مقالات

معنى عودة اليمين للحكم بالقارة الاوروبية  بقلم الدكتور يوسف مكي

بقلم الدكتور يوسف مكي

معنى عودة اليمين للحكم بالقارة الاوروبية
 بقلم الدكتور يوسف مكي
يمكن بقليل من التحفظ القول أن هذا العام، هو عام الانتخابات، على المستوى العالمي بشكل عام، والقارة الأوروبية بشكل خاص. واللافت للنظر، هو تصدر اليمين في هذه الانتخابات، على مستوى القارة بأسرها.
ففي فرنسا، حقق اليمين المتطرف فوزاً تاريخياً بانتخابات البرلمان الأوروبي، بفارق كبير عن معسكر الغالبية الرئاسية. وتصدر حزب التجمع الوطني بقيادة جوردان بارديلا النتائج بنسبة تزيد عن 31.5% من الأصوات، متقدماً بفارق كبير على حزب النهضة الذي يتزعمه الرئيس ماكرون (15.2%). وبذلك سيحصل حزب الجبهة الوطنية على 31 من أصل 81 مقعداً فرنسيا.
وفي رد فعل فوري، أعلنت زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبنـ أنها على استعداد لممارسة السلطة إذا منحها الفرنسيون ثقتهم”. واللافت في هذا السياق، أن لوبن خسرت في مواجهتها مع ماكرون مرتين بالانتخابات الرئاسية لعامي 2017 و2022، بما يعني أن هناك تحولا كبيرا في مزاج الناخب الفرنسي.
في إيطاليا، تصدر حزب “إخوة أيطاليا” اليميني المتطرف، بزعامة رئيسة الوزراء الإيطالية جيورجيا ميلوني، النتائج بنسبة 25 إلى 31% من الأصوات، متوفقة على الحزب الديموقراطي، حزب المعارضة الرئيسي، والذي يمثل يسار الوسط.
وفي النمسا، حصل “حزب الحرية” اليميني المتطرف على 27% من الأصوات، ليتصدر الانتخابات الأوروبية في البلاد، محققاً بذلك أول فوز له في انتخابات وطنية. ثم حل حزب “إس بي أو” الاشتراكي الديموقراطي ثانيا (23.2%). وحصل حزب الخضر من جهته على 10.7%..
وفي المانيا، لا يختلف الوضع كثيرا، رغم أن اليمين المتطرف، لم يحصد الموقع الأول، لكنه تقدم كثيرا، في انتخابات البرلمان الأووربي، خلافا لما كان سائدا بالانتخابات السابقة. والوضع في أسبانيا، مشابه لما حدث في معظم الدول الأوروبية، فقد تصدر اليمين المحافظ نتائج انتخابات البرلمان الأوروبي لهذا العام. وفي هولندا، تعزز موقف خيرت فيلدرز اليميني المتطرف، رغم أنه جاء في الموقع الثاني.
ويرى كثير من المتابعين للأحداث السياسية بالقارة الأوروبية، أن توجه البرلمان الأوروبي نحو اليمين، يعني أنه سيكون أقل حماسا للسياسات الرامية لمعالجة تغير المناخ، وأنه سيعمل على تعزيز التدابير الرامية للحد من الهجرة للاتحاد الأوروبي.
ما يهمنا في هذا العرض، هو معرفة الأسباب، التي أدت إلى صعود اليمين بالقارة الأوروبية، في ظاهرة غير مسبوقة منذ عقود. وفي يقيننا فإن كلمة السر التي أدت لهذا التحول تكمن في الاقتصاد. إن ما يجري بالقارة الأوروبية، تعكس حالة الانكماش الاقتصادي، وهو تعبير عن أزمة اقتصادية عميقة تمر بها أوروبا.
في النظام الرأسمالي، يجري تشجيع مواطني بلدان العالم الثالث، على الهجرة إلى بلدان المركز، لمعالجة النقص في العمالة، ولتسيير دفة المصانع بسهولة ويسر. أما في حالة الانكماش، فتسود البطالة وترتفع معدلات الجريمة، بما يهدد السلم الاجتماعي. وتتعزز النزعات القومية، وتتصاعد الدعوات لمحاربة الهجرة، بل والمطالبة بطرد المهاجرين. وإذن فإن أوروبا تعاني في المرحلة الراهنة من أزمات اقتصادية مستعصية. والحلول المطروحة لمعالجتها هي أشبه بالمهدئات، التي لا ترقى لمعالجة الأزمة من جذورها.
والمعضلة الاقتصادية الأوروبية، تبدو مركبة، ذلك لأن المألوف هو وجود تلازم بين الانكماش، وتراجع التضخم. لكن الواقع الراهن، يؤكد تلازما غير مألوف بين ظاهرتي التضخم والانكماش، حيث تطغى حالة الانكماش، على السياسات الأوروبية بمجملها، بينما ترتفع أسعار المواد الأساسية بالأسواق الأوروبية، من غير ضوابط.
على الصعيد السياسات الدولية، لا توجد فوارق جوهرية بين النظم الأوروبية، سواء كان المهيمن على سدة الحكم فيها، هو اليمين أو اليسار، فكلاهما كما تم توصيفهما من قبل الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، لا يختلفان عن بعض، وهما من وجهة نظره، أشبه بفردتي حذاء، كل واحدة منهما تخص قدما، وتؤدي الوظيفة المنوطة بها بشكل مضطرد.
في هذا السياق، لا يمكن الحديث عما يجري في القارة الأوروبية، دون الحديث عن الولايات المتحدة الأمريكية، التي ستشهد في تشرين الثاني/ نوفمبر من هذا العام، انتخاب رئيس أمريكي جديد لها. ويبدو ضمن المنظور الراهن، وبعد المناظرة التي جرت بين الرئيس جوزيف بايدن، والرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، أن أحدهما سيحظى بالوصول إلى البيت الأبيض.
ورغم ما وصفناه، في حديثنا السابق، بالمناظرة الرئاسية البائسة، فإن جل المؤشرات، تشي بأن الموقع الرئاسي الأول، سيكون من نصيب الرئيس ترامب، خاصة بعد تمسك الديمقراطيين بمرشحهم، رغم هزال دوره بالمناظرة. كان من المتوقع بعد المناظرة، أن يعيد الديمقراطيون حساباتهم، ويختاروا مرشحا رئاسيا آخر، لكنهم آثروا التمسك ببايدن. هناك من يتوقع أن ينسحب الرئيس بعد وصوله للبيت الأبيض، لصالح نائبته كمالا هاريس. لكن ذلك لا يمكن الجزم به الآن.
في حالة وصول ترامب، لسدة الحكم، سيحدث تغيرات جوهرية في السياسة الأمريكية، وبشكل خاص ما يتعلق بالعملية العسكرية الخاصة التي تنفذها روسيا في أوكرانيا. فقد قال بصريح العبارة، بأنه لن يدعم حكومة زيلنسكي في هذه الحرب، وأنه يتفهم المخاوف الروسية، من ضم أوكرانيا للناتو، لأن ذلك هو بمثابة وضع مسدس في رقبة الاتحاد الروسي.
أما فيما يتعلق بحرب الإبادة التي تشنها إسرائيل، على غزة والفلسطينيين، فإن موقف كلا المرشحين، مساند بلا حدود للعدوان الاسرائيلي، ولن يغير من واقع الحال، سوى الموقف العربي، حين يتمسك في علاقته مع الغير بالندية والتكافؤ واحترام الحقوق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Thumbnails managed by ThumbPress

جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب