مقالات

إيران.. العقوبات الاقتصادية لا تعني الخضوع ولا تنبئ بسقوط النظام.

إيران.. العقوبات الاقتصادية لا تعني الخضوع ولا تنبئ
بسقوط النظام.
ردّاً على حسن محمودي في صحيفة «إيلاف»..

الأستاذ: علي اعمو
كاتب من المغرب

في مقاله المنشور بصحيفة «إيلاف» تحت عنوان «الاقتصاد في
إيران: من أزمة معيشة إلى أزمة حكم»، يركز حسن محمودي
على تدهور الأوضاع الاقتصادية في إيران، وانخفاض قيمة
العملة، وارتفاع أسعار المواد الغذائية، وانكماش الإنتاج، وتراجع
القدرة الشرائية للمواطنين، ليخلص إلى أن الأزمة الاقتصادية قد
تتحول إلى أزمة سياسية تهدد قدرة النظام على الاستمرار في
إدارة المجتمع.
لا أحد ينكر أن الاقتصاد الإيراني يواجه صعوبات كبيرة، وأن
المواطن الإيراني يتحمل أعباء معيشية ثقيلة نتيجة التضخم
وارتفاع الأسعار وتراجع الدخل الحقيقي. لكن الاختلاف مع
الكاتب يكمن في قراءته لهذه الأزمة، وفي إغفاله السياق
السياسي والاستراتيجي الذي تعيشه إيران منذ أكثر من أربعة
عقود.
فهل يمكن حقاً قراءة الأزمة الاقتصادية الإيرانية بمعزل عن
العقوبات الأمريكية المتواصلة، والضغوط السياسية والاقتصادية،
والصراع الإقليمي الذي تخوضه طهران؟ وهل يكفي تراجع
العملة وارتفاع الأسعار للقول إن إيران أصبحت أمام أزمة حكم
تهدد استمرار نظامها السياسي؟.
لقد اعتادت إيران العقوبات الأمريكية منذ أكثر من أربعة عقود.
ولم تكن هذه العقوبات مجرد إجراءات اقتصادية عابرة، بل شكلت

سياسة متواصلة للضغط على الدولة الإيرانية وإضعاف
اقتصادها، ودفعها إلى تغيير خياراتها السياسية والاستراتيجية
والخضوع للإرادة الأمريكية.
ومع ذلك، لم تتخلَّ إيران عن استقلال قرارها، ولم تقبل أن تصبح
دولة تابعة للسياسة الأمريكية، أو أن تسمح لواشنطن بتحديد
خياراتها ومواقفها وفق مصالحها الخاصة.
وهنا ينبغي التوقف عند جوهر الخلاف بين إيران والولايات
المتحدة. فالمسألة لا تتعلق بالملف النووي وحده، ولا بالعقوبات
الاقتصادية فقط، بل تتجاوز ذلك إلى طبيعة النظام الإقليمي الذي
تريد واشنطن تكريسه، وموقع إسرائيل فيه، والدور الذي تسعى
إيران إلى الاحتفاظ به باعتبارها قوة إقليمية أساسية.
الهيمنة الأمريكية والوجود العسكري في الخليج.
إن معظم الدول العربية في المنطقة اختارت الارتباط بالسياسة
الأمريكية، وسمحت لواشنطن بإقامة قواعد عسكرية على
أراضيها، كما أتاحت للأسطول الحربي الأمريكي الوجود في مياه
الخليج، وأصبح الحضور العسكري الأمريكي جزءاً من المعادلة
الأمنية والسياسية للمنطقة.
أما إيران، فترفض هذا الوجود العسكري الأمريكي، وترى فيه
امتداداً للهيمنة على المنطقة ومحاولةً للتحكم في قرارات دولها
ومستقبلها.
وهنا يظهر التباين الجوهري بين الموقف الإيراني ومواقف عدد
من الدول العربية. فإيران لا تريد أن تكون المنطقة مجالاً مفتوحاً

للنفوذ الأمريكي، ولا تقبل أن تنفرد واشنطن بتحديد موازين
القوى والسياسات الإقليمية.
وفي ظل غياب قوة إقليمية أخرى تتبنى موقفاً مماثلاً في مواجهة
الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية، وجدت إيران نفسها في موقع
اللاعب الأساسي الذي يتصدى لهذا النفوذ، ويسعى إلى منع
انفراد الولايات المتحدة وإسرائيل بتقرير مستقبل المنطقة.
فإيران هي القوة الإقليمية الأبرز التي تتبنى مواجهة المشروع
الأمريكي الإسرائيلي، وترفض الخضوع لشروطه.
التقارب العربي الإسرائيلي زاد من تشدد الموقف الإيراني..
ومما زاد من تمسك إيران بمواقفها الاستراتيجية، التقارب
المتزايد بين عدد من الدول العربية وإسرائيل، وما نتج عنه من
علاقات سياسية وأمنية واقتصادية.
وكانت اتفاقيات "أبراهام" إحدى أبرز محطات هذا التقارب، إذ
فتحت الباب أمام تطبيع العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول
العربية، وأعطت لهذا المسار أبعاداً تتجاوز الاعتراف الدبلوماسي
إلى التعاون في مجالات متعددة.
وقد رأت إيران في هذا التقارب تطوراً يعزز موقع إسرائيل
الإقليمي، ويفتح المجال أمام توسيع نفوذها بدعم أمريكي، في
وقت تواصل فيه إسرائيل سياساتها تجاه الشعب الفلسطيني،
وتفرض واقعاً ميدانياً وسياسياً يتعارض مع تطلعات الفلسطينيين
إلى الحرية والاستقلال.

ومن ثم، فإن تشدد إيران لا يمكن فهمه بمعزل عن هذه
التحولات، وعن مخاوفها من تشكّل تحالفات إقليمية جديدة تعزز
التفوق الإسرائيلي وتحد من دورها ونفوذها.
أمريكا ومصالحها الاستراتيجية في المنطقة.
إن الولايات المتحدة لا تتحرك في المنطقة بدافع الحرص على
الديمقراطية أو تحسين الأوضاع المعيشية للشعوب، وإنما تحكم
سياستها مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية، وفي مقدمتها
ضمان نفوذها في الخليج، وحماية مصالحها المرتبطة بالنفط
ومصادر الطاقة، والحفاظ على التفوق الإسرائيلي.
ومن هذا المنطلق، تسعى واشنطن إلى انضمام إيران إلى الدول
العربية التي تدور في فلك سياستها، وتخضع لنفوذها السياسي
والعسكري والأمني، بما يضمن لها إحكام قبضتها على المنطقة
واستمرار هيمنتها عليها لكن إيران ترفض أن تكون جزءاً من
هذه المعادلة، ولا تريد أن تتحول إلى دولة فاقدة لاستقلال
قرارها، أو أن تقبل بإسرائيل قوة مهيمنة على المنطقة دون
منازع.
إنها معركة نفوذ وسيادة قبل أن تكون مجرد خلاف حول ملفات
اقتصادية أو تقنية، ولذلك لا يمكن اختزال الموقف الإيراني في
أرقام التضخم وسعر صرف العملة.
هل تعني الأزمة الاقتصادية استسلام إيران؟.
يبدو أن الكاتب يراهن على أن استمرار التدهور الاقتصادي
سيؤدي إلى انتقال الأزمة من معاناة معيشية إلى أزمة حكم، وأن

تراجع ثقة المواطنين في قدرة السلطة على إدارة الاقتصاد قد
يهدد استمرار النظام.
لكن هذا الاستنتاج ليس حتمياً. فالأزمات الاقتصادية لا تؤدي
بالضرورة إلى انهيار الأنظمة السياسية، و لا تجعل الدول تتخلى
عن خياراتها الاستراتيجية.
لقد واجهت إيران عقوبات طويلة الأمد، وراكمت خبرة في
التعامل مع الضغوط الاقتصادية، ولم تتخلَّ عن مواقفها الأساسية
رغم ما ترتب على ذلك من تكاليف.
ولا أعتقد أن إيران ستستسلم في هذه الحرب المفروضة عليها
من الولايات المتحدة وإسرائيل، مهما اشتدت الضغوط
الاقتصادية، ومهما تراجعت الأوضاع المعيشية لمواطنيها.
فبالنسبة إلى القيادة الإيرانية، لا يتعلق الأمر بمجرد المحافظة
على مؤشرات اقتصادية مستقرة، بل بمستقبل الدولة وموقعها
الإقليمي واستقلال قرارها السياسي والاستراتيجي.
أما الشعب الإيراني، فلا ينبغي اختزال موقفه في معاناته
الاقتصادية، ولا افتراض أنه سيتخذ بالضرورة من هذه المعاناة
موقفاً مؤيداً للتدخل الخارجي. فهناك فارق بين مطالبة المواطنين
حكومتهم بتحسين أوضاعهم المعيشية، وبين قبولهم بأن تخضع
بلادهم للإرادة الأمريكية والإسرائيلية.
نعم، كانت هناك معارضة للنظام في إيران، كما هو الشأن في
مختلف بلدان العالم، ولا تزال هناك قوى سياسية ومجتمعية
تختلف معه في مواقفه وسياساته. غير أن الحرب فرضت واقعاً

مختلفاً، إذ توحّدت القوى السياسية الإيرانية، على اختلاف
توجهاتها، حول موقف وطني مشترك، لأنها تدرك أن الأمر لا
يتعلق بالخلاف مع النظام أو تأييده، بل باستهداف سيادة بلدها
ومحاولة إخضاعه لإرادة خارجية. فالاختلاف السياسي لا يلغي
الانتماء الوطني، ومعارضة الحكومة لا تعني القبول بالعدوان
على الوطن.
إيران ليست مجرد نظام سياسي.
ثمة جانب آخر يغيب عن بعض القراءات التي تتناول مستقبل
إيران، وهو البعد الحضاري والتاريخي لهذه الدولة.
فإيران ليست مجرد نظام سياسي يمكن اختزال مستقبلها في أزمة
اقتصادية أو في نتائج حرب، بل هي دولة ذات حضارة عريقة
تمتد جذورها إلى آلاف السنين، ولها مقومات بشرية وجغرافية
وثقافية واستراتيجية تجعلها رقماً أساسياً في معادلات المنطقة.
وقد تتعرض إيران لخسائر اقتصادية وعسكرية، وقد تتفاقم
معاناة مواطنيها، لكن ذلك لا يعني أن تاريخها ودورها ومقوماتها
يمكن محوها، أو أن الضغوط الخارجية ستجبرها بالضرورة على
التخلي عن استقلال قرارها.
إن الدفاع عن حق إيران في السيادة والاستقلال لا يعني تبرير
جميع سياساتها أو إنكار أخطائها الداخلية، بل يعني رفض
اختزال الصراع في أزمة معيشية، وتجاهل العوامل الخارجية
التي أسهمت في تعقيد أوضاعها الاقتصادية والسياسية.
خلاصة الاختلاف مع الكاتب.

إن حسن محمودي ينطلق من تدهور الاقتصاد الإيراني ليطرح
سؤال مستقبل النظام، بينما أرى أن فهم هذه الأزمة يقتضي البدء
من طبيعة الصراع الذي تخوضه إيران، ومن أسباب رفضها
الخضوع للهيمنة الأمريكية والإسرائيلية، ومن التحولات التي
شهدتها المنطقة، خصوصاً الوجود العسكري الأمريكي والتقارب
العربي الإسرائيلي.
فالمسألة ليست مجرد ارتفاع أسعار الغذاء أو تراجع قيمة العملة،
وإنما تتعلق أيضاً بدولة ترفض أن تكون تابعة، وبقوة إقليمية لا
تريد أن ترى الولايات المتحدة وإسرائيل تنفردان بتقرير مستقبل
المنطقة.
إن السؤال الذي ينبغي أن يطرح ليس فقط: متى تتحول الأزمة
الاقتصادية في إيران إلى أزمة حكم؟ بل أيضاً: هل تستطيع
الولايات المتحدة، مهما استخدمت من عقوبات وضغوط وحروب،
أن تفرض إرادتها على دولة ترفض الخضوع لهيمنتها؟.
ذلك هو جوهر الخلاف مع قراءة حسن محمودي للأزمة
الإيرانية.

المقالات تعبر عن راي كاتبها وليس بالضرورة تعبر عن راي صحيفة صوت العروبه

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب