الافتتاحيهرئيسي

الانقضاض على السلطة الفلسطينية عبر المحافظات: هل بدأت إسرائيل مرحلة إعادة هندسة المشهد السياسي الفلسطيني؟

الانقضاض على السلطة الفلسطينية عبر المحافظات: هل بدأت إسرائيل مرحلة إعادة هندسة المشهد السياسي الفلسطيني؟

بقلم رئيس التحرير

تشهد الضفة الغربية تحولاً نوعياً في طبيعة السياسة الإسرائيلية، يتجاوز الأدوات التقليدية القائمة على الاحتلال العسكري والتوسع الاستيطاني والضغوط الاقتصادية، نحو استراتيجية أكثر عمقاً وتعقيداً تستهدف إعادة تشكيل البيئة السياسية والاجتماعية الفلسطينية من الداخل. فالمعركة لم تعد تقتصر على السيطرة على الأرض، بل امتدت إلى محاولة إعادة رسم مراكز النفوذ والقرار، وتفكيك المرجعيات الوطنية الجامعة، وبناء قنوات اتصال مباشرة مع مكونات المجتمع المحلي في مختلف المحافظات الفلسطينية.

وتكشف المؤشرات المتراكمة، إلى جانب التصريحات الصادرة عن مسؤولين في الحكومة الإسرائيلية، أن هناك توجهاً يقوم على تجاوز السلطة الفلسطينية تدريجياً، وإضعاف دورها السياسي والإداري، عبر فتح قنوات تواصل مع فعاليات اقتصادية واجتماعية، وغرف تجارية، وهيئات محلية، ومؤسسات مجتمع مدني، بما ينسجم مع رؤية اليمين الإسرائيلي الساعية إلى إدارة السكان الفلسطينيين دون الاعتراف بحقوقهم الوطنية، وفرض وقائع جديدة تجعل من مشروع الدولة الفلسطينية أكثر صعوبة.

وتتزامن هذه التحركات مع تصاعد الدعوات داخل الحكومة الإسرائيلية إلى توسيع السيطرة على الضفة الغربية وفرض السيادة على أجزاء واسعة منها، في إطار مشروع استراتيجي لا يقتصر على الضم الجغرافي، بل يمتد إلى إعادة هندسة المشهد السياسي الفلسطيني، وتحويل المحافظات إلى مراكز نفوذ محلية منفصلة، بما يضعف وحدة القرار الوطني ويقوض المكانة السياسية للسلطة الفلسطينية بوصفها الممثل الإداري والسياسي المعترف به دولياً.

ولا يمكن فصل هذه السياسة عن النهج الإسرائيلي الذي يسعى إلى استثمار الأزمات الاقتصادية والمالية والاجتماعية التي يعيشها الفلسطينيون، لتوسيع دائرة التأثير داخل المجتمع، وإعادة صياغة العلاقة مع الفلسطينيين على أساس المصالح الاقتصادية والإدارية، بعيداً عن المرجعية الوطنية والحقوق السياسية التي كفلها القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.

إن خطورة هذه المرحلة لا تكمن فقط في الضغوط التي تمارسها إسرائيل على السلطة الفلسطينية، وإنما في محاولة إنتاج واقع سياسي جديد يعيد تشكيل بنية المجتمع الفلسطيني من الداخل، ويستبدل وحدة التمثيل الوطني بشبكات محلية متفرقة، بما يخدم مشروع الاحتلال طويل الأمد.

ومن هنا، فإن مواجهة هذه الاستراتيجية لا تكون بالشعارات، وإنما بتعزيز الوحدة الوطنية، وتسريع الإصلاح المؤسسي، وترسيخ الشراكة بين مؤسسات الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، بما يعيد بناء الثقة الوطنية ويغلق الأبواب أمام أي محاولات لاختراق المجتمع الفلسطيني أو إعادة تشكيله وفق الرؤية الإسرائيلية.

إن المعركة التي تواجه الفلسطينيين اليوم لم تعد معركة الأرض وحدها، بل أصبحت أيضاً معركة الدفاع عن وحدة النظام السياسي، والحفاظ على الشرعية الوطنية، وصون الهوية الجامعة في مواجهة مشروع يسعى إلى إعادة هندسة الواقع الفلسطيني بما يخدم أهداف الاحتلال ويقوض فرص إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب