وعتبات النص، وقدم عتيق تحليلات مهمة لدواوين العديد من الشعراء، ويرى عتيق أن القصيدة الفلسطينية المعاصرة تتميز بـ التشكيل البصري والقدرة على استحضار الطبيعة كأدوات للتعبير عن حالات نفسية ووطنية معقدة.
من خلال المسح الشامل للمادة الحوارية والنقدية في كتاب جمر الكلام، يمكن استخلاص ملامح كبرى تجمع هؤلاء المبدعين، وأخرى تميز كل واحد منهم في إطاره الجغرافي والجيلي، وتتجلى في الكتاب مجموعة من القواسم المشتركة التي تشكل العمود الفقري للوعي الثقافي الفلسطيني المعاصر، حيث تظل الأرض والقدس محورية في هذا الشعر، وإن بدا وطنا ضائعا أو محتلا إلا أنه يشكل القبلة التي تتجه إليها كل القصائد، سواء أتمّ ذلك عبر الخطاب المباشر أم من خلال الرمز الصوفي، كما تبدو أزمة الهوية والمنفى، إذ يشترك شعراء الداخل والشتات في شعور الغربة، سواء أكانت غربة في الوطن كما لدى نزيه حسون وآمال رضوان أو غربة المنفى كما لدى يوسف الخطيب وأحمد دحبور.
ويبرز في الكتاب كذلك ملمحين فنيين آخرين، يتّضح الأول في استخدام مكثف للرموز القرآنية والمسيحية والكنعانية والأندلسية كغطاء فني للتعبير عن مأساة الحاضر، وأما الآخر فينحاز للحداثة، فثمة إجماع- رغم اختلاف الأجيال- على ضرورة تطوير الأدوات الشعرية، ورفض السكونية، والبحث عن معادل فني حقيقي للقضية بعيداً عن الشعارات الجاهزة.
وعلى الرغم من القواسم المشتركة، إلا أن الكتاب يضيء على خصوصيات تفرضها التجربة والواقع، فإذا ما كان الصراع اللغوي مع الآخر والتشبث بالهوية العربية في مواجهة التغريب يسم شعراء فلسطين المحتلة عام 1948، فإن شعراء قطاع غزة يغلب عليهم هيمنة قصيدة النثر والتجريب الحاد كتعبير عن واقع الانفجار والحصار الدائم، أما شعراء الضفة والقدس (مناطق الاحتلال 1967) فيتميزون بالاشتباك اليومي مع الحواجز والاستيطان، مع حضور طاغٍ لرمزية القدس، ويغلب الحنين مع فلسطين كفكرة أسطورية أو فردوس مفقود لدى شعراء الشتات.
يمثل كتاب جمر الكلام لوحيد تاجا بروتوكولاً ثقافياً يسجل لحظة التحول من شعر المقاومة بمدلوله السياسي المباشر إلى شعرية الإنسان الفلسطيني بمدلولها الوجودي والفلسفي، وتكمن أهمية المادة الحوارية في قدرة المؤلف على استدراج المبدعين للاعتراف بخساراتهم وانكساراتهم وأحلامهم خلف الكواليس.
وعليه، يبرز مجموعة من الاستنتاجات الكبرى من هذه المادة المتنوعة، إذ تؤكد بعص تلك الحوارات أن قصيدة النثر باتت هي القدر الكتابي للمرحلة الراهنة، كونها الأكثر قدرة على استيعاب تشظي الواقع الفلسطيني، كما يشير بعضها الآخر إلى تداخل الأجناس الأدبية، فيظهر تلاشي الفواصل بين الشعر والنثر، والقصة والومضة، مما يؤكد دخول الأدب الفلسطيني في طور النص المفتوح.
وأما في مجال النقد، فيجمع النقاد الأربعة على أن النقد الفلسطيني ما زال يعاني من تبعية القضية، وأنه بحاجة إلى أدوات منهجية تتحرر من قدسية الموضوع لمحاكمة جماليات النص، كما يثبت الكتاب أن الصحافة الثقافية العربية أدّت دوراً حيوياً في ربط المبدع الفلسطيني داخل الأرض المحتلة بعمقه العربي، وهو ما وثقه وحيد تاجا عبر عقود.
إن جمر الكلام رحلة في عقول وقلوب صناع الكلمة الفلسطينية، وهو لا يقدم إجابات نهائية، بل يطرح أسئلة مقلقة حول مستقبل القصيدة في ظل تراجع حضور القضية في المشهد العالمي وانكفاء الشاعر نحو ذاته، ليظل هذا الكتاب مرجعاً لا غنى عنه للباحثين والمثقفين الراغبين في فهم جمر التجربة الإبداعية التي لا تزال تتوهج رغم الرماد السياسي الكثيف.




