مقالات

من غزّة إلى سبتة: مناهج فزاعات التخويف

من غزّة إلى سبتة: مناهج فزاعات التخويف

صبحي حديدي

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

لم يتأخر الوقت قبل أن تنقضّ مجموعات اليمين القومي المتطرف في أوروبا على واقعة تدفق عشرات الآلاف من المغاربة إلى مدينة سبتة، سباحة، من باب الطموح إلى حيازة تصاريح إقامة وعمل في إسبانيا، بموجب قرار صدر عن المحكمة العليا الإسبانية وقضى بمنع طرد المهاجرين الذين يدخلون إلى سبتة ومليلية عبر البحر.
ومن إسبانيا ذاتها، إلى إيطاليا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، أو حيثما امتلك اليمين المتطرف منبراً برلمانياً أو منصة إعلامية في سائر أوروبا، تشكلت جوقة متكاملة موحدة تعزف على الوتر الواحد إياه، الكفيل بتغذية المخاوف وتأجيج الأحقاد: الغزو الإسلامي، الآتي من الجنوب! ولا عجب أنّ الصوت الأردأ في الجوقة، والأعلى مزجاً بين النشاز والسطحية والابتذال واستغفال العقول، كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب؛ الذي لم يشفِ غليله أن أطلق على الواقعة صفة «الاجتياح»، بل تقصد ربطها بالمشهد السياسي والحزبي والانتخابي الداخلي في الولايات المتحدة، فاعتبر أنه «سيحصل لنا الشيء نفسه إذا لم يُنتخب الجمهوريون، بل سيكون أسوأ وأوسع نطاقاً».
أمّا الأشدّ انحطاطاً، والأدنى ابتذالاً، والأيسر افتضاحاً، فقد صدر عن دولة الاحتلال الإسرائيلي، التي سارع مندوبها الدائم لدى الأمم المتحدة إلى تحميل الحكومة الإسبانية مسؤولية الإبقاء على «جيوب استعمارية» في سبتة ومليلية؛ وكأنّ الاحتلالات الإسرائيلية في الضفة الغربية وقطاع غزّة والقدس، فضلاً عن فلسطين التاريخية بأكملها، ليست أسوأ ما حفظ التاريخ من نماذج الاستعمار والاستيطان والتمييز العنصري والإبادة الجماعية وتدمير الزرع والحجر أسوة بالبشر والطبيعة والاقتصاد والمسكن.
الاحتلال الإسرائيلي ينقضّ اليوم على فرصة بدت سانحة، له في استغلالها مآرب تتجاوز بكثير ما تنطوي عليه أجندات اليمين المتطرف في أوروبا والولايات المتحدة، وليس جديداً أنّ بعض طرائقها القديمة تتجدد اليوم وتتكشف؛ فتُستذكَر تصريحات إسرائيلية سابقة حول التحريض على العنف والتأزيم في سبتة ومليلية. وليس خافياً أنّ قسطاً غير ضئيل من هذا النهج يتقصد معاقبة الحكومة الإسبانية الراهنة على مواقفها المساندة لحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة، وإدانتها الصريحة لجرائم الحرب الإبادية التي تواصل دولة الاحتلال ارتكابها في قطاع غزّة، وفي عموم فلسطين من النهر إلى البحر.
وإذا كانت سبتة ومليلية أرض مغربية محتلة وتحت السيطرة الإسبانية منذ سنة 1580، فإنها تخضع لإجراءات خاصة مختلفة عن سائر مناطق الاتحاد الأوروبي المنتظمة تحت اتفاقية شينغن التي تنظّم العبور والتنقل؛ والضجة الراهنة، كما تبلغ ذروتها في مطالبة إيطاليا مثلاً بفصل إسبانيا عن نطاق شينغن، ليست أقلّ من تجييش مفتعل يستهدف تطويع خيارات مدريد في مسائل السياسة الخارجية وتدابير الهجرة. وإذا كان 57 من المغاربة العابرين إلى سبتة قد دفعوا حياتهم ثمناً لهذه المغامرة، حتى الساعة وريثما تتضح معطيات أخرى، فإن أكثر من 80% عادوا طواعية إلى بلدهم ومن دون إكراه في معظم الحالات؛ الأمر الذي يُسقط تماماً فرضية «الاجتياح» التي سارع ترامب وأمثاله إلى رفعها فزّاعة جديدة ضدّ اللاجئين.
والحال أنّ مناخات الاستعداء الراهنة ضدّ إسبانيا تعيد التذكير بتنظيرات برنارد لويس، «بطريرك الاستشراق» دون سواه، الذي حذّر من أنّ «أوروبا ستكون جزءاً من المغرب العربي»، وليس العكس؛ وذلك لأنّ «التوجهات الحالية تُظهر أنّ أوروبا ستشهد أغلبية مسلمة في نهاية القرن الواحد والعشرين على أقصى تقدير». إذْ فضلاً عن الأعداد المتزايدة من المهاجرين العرب والمسلمين، فإنّ الأوروبيين يتأخرون في سنّ الزواج ولا ينجبون سوى عدد قليل من الأطفال، بعكس مسلمي أوروبا الذين يتزوجون في سنّ مبكرة وينجبون عدداً أكبر من الأطفال.
ومن غزّة إلى سبتة، وبالعكس، أو حيثما توفرت فرصة للخداع والتضليل واستغفال للعقول؛ ليس أسهل من افتضاح الأكاذيب، وانهيار فزاعات التخويف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب