فلسطين

حوش دار الخواجا في شويكة… ذاكرة المكان وشاهد على عراقة طولكرم

حوش دار الخواجا في شويكة… ذاكرة المكان وشاهد على عراقة طولكرم
إعداد وتقرير: المحامي علي أبو حبلة والأستاذ عبد البري
في قلب ضاحية شويكة شمال مدينة طولكرم، يقف حوش دار الخواجا شامخاً رغم تعاقب السنين، شاهداً على مرحلة مهمة من تاريخ فلسطين الاجتماعي والعمراني، ومعبراً عن هوية وطنية وتراثية متجذرة في المكان. فهو ليس مجرد بناء أثري، بل سجل حيّ يحفظ ذاكرة الأجيال، ويجسد نمط الحياة الفلسطينية التقليدية التي تميزت بالتكافل الأسري، والعمارة الأصيلة، والعلاقة الوثيقة بين الإنسان وأرضه.
قد تكون صورة ‏ستاري موست‏
ويحرص أبناء شويكة على التأكيد على ضرورة عدم الخلط بين حوش دار الخواجا في شويكة قضاء طولكرم وبين قصر أو قلعة الخواجا التاريخية في بلدة نعلين بمحافظة رام الله، فلكل منهما تاريخه وظروف نشأته وقيمته التراثية الخاصة، وإن جمعهما اسم العائلة.
معلم تراثي يعكس الهوية الفلسطينية
يمثل حوش دار الخواجا نموذجاً للعمارة الفلسطينية التقليدية التي انتشرت في مدن وقرى فلسطين خلال أواخر العهد العثماني وبدايات القرن العشرين، حيث شُيد بالحجر الفلسطيني، وتضم أبنيته ساحات داخلية وأقواساً حجرية وغرفاً متجاورة كانت تحتضن أفراد الأسرة الممتدة في صورة تجسد روح التضامن والتكافل الاجتماعي.
ولسنوات طويلة ظل الحوش مركزاً للحياة الاجتماعية في شويكة، حيث شهد مناسبات الأفراح والأتراح، واستقبل الضيوف وأبناء القرية، ليصبح جزءاً أصيلاً من الذاكرة الجماعية لأهالي المنطقة.
جهود لإحياء التراث
لا يتوفر وصف للصورة.
خلال السنوات الأخيرة، شهد الحوش جهوداً مجتمعية وفردية هدفت إلى إحيائه وصيانة ما تبقى من معالمه، إيماناً بأن الحفاظ على المباني التراثية هو حفاظ على الهوية الوطنية الفلسطينية في مواجهة محاولات طمس التاريخ والموروث الحضاري.
وأثبتت هذه المبادرات أن حماية التراث ليست مسؤولية المؤسسات الرسمية وحدها، بل هي مسؤولية وطنية يشارك فيها أبناء المجتمع والمؤرخون والباحثون والمهتمون بالثقافة الفلسطينية.
عائلة الخواجا… جذور ضاربة في تاريخ شويكة
تعد عائلة الخواجا من العائلات الفلسطينية المعروفة في شويكة، وترتبط بتاريخ البلدة منذ عقود طويلة، وتشير الروايات العائلية المتداولة إلى أن الجد المؤسس هو المرحوم أحمد عبده الخواجا.
وقد أنجب ستة من الأبناء والبنات، هم:
عبد الرحيم الخواجا (مواليد نحو 1895).
محمد الخواجا (مواليد نحو 1900).
فاطمة الخواجا (مواليد نحو 1905).
مسعودة الخواجا (مواليد نحو 1908).
عبد الكريم الخواجا (مواليد نحو 1910).
مصطفى الخواجا (مواليد نحو 1915).
ومن هؤلاء تفرعت أجيال عديدة انتشرت داخل فلسطين وخارجها، وأسهم أبناؤها في مختلف مجالات الحياة العلمية والاقتصادية والاجتماعية، مع احتفاظهم بعلاقتهم الوثيقة بمسقط رأسهم شويكة.
وتوثق الشجرة العائلية أسماء أبناء الجيل الثاني والثالث، بما يعكس أهمية التوثيق الأسري في حفظ التاريخ الاجتماعي للبلدة، ويشكل مرجعاً للأجيال القادمة في معرفة جذورها وامتدادها العائلي.
العمارة الفلسطينية… ذاكرة وطن
لا يتوفر وصف للصورة.
تكمن قيمة حوش دار الخواجا في أنه يمثل نموذجاً حياً للبيت الفلسطيني التقليدي، الذي لم يكن مجرد مسكن، بل مؤسسة اجتماعية متكاملة تجمع الأسرة الكبيرة تحت سقف واحد، وتعكس منظومة من القيم القائمة على التعاون والتكافل والاحترام.
وتتميز هذه المباني باستخدام الحجر الكلسي المحلي، والأقواس، والعقود، والساحات الداخلية، وهي عناصر معمارية منحت البيوت الفلسطينية جمالها وقدرتها على التكيف مع البيئة والمناخ.
حماية التراث مسؤولية وطنية
تؤكد المواثيق الدولية، وفي مقدمتها اتفاقية لاهاي لعام 1954 الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية، واتفاقية اليونسكو لعام 1972 بشأن حماية التراث الثقافي والطبيعي، أن صون المباني التاريخية يمثل واجباً وطنياً وإنسانياً، باعتبارها جزءاً من ذاكرة الشعوب وهويتها الحضارية.
لا يتوفر وصف للصورة.
ومن هذا المنطلق، فإن حوش دار الخواجا يستحق أن يحظى باهتمام أكبر من الجهات المختصة، عبر إدراجه ضمن برامج الحماية والترميم، وتوثيق تاريخه، وتشجيع المبادرات المجتمعية التي تسهم في الحفاظ عليه وتحويله إلى معلم ثقافي وسياحي يروي قصة شويكة وطولكرم للأجيال القادمة.
رسالة إلى الأجيال
قد تكون صورة ‏ستاري موست‏
إن الحفاظ على حوش دار الخواجا لا يقتصر على حماية مبنى أثري، بل هو حفاظ على ذاكرة وطن، وتاريخ عائلة، وهوية مدينة، وتراث شعب ما زال يتمسك بجذوره رغم كل التحديات.
فالمباني التراثية ليست حجارة صامتة، وإنما صفحات مفتوحة من التاريخ، تنطق بقصص الآباء والأجداد، وتؤكد أن فلسطين كانت وما زالت أرض حضارة وإنسان وثقافة، وأن تراثها سيبقى حياً في وجدان أبنائها جيلاً بعد جيل.
قد تكون صورة ‏نصب تذكاري‏

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب