«سيداو» بين حقوق المرأة وخصوصية المجتمع الإسلامي.. لا لتسويق الاتفاقية على حساب المرجعية الدينية

«سيداو» بين حقوق المرأة وخصوصية المجتمع الإسلامي.. لا لتسويق الاتفاقية على حساب المرجعية الدينية
بقلم: المحامي علي أبوحبلة
لم يعد الجدل حول اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة «سيداو» مجرد نقاش قانوني أو حقوقي، بل أصبح في بعض المجتمعات العربية والإسلامية قضية تمس طبيعة التشريع والهوية الثقافية والاجتماعية، وتطرح سؤالاً مشروعاً: كيف يمكن حماية حقوق المرأة وتعزيز مكانتها من دون أن يتحول ذلك إلى مدخل لتجاهل المرجعية الدينية والقيم التي تقوم عليها المجتمعات؟
واللافت أن بعض الكتاب والأدباء والمثقفين باتوا يروّجون للاتفاقية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، باعتبارها الإطار الأمثل لتحقيق حقوق المرأة، في حين أن هذا الطرح يحتاج إلى قدر أكبر من التدقيق والموضوعية؛ لأن الإسلام كان سبّاقاً في إقرار حقوق المرأة وصون كرامتها الإنسانية والاجتماعية والمالية، قبل ظهور المواثيق والاتفاقيات الدولية بقرون طويلة.
فالإسلام لم ينظر إلى المرأة باعتبارها كائناً تابعاً بلا حقوق، وإنما أقر لها حق التملك والإرث والمهر والاختيار في إطار الأحكام الشرعية، وحفظ لها كرامتها وذمتها المالية، وأرسى مبادئ المسؤولية والعدالة داخل الأسرة والمجتمع. ومن الخطأ اختزال حقوق المرأة في مفهوم غربي أو دولي واحد، وكأن المجتمعات الإسلامية لم تعرف للمرأة حقوقاً إلا مع ظهور الاتفاقيات الدولية الحديثة.
وفي المقابل، فإن من الضروري أيضاً التعامل مع «سيداو» بعيداً عن المنشورات غير الدقيقة التي تنسب إلى الاتفاقية أحكاماً ليست واردة فيها حرفياً. فالجدل الحقيقي ينبغي أن ينصب على المواد والتفسيرات والالتزامات التي قد تتعارض مع بعض أحكام الشريعة أو القوانين الوطنية، وليس على معلومات غير موثقة.
وهنا تبرز أهمية التحفظات التي أبدتها دول عربية وإسلامية عند الانضمام إلى الاتفاقية. فالمملكة العربية السعودية، على سبيل المثال، صادقت على «سيداو» عام 2000 مع تحفظ عام يتعلق بعدم الالتزام بأي حكم يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية، إلى جانب تحفظ يتعلق بحقوق الجنسية للأطفال. وهذا يؤكد أن مسألة المواءمة بين الالتزامات الدولية والخصوصية الدينية والتشريعية ليست قضية هامشية، بل مسألة قانونية قائمة ومعلنة.
ومن ثم، فإن الترويج للاتفاقية باعتبارها معياراً وحيداً أو نهائياً لتحرير المرأة يحتاج إلى مراجعة. حقوق المرأة ليست حكراً على اتفاقية دولية، والعدالة لا تبدأ من «سيداو» ولا تنتهي عندها. كما أن الدفاع عن حقوق المرأة لا يعني بالضرورة تبني كل تفسير أو كل التزام ناشئ عن الاتفاقية.
إن المطلوب من الكتاب والأدباء والمثقفين الذين يتناولون هذه القضية أن يتحملوا مسؤوليتهم الفكرية، وأن يقدموا للقراء صورة متوازنة عن الاتفاقية، وأن يميزوا بين ما تنص عليه فعلاً وما يُنسب إليها في الخطاب الإعلامي، وأن يدركوا أن المجتمعات العربية والإسلامية لها منظومة قيم وتشريعات ومرجعيات لا يمكن تجاوزها تحت شعار حقوق الإنسان أو تمكين المرأة.
وفي المقابل، فإن رفض بعض أحكام «سيداو» أو التحفظ عليها لا ينبغي أن يتحول إلى رفض لحقوق المرأة أو تبرير لأي ممارسة مجحفة بحقها. الإسلام لا يبرر الظلم، ولا يمنح أحداً حصانة من المساءلة، والمرأة ليست مطالبة بالاختيار بين كرامتها ودينها.
المطلوب هو حماية المرأة من العنف والتمييز والاستغلال والحرمان من حقوقها المشروعة، وتطوير القوانين بما يحقق العدالة، مع الحفاظ على المرجعية الدينية والخصوصية الثقافية للمجتمع.
إن القضية ليست معركة بين الرجل والمرأة، ولا بين الشرق والغرب، وإنما هي معركة من أجل العدالة والكرامة والإنصاف. وإذا كان العالم قد طور منظوماته القانونية لحماية حقوق الإنسان، فإن ذلك لا يعني أن المجتمعات الإسلامية مطالبة بالتخلي عن منظومتها القيمية أو إعادة تعريف حقوق المرأة بعيداً عن تعاليم دينها.
فالمرأة المسلمة لا تحتاج إلى أن تتخلى عن دينها حتى تحصل على حقوقها، ولا تحتاج إلى استيراد كرامتها من اتفاقية دولية؛ فالكرامة الإنسانية أصل ثابت، والإسلام كان من أوائل من أقر للمرأة حقوقاً واضحة وحماها من صور الظلم والامتهان.
والحل ليس في التسويق الأعمى لـ«سيداو»، ولا في رفض كل ما يأتي من خارج منظومتنا، وإنما في قراءة قانونية دقيقة، وحوار مجتمعي مسؤول، وتشريعات وطنية تحقق العدالة للمرأة وتحمي الأسرة وتحترم في الوقت ذاته أحكام الشريعة والدستور والهوية الثقافية للمجتمع.



