لماذا لا ترد تركيا على إسرائيل في سوريا؟

لماذا لا ترد تركيا على إسرائيل في سوريا؟
بعد الانهيار السريع للنظام السوري السابق نهاية العام 2024، ساد تخبط تل أبيب في تلك الأيام. ومَكمن هذا التخبط، إضافةً إلى سُرعة التطورات المفاجئة التي شهدتها جبهتها الشمالية في حينها، عدم اليقين تجاه الوافد الجديد إلى دمشق، والقلق من تمدد داعمه التركي.
استدعى الهجوم الإسرائيلي على مطار أبو الظهور العسكري السوري في الريف الشرقي لمحافظة إدلب، الواقعة في الشمال الغربي لسوريا، والبعيد عشرات الكيلومترات فقط عن الحدود السورية – التركية، أسئلة عن احتمال حصول احتكاك أو صدام عسكري مباشر بين إسرائيل وتركيا، فوق الأراضي السورية.
فإسرائيل لم تخفِ هدفها من الهجوم، إذ أعلنت صراحةً أنها شنته لمنع انتشار عسكري تركي فيه. صحيح أنه ليس الهجوم الأول الذي تشنه تل أبيب بذريعة مشابهة. لكن قُرب الموقع المستهدف من الحدود التركية (حوالى 70 كلم)، ووقوع الهجوم وسط توتر سياسي وتبادل للاتهامات على أعلى مستويات بين الجانبين، عزّز من التداول في سيناريو الصدام المباشر، الذي طُرح في مرحلة مبكرة من سقوط النظام السابق.
وقد عبّر عن ذلك صراحة السفير الأميركي في أنقرة والمبعوث الخاص إلى سوريا، توم باراك، في قوله لصحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية، إن الضربة «حملت خطراً حقيقياً بالتصعيد السريع إلى مواجهة عسكرية مباشرة بين إسرائيل وتركيا، وكذلك سوريا».
في المقابل، نفت وزارة الدفاع التركية الاتهامات الإسرائيلية، مؤكدةً أنه لم يكن لديها خلال أو قبل الهجوم الإسرائيلي أي تواجد عسكري في الموقع المستهدف. أمّا وزير الخارجية السورية أسعد الشيباني، فأقرّ بزيارة ضباط أتراك للقاعدة المستهدفة قبل أيام من الضربة الإسرائيلية. غير أنه وضع زيارتهم في إطار «التعاون العسكري المستمر في مجالي التدريب وتبادل الخبرات»، مؤكداً بالتوازي أنه «لم تكن هناك أي نية لإنشاء قاعدة تركية هناك، أو لإقامة وجود عسكري تركي دائم، أو لنشر قوات تركية في الموقع».
ماذا تريد إسرائيل؟
بعد الانهيار السريع للنظام السوري السابق نهاية العام 2024، كشفت مئات الغارات الجوية التي شنتها إسرائيل على الأصول العسكرية السورية، واحتلالها المنطقة العازلة، التي حددها اتفاق فض الاشتباك في العام 1974، التخبط الذي ساد تل أبيب في تلك الأيام. ومَكمن هذا التخبط، إضافةً إلى سُرعة التطورات المفاجئة التي شهدتها جبهتها الشمالية في حينها، عدم اليقين تجاه الوافد الجديد إلى دمشق، والقلق من تمدد داعمه التركي عسكرياً باتجاهها.
ولذا، عملت على محاولة منع النظام الجديد من الاستقرار وتثبيت دعائمه، عبر فرضها واقعاً أمنياً جديداً في الجنوب، وتحريضها أصحاب النزعات الانفصالية في الجنوب والشرق والشمال الشرقي، إضافةً إلى استمرارها في ضرب القواعد العسكرية، التي تعتقد أن أنقرة تريد الانتشار عسكرياً فيها. وضمن هذا السياق، حصل الهجوم في بدايات العام 2025 على مطار T4 العسكري في محافظة حمص وسط سوريا.
غير أن الدعم الأميركي الواسع للنظام الجديد حدّ من هامش المناورة لدى تل أبيب. لكنه عجز حتى الآن عن تأمين الوصول إلى اتفاقية أمنية بين إسرائيل وسوريا، ولا سيما مع إصرار دمشق على العودة إلى واقع ما قبل سقوط النظام السابق، في مقابل سعي تل أبيب إلى استغلال ضعف النظام الجديد والواقع الأمني الذي فرضته في الجنوب، لانتزاع أكبر قدر من المكتسبات السياسية.
دمشق – أنقرة: رهان على الوقت
في المقابل، استفادت دمشق – ومن خلفها تركيا – من الدعم والغطاء الأميركيين، لتقليل قدرة تل أبيب على الإيذاء قدر الإمكان، ريثما تنتهي من أولوياتها. وهي فرض سلطتها على كامل التراب السوري، واكتساب الشرعية الخارجية، بالتوازي مع إعادة بناء المؤسستين العسكرية والأمنية.
أما أنقرة، فكانت تعمل على مسارين متوازيين، الأول إقفال ملف «قوات سوريا الديمقراطية» بشكل أساسي، والثاني تثبيت دعائم النظام الجديد، على كل الأصعدة.
وبما أن الهجمات الإسرائيلية هدفها منع هذه الأهداف من التحقق، فضلت دمشق وأنقرة امتصاصها، بدلاً من الرد عليها، والانخراط في مواجهة مباشرة معها، لن تكون في صالح النظام الجديد حتماً.
ويبدو أن العاصمتين الحليفتين تعتقدان أن الوقت في صالحهما. بمعنى أنه كلما ثبت النظام الجديد حكمه، ورسخ من بنيته العسكرية والأمنية، كلما بات قادراً على مواجهة التحدي الإسرائيلي، من موقع أفضل.
وسيقرب من هذه النتيجة، بالنسبة لدمشق وأنقرة، التغيير السياسي في الداخل الإسرائيلي، الذي قد يحصل في الانتخابات التشريعية المقررة في تشرين الأول المقبل.
ومن هذه الزاوية تحديداً، نظرت أنقرة إلى الهجوم الإسرائيلي، إذ قال رئيس دائرة الاتصال في الرئاسة التركية، برهان الدين دوران، إن «(رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين) نتنياهو يرى أن العداء لتركيا يشكّل طوق نجاة سياسي له قبيل الانتخابات (التشريعية)»، مضيفاً: «نحن نتمتع من الخبرة بما يكفي كي لا نقع في فخ مخططات لاعبين هامشيين مثل نتنياهو».
وكان الهجوم الإسرائيلي قد استدعى انتقادات من داخل إسرائيل، أبرزها من رئيس الحكومة الأسبق، إيهود باراك، الذي وصف «تصعيد نتنياهو المتعمد للتوتر مع تركيا» بـ«المتهور والأحمق»، مشيراً إلى وجود «دافع سياسي» وراءه. كما وصف رئيس حزب الديمقراطيين الإسرائيلي، يائير غولان، الهجوم على سوريا بـ«خطوة متعجرفة وخطيرة، تُقرّبنا من المواجهة مع تركيا وتُعمّق الشرخ مع حلفائنا، وعلى رأسهم الولايات المتحدة»، لافتاً إلى أن «نتنياهو يُثبت مجدداً أنه شخصية متطرفة وغير جديرة بالثقة».
في ضوء كل ذلك، لا يبدو سيناريو ردّ أنقرة على الاستفزازات الإسرائيلية واقعياً، في المرحلة الحالية على الأقل، طالما أن تل أبيب لا تستهدف مباشرةً أصولاً تركية على الأراضي السورية. وإلا ستجد أنقرة نفسها مجبرة على الرد. وفي حال وقع هذا الصدام، بشكل ما، يرجح أن تسارع واشنطن إلى احتوائه فوراً، لما له من تبعات مباشرة على مصالحها في المنطقة.





