القلق الوجودي بين سنية صالح وسيلفيا بلاث

القلق الوجودي بين سنية صالح وسيلفيا بلاث
إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن
القلقُ الوجودي لَيْسَ حالةً نَفْسية عابرة ، بَلْ هو سُؤال الكائنِ حين يضعُ رأسَه على حَافةِ
المَعنى ، وينظر في هُوَّةِ الوجودِ دُون وسائط مُطمئنة . وفي الشِّعْرِ ، يتحوَّل هذا القلقُ إلى لُغةٍ
، ونَبْرَةٍ ، وجسدٍ لُغوي يَرتجف وهو يُحاول تسميةَ مَا لا يُسَمَّى .
في هذا الأُفق ، تلتقي تَجْرِبتان شِعْريتان مُتباعدتان جُغرافيًّا وثقافيًّا ، لكنَّهما مُتجاورتان
رُوحيًّا : تَجْرِبة الشاعرةِ السُّوريةِ سَنِيَّة صالح ( 1935_ 1985 )، وتَجْرِبة الشاعرةِ
الأمريكية سيلفيا بلاث ( 1932 _ 1963 انتحار ) . كِلْتاهُما كَتَبَتَا مِن قلبِ القلقِ ، لا بِوَصْفِه
فِكرةً فلسفية مُجرَّدة ، بَلْ بِوَصْفِه مُعاناة يَومية ، وجُرْحًا مَفتوحًا في الذات .
عِند سَنِيَّة صالح ، يَنْبُع القلقُ مِن هَشاشةِ الكائنِ في عَالَمٍ عَرَبيٍّ مُضطرب ، وشُعورٍ
عميق بالاغترابِ داخل الجسدِ واللغةِ والمصير . هِيَ لا تكتب عَن القلق ، بَلْ تَكتُب بِه ، كأنَّ
القصيدة نَفْسَها كائنٌ قَلِق ، يتقدَّم ويتراجع . يَتلعثم أحيانًا، ويَصرخ أحيانًا أُخْرَى . وَشِعْرُها لا
يبحثُ عَن خَلاصٍ نِهائي ، بَلْ يكتفي بِتَعريةِ الجُرْح ، والوُقوفِ طويلًا أمامَ الأسئلةِ الكُبرى :
المَوْت ، الوَحْدة، الحُب ، الأُمُومة ، الزمن الذي يَنهش الرُّوحَ بصمت .
أمَّا سيلفيا بلاث ، فيتخذ القلقُ عِندها طابعًا أكثر حِدَّةً واندفاعًا أقرب إلى الانفجارِ الداخلي
. قلقُها وُجودي لكنَّه أيضًا نَفْسي ، يتشابك معَ الاكتئابِ والهُوِيَّةِ الأُنثويةِ والضغطِ الاجتماعي .
قصيدتها لا تَمْشي على حافةِ الهاوية فقط ، بَلْ تقفز أحيانًا داخلها مُحاوِلةً أن تفهم السقوطَ
ذاتَه . الذاتُ عِندها ساحةُ صِراعٍ عنيف بين الرغبةِ في الحياةِ والرغبةِ في التلاشي ، بين
الصوتِ والرغبةِ في الصمتِ الأبدي .
يُشكِّل الجسدُ مِحْوَرًا أساسيًّا في تَجْرِبةِ الشاعرتَيْن . عِند سَنِيَّة صالح ، الجسدُ كائنٌ مُتعَب
، ومريض ، ومُحاصَر بالانتظارِ والخَسارات.إنَّه جسدٌ أُنثوي يعيشُ القلقَ بصمتٍ نبيل، قَلَق لا
يَصرخ كثيرًا،بَلْ يتآكل بِبُطْء. يَظهر الجسدُ بِوَصْفِه مَكانًا للألمِ والذاكرةِ ، لا كَمَوضوع للزينةِ أو
الاحتفاءِ ، بَلْ كحقيقة ثقيلة لا مَهرَب مِنها .
في المُقابِل ، يَتحوَّل جسدُ سيلفيا بلاث إلى ساحة مُواجَهة مُباشرة معَ العدم . جسدٌ يَتكلَّم ،
ويَحْتَج ، وينكسر، ويُعاد تَركيبُه لُغويًّا بِقَسوة . القلقُ هُنا لَيْسَ ساكنًا ، وإنَّما عنيف ، يَضرب
الجسدَ ، ويُعيد تَعريفَه باعتباره شيئًا هَشًّا ، وقابلًا للفَنَاءِ في كُلِّ لَحْظة .
تكتبُ سَنِيَّة صالح بِلُغَةٍ شفيفة ومُقتصدة ، لكنَّها مشحونة بطاقةٍ داخلية عالية . لُغتها
تُشبِه حَياةً مَكسورة، أو اعترافًا يُقَال بصوتٍ مُنخفض خَوْفًا مِن انكساره . القلقُ في لُغتها
يَتجلَّى عَبْرَ الفَرَاغات ، والمَيْلِ الواضحِ إلى التأمُّلِ الداخلي .
سيلفيا بلاث تلجأ إلى لُغةٍ صادمة ، ومليئة بالصُّوَرِ الحادَّة ، والاستعاراتِ القاسية . لُغَتُها
لا تَخشى العُنْفَ الرمزي، ولا تَخجل مِنْ تَعريةِ الذاتِ حتى أقصى دَرَجَاتِ الهَشَاشة . القلقُ هُنا
يُتَرْجَمُ إلى صُوَرٍ قوية ، وإيقاعٍ مُتوتِّر ، وقصيدةٍ تكادُ تَكُون صَرخةً وُجودية مُكتملة .
يَلتقي صَوْتَا الشاعرتَيْن عِند سُؤالِ الأُنوثة ، لَيْسَ باعتباره هُوِيَّةً بيولوجية فَحَسْب ، بَلْ
أيضًا تَجْرِبة وُجودية مُركَّبة. سَنِيَّة صالح تعيشُ أُنوثتها في ظِلِّ مُجتمع يُثْقِلُها بالتوقعاتِ
والقُيود ، فَتتحوَّل الأُنوثةُ إلى عِبْءٍ وُجودي ، وسُؤالٍ مُؤلِم عن الحُرِّيةِ والمَعنى . القلقُ هُنا
مُرتبط بالإحساس بالاختناقِ داخل أدوارٍ جاهزة . وسيلفيا بلاث تَخوضُ صِراعًا عنيفًا معَ
صُورةِ المرأة كما يَرسمها المُجتمعُ الغَرْبيُّ الحديث . وهذا التَّمَزُّقُ يُولِّد قَلَقًا مُضَاعَفًا ، لا يَجِد
مَخرجًا سهلًا ، ويَتحوَّل إلى رَغبةٍ في مَحْوِ الذات ، أوْ إعادةِ صِناعتها مِنَ الصِّفْر .
المَوْتُ حاضرٌ بقوة في تَجْرِبَتَي الشاعرتَيْن ، لكنَّ حُضوره يَختلف في النَّبْرَةِ والوظيفة .
عِند سَنِيَّة صالح ، المَوْتُ ظِلٌّ بعيدٌ نِسْبِيًّا ، يُستدعَى بِوَصفه نِهايةً مُحتمَلة ، أوْ كحقيقةٍ صامتةٍ
تُراقِب الحياةَ مِنَ الخَلْف . إنَّه جُزْءٌ مِنَ التأمُّلِ الوُجودي لا ذِرْوَة درامية . وَعِند سيلفيا بلاث ،
المَوْتُ يَكاد يَكُون شخصيةً مَركزية، وَحِوارًا مَفتوحًا ، وهاجسًا دائمًا. القلقُ الوجودي هُنا
يصلُ إلى ذِروته ، حيث تُصبح الحياةُ سُؤالًا ثقيلًا ، ويَغدو المَوْتُ إغراءً فلسفيًّا ونَفْسِيًّا في آنٍ
معًا .
لا يُقْرَأ شِعْرُ سَنِيَّة صالح وسيلفيا بلاث بِوَصفه تعبيرًا ذاتيًّا فَحَسْب ، بَلْ هُوَ أيضًا شهادة
وجودية على هَشاشةِ الكائنِ في مُواجهةِ العَالَمِ والذاتِ والمصير . كِلْتاهُما جَعَلَتْ مِن القلقِ
مادَّةً شِعْرية مَركزية ، وَوَعْيًا حادًّا بالوُجودِ وحُدودِه القُصْوى ، ولَيْسَ حالةً نَفْسية عابرة .
تَلْتقي الشاعرتان في إدراكهما العميقِ لاغترابِ الإنسانِ الحديثِ ، وتَحويلِ التَّجْرِبَة
الشخصية إلى سُؤالٍ كَوْني ، وتفترقان في نَبْرَةِ المُواجَهة . سَنِيَّة صالح تُصْغي إلى القلقِ
وتَحْتويه ، بَينما سيلفيا بلاث تُهاجمه وتشتبك معه حتى الاحتراقِ .
بَيْنَ الهمسِ والصَّرخةِ، يَتشكَّل شِعْرُهما كَوَثيقةٍ إنسانية عالية الكُلْفَة ، تُثْبِتُ أنَّ القلقَ
الوُجودي أحدُ أشكالِ الوَعْي ، يَنبُع مِنْ شُعورٍ دائم بالانفصال ، انفصال المَرأةِ عن جسدها ،
والعَالَمِ الذي يفرض صَمْتَه الثقيل ، ويتعامل معَ المَوْتِ كَحَقيقةٍ تَسْكُنُ الحياةَ ذَاتَها ، وَلَيْسَ
شيئًا خارجيًّا .




