مقالات

منفى القلم: قصة أكاديمي عربي تحول من مدرجات الجامعة إلى معارك الصحافة في أوروبا..

منفى القلم: قصة أكاديمي عربي تحول من مدرجات الجامعة إلى معارك
الصحافة في أوروبا..

الأستاذ: علي او عمو.

كاتب من المغرب.

في قلب إحدى العواصم الأوروبية النابضة بالحياة، يجلس دكتور
"أحمد" في مقهى هادئ، يراقب المارة وعيناه تحلقان بعيداً وراء
البحار. أحمد ليس مجرد مغترب عادٍ جاء بحثاً عن دنيا يصيبها، بل هو
تجسيد لرحلة معقدة من العلم، والسياسة، والاغتراب القسري.
بدأت حكاية أحمد من بلده العربي، حيث ولد ونشأ وشبّ على حب
المعرفة. ولأن طموحه الأكاديمي لم تكن تحده حدود، شدّ الرحال في
شبابه نحو قُطر عربي آخر، قضى فيه سنوات من عمره بين أروقة
المكتبات ومدرجات الجامعات، باحثاً ومحللاً، حتى توّج مسيرته

بالحصول على أعلى الشواهد الأكاديمية بتفوق وعزيمة أثارت إعجاب
أقرانه وأساتذته.
بشهاداته الرفيعة وفكره المتوقد، انتقل أحمد إلى العاصمة الأوروبية
التي يقطنها اليوم. لم يكن الانتقال مجرد تغيير للجغرافيا، بل كان تحولاً
جذرياً في مسار حياته؛ حيث تمكن بفضل كفاءته العالية من تأمين
وظيفة مرموقة تليق بمستواه الأكاديمي.
لكن، ومقابل هذا النجاح المهني، كان هناك ثمن باهظ يدفعه أحمد في
الخفاء. لم يكن قلم أحمد يهدأ، ولم يكن عقله لينفصل عن قضايا أمته
وشعبه. بدأ يكتب مقالات رأي وتحليلات سياسية في كبريات الصحف
والجرائد العربية التي تتخذ من تلك العاصمة الأوروبية مقراً لها. في
كتاباته، لم يداهن ولم يجامل؛ بل ركز مبضعه على الجرح، مخصصاً
معظم مقالاته لانتقاد السياسات العربية، وتشريح آليات الحكم، وغياب
الحريات، وسوء تدبير الثروات في المنطقة.
هذه الشجاعة الفكرية وتلك الكلمات اللاذعة لم تمر مرور الكرام.
فبسبب مواقفه السياسية الصريحة وكتاباته المستمرة، واجه أحمد
القرار الأصعب؛ حيث مُنع من العودة إلى بلده لأسباب سياسية. واليوم،
يعيش أحمد وهو يحمل قناعة راسخة ويقينًا تامًا بأن عودته إلى مسقط
رأسه باتت أمرًا مستحيلاً في ظل الظروف الراهنة التي يمر بها وطنه.
تحولت تذكرة السفر إلى حلم مؤجل، وأصبح جواز سفره وثيقة معطلة
عن تحقيق رغبته في معانقة أهله.
يعيش أحمد اليوم مفارقة الوجود في المَنفى؛ يملك الحرية الكاملة في
التعبير والكتابة، ويحظى باحترام قارئيه ونخبة المجتمع، لكنه يعيش
غصّة الاغتراب المفروض. ومع ذلك، يُصرّ أحمد على أن القلم الذي
تسبب في نفيه هو نفسه الجسر الذي يبقيه حياً ومتصلاً بجذوره، مؤمناً

بأن الكلمة الحرة، وإن طال غياب صاحبها، ستجد يوماً طريقها إلى
التغيير.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب