مقالات

سوريا وتركيا في مرمى إسرائيل: لماذا تخشى تل أبيب

 

سوريا وتركيا في مرمى إسرائيل: لماذا تخشى تل أبيب

التقارب بين دمشق وأنقرة؟..

الأستاذ: علي او عمو.
كاتب من المغرب.

لم تكن الغارات الإسرائيلية التي استهدفت مطار أبو
الظهور العسكري في ريف إدلب مجرد عملية عسكرية
عابرة، ولا يمكن فصلها عن التحولات المتسارعة التي
تشهدها الساحة السورية. فخلف القنابل التي استهدفت
مدرجات المطار وحظائره، تبدو رسالة سياسية وأمنية
تتجاوز الموقع المستهدف نفسه: إسرائيل لا تريد أن
ترى سوريا تستعيد قدراتها العسكرية، ولا تريد في
الوقت ذاته أن تتحول تركيا إلى شريك أساسي في
إعادة بناء هذه القدرات.
الهجوم الإسرائيلي جاء في توقيت بالغ الحساسية، إذ
تتحدث تقارير عن تعاون سوري ـ تركي متنامٍ في
المجال العسكري، وعن اهتمام أنقرة بالمساهمة في

إعادة تأهيل القدرات العسكرية السورية. وقد أكدت
إسرائيل أن ضربتها جاءت لمنع ما قالت إنه استعداد
لنشر قوات تركية في القاعدة، بينما رفضت تركيا هذه
الاتهامات بشدة.
لكن السؤال الأهم هو: لماذا يثير التعاون السوري ـ
التركي كل هذا القلق في إسرائيل؟
إسرائيل تريد سوريا ضعيفة عسكرياً..
منذ التغيرات الكبرى التي شهدتها سوريا، تعاملت
إسرائيل مع الواقع الجديد بمنطق أمني واضح: يجب
ألا تسمح دمشق بإعادة بناء قوة عسكرية يمكن أن
تغير ميزان القوى على حدودها.
ولذلك فإن إعادة تأهيل المطارات العسكرية، وإعادة
بناء سلاح الجو، وتطوير قدرات الجيش السوري،
تمثل بالنسبة إلى إسرائيل تطوراً لا يمكن التعامل معه
باعتباره شأناً سورياً داخلياً.
وتشير تحليلات حديثة إلى أن الضربة على أبو الظهور
جاءت تحديداً في سياق منع إعادة بناء قدرات عسكرية
سورية ناشئة، خصوصاً إذا كانت هذه العملية تحظى
بدعم تركي.

وهنا تتضح خطورة المسألة من وجهة نظر إسرائيل:
سوريا التي خرجت من سنوات طويلة من الحرب وهي
منهكة عسكرياً ليست هي سوريا التي تريدها إسرائيل
في المستقبل.
إسرائيل تريد جارتها الشمالية دولة ضعيفة، محدودة
القدرات العسكرية، وغير قادرة على فرض معادلة
أمنية جديدة.
المشكلة الحقيقية: تركيا..
ربما يكون القلق الإسرائيلي الأكبر اليوم ليس من
دمشق وحدها، وإنما من دمشق عندما تحصل على
دعم أنقرة.
فتركيا دولة إقليمية كبرى، تمتلك جيشاً قوياً، وصناعة
دفاعية متقدمة، وحضوراً عسكرياً واسعاً في المنطقة.
وبالتالي فإن مساعدة تركيا لسوريا على إعادة بناء
مؤسساتها العسكرية يمكن أن تخلق واقعاً جديداً تماماً.
وهذا ما يجعل التقارب السوري ـ التركي مصدر قلق
متزايد في تل أبيب.

فإذا كانت إسرائيل قادرة على تدمير جزء كبير من
القدرات العسكرية السورية في الماضي، فإن إعادة
بناء تلك القدرات بدعم دولة بحجم تركيا تجعل عملية
الاحتواء أكثر صعوبة.
ولهذا لم يعد الصراع الإسرائيلي مع سوريا منفصلاً
عن التنافس الإسرائيلي ـ التركي على النفوذ في
الساحة السورية. وقد وصفت تحليلات حديثة ما يجري
بأنه انتقال للتنافس بين إسرائيل وتركيا في سوريا إلى
مرحلة أكثر وضوحاً.
نتنياهو يريد رسم «خطوط حمراء»..
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لا ينظر إلى
التطورات السورية من زاوية عسكرية فقط، بل من
زاوية سياسية أيضاً.
فهو يريد أن يقول لدمشق وأنقرة معاً إن هناك حدوداً
لن تسمح إسرائيل بتجاوزها.
إعادة بناء الجيش السوري خط أحمر.
إعادة تأهيل المطارات العسكرية خط أحمر.

الوجود العسكري التركي في مناطق معينة من سوريا
خط أحمر.
وأي ترتيبات أمنية سورية ـ تركية لا تأخذ المصالح
الإسرائيلية في الاعتبار ستواجه بالضغط والتهديد
وربما بالقوة العسكرية.
وقد أعلن نتنياهو بالفعل أن إسرائيل لن تقبل بوجود
عسكري تركي تعتبره تهديداً لها في سوريا، في مؤشر
واضح إلى أن أنقرة أصبحت جزءاً أساسياً من
الحسابات الأمنية الإسرائيلية.
وهل للانتخابات حساباتها؟..
لا يمكن تجاهل البعد السياسي الداخلي في حسابات
نتنياهو.
فعندما يقترب الاستحقاق الانتخابي، تصبح الملفات
الأمنية أكثر أهمية في الخطاب السياسي الإسرائيلي.
وفي هذه البيئة، يستطيع نتنياهو تقديم نفسه أمام
الناخب الإسرائيلي باعتباره القائد الذي «يحمي
إسرائيل» ويمنع ظهور أي تهديد جديد على حدودها.

وقد ربطت تحليلات سابقة بين تصعيد إسرائيل في
سوريا ومحاولات نتنياهو الضغط على الموقف
الأميركي، في سياق حسابات سياسية مرتبطة
بالانتخابات المقبلة.
وهنا يصبح الأمن والسياسة وجهين لعملة واحدة.
فكل ضربة عسكرية يمكن تقديمها للرأي العام
الإسرائيلي باعتبارها عملية استباقية لحماية الأمن
القومي، وكل تحذير من تركيا يمكن تحويله إلى رسالة
انتخابية مفادها أن الحكومة لن تسمح بقيام قوة إقليمية
جديدة بالقرب من الحدود الإسرائيلية.
إسرائيل أمام معادلة جديدة..
المشكلة بالنسبة إلى إسرائيل أن سوريا اليوم ليست
بالضرورة سوريا الأمس.
فإذا نجحت دمشق في إعادة بناء مؤسسات الدولة،
واستطاعت تطوير جيشها، وأقامت شراكة استراتيجية
مع تركيا، فإن معادلات القوة في المنطقة قد تتغير
تدريجياً.
وهذا تحديداً ما تخشاه إسرائيل.

فالمسألة لا تتعلق بمطار واحد، ولا بمدرجات أو حظائر
طائرات، وإنما بالسؤال الأكبر: من سيعيد بناء سوريا؟
ومن سيكون شريكها العسكري؟ ومن سيمتلك النفوذ
داخل مؤسساتها الأمنية والعسكرية؟
إذا كانت الإجابة هي تركيا، فإن إسرائيل ستجد نفسها
أمام واقع إقليمي مختلف.
الخوف من «سوريا الجديدة»..
إسرائيل لا تخشى فقط من عودة الجيش السوري إلى
قوته السابقة، بل ربما تخشى أكثر من قيام سوريا
جديدة تمتلك علاقات استراتيجية مختلفة.
سوريا التي تتعاون مع تركيا عسكرياً، وتنفتح على
محيطها العربي، وتعيد بناء مؤسساتها، وتستعيد جزءاً
من قدراتها الدفاعية، ستكون دولة أكثر استقلالاً في
قراراتها الأمنية.
وهذا بالضبط ما قد لا ترغب إسرائيل في رؤيته.
لذلك يمكن قراءة ضربة أبو الظهور باعتبارها رسالة
مزدوجة: رسالة إلى دمشق تقول إن إعادة بناء القوة
العسكرية السورية لن تكون سهلة، ورسالة إلى أنقرة

تقول إن إسرائيل لن تقبل بأن تتحول سوريا إلى مجال
نفوذ تركي عسكري واسع.
وفي النهاية، فإن أخطر ما في التطورات الحالية ليس
الغارة نفسها، وإنما احتمال تحول سوريا إلى ساحة
مواجهة غير مباشرة بين قوتين إقليميتين: تركيا
وإسرائيل.
وهنا قد تكون الضربة الإسرائيلية على مطار أبو
الظهور بداية مرحلة جديدة، عنوانها: من يملك القرار
العسكري في سوريا؟
فإذا كانت إسرائيل تحاول منع ولادة قوة سورية جديدة،
فإن تركيا تبدو مصممة على لعب دور أكبر في صياغة
مستقبل سوريا. وبين المشروعين، تقف دمشق أمام
اختبار تاريخي: هل تستطيع استعادة قرارها وسيادتها
وبناء جيشها من دون أن تتحول أراضيها مرة أخرى
إلى ساحة صراع بين القوى الإقليمية؟..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب