مقالات

الثورة الفرنسية والحركات الاحتجاجية العربية بقلم الدكتور  يوسف مكي

بقلم الدكتور  يوسف مكي

الثورة الفرنسية والحركات الاحتجاجية العربية
بقلم الدكتور  يوسف مكي
بعد اندلاع، الحركات الاحتجاجية في أواخر عام 2010، في تونس وليبيا ومصر وسوريا، ومناطق أخرى من الوطن العربي، شبه كثيرون ما جرى من تداعيات، إثر تلك الأحداث بالثورة الفرنسية. وجرت مقاربة، بين بعض قادتها، بالخطيب المفوه للثورة الفرنسية روبوسبير، المعبر في حينه، عن موقف اليسار الفرنسي.
ومرة أخرى، أعيد الحديث، بذات التوصيف، بعد مغادرة الرئيس السوري، بشار الأسد في رحلته النهائية إلى موسكو. فهل هناك فعلا تشابه بين ما جرى بنهاية عام 2010 و2024، وبين الثورة الفرنسية.
نهتم هنا بتوصيف ما جرى، وقراءته، دون أخذ موقف منه، ومن غير الدخول في تفاصيل مكثفة، لتلك الأحداث، واضعين ذلك في إطار التحولات الاجتماعية والسياسية، التي نتجت عن الثورة الصناعية الأولى، وتأثيراتها على القارة الأوروبية بأسرها.
أخذت الثورة الصناعية الأولى مكانها، بعد دخول الميكانيكا، قوة محركة في صناعة النسيج، عام 1760. وبذلك أصبحت بريطانيا قوة صناعية واقتصادية عظمى، استبدلت السفن الشراعية، بسفن تعمل بالمحرك البخاري، لنقل المنتجات القطنية للخارج. ولتسهيل ذلك تمت صناعة السكك الحديدية، التي تعمل بالفحم الحجري.
لم يحدث هذا التطور، من فراغ، فقد سبقته، مراحل تبشيرية دينية وفكرية واسعة، أدت لتحولات في المعتقدات الدينية، قادها القس، مارتن لوثر في ألمانيا، وجون كالفن في فرنسا، نتج عنها بروز المذهب البروتستانتي، الذي وصف من قبل ماكس فيبر، بالعقل القانوني. وقد هيأت تلك الأحداث لقيام ثورة المتطهرين في انجلترا، بقيادة أوليفر كرومويل عام 1651.
جرى تأثير الثورة الصناعية بالقارة الأوروبية، بأقصى سرعة. واتضح أن فرنسا، من أكثر المتأثرين بتلك الثورة. وتعهدت فرنسا، بإنتاج الأفكار، التي بشرت بالتحولات السياسية والاجتماعية المنتظرة.
اندلعت الثورة الفرنسية في آذار/ مارس 1789، وتواصلت الاضطرابات حتى 1799، إلى أن استولى نابليون بونابرت على السلطة، في ذلك العام. ومع بونابرت، تواصلت الثورة بأشكال مختلفة، الأبرز بينها الثورتين الإدارية والقضائية، اللتين تركت أثارهما على إدارة المكاتب الحكومية في العالم بأسره.
اندلاع الثورة الفرنسية 1789، حدث هام وكبير، في التاريخ الإنساني، شكل نقطة البداية، لنشوء النظام التعاقدي، حيث الناس يولدون أحرارا، متساوون أمام القانون، في الحقوق والواجبات. وقد عبر قيام هذه الثورة، عن هزيمة ماحقة للإقطاع، وبروز النظام البورجوازي، الذي باتت مبادئه، تشكل عناصر هامة لمعظم التحولات الاجتماعية التي أخذت مكانها في العالم.
ولم يكن بعيدا عن القراءة الموضوعية، أن تصنف ثيدا سكوكبل، في كتابها، الثورات الاجتماعية، تلك الثورة، كواحدة من ثلاث ثورات كبرى، في التاريخ الإنساني، بالإضافة إلى الثورتين، الروسية، والثورة الصينية. الأولى مثلت مصالح البرورجوازية، والثانية، مصالح العمال، والأخيرة، مصالح الفلاحين.
وسواء اتفقنا مع هذه الرؤية للثورات الإنسانية الكبرى أم لم نتفق، فإن ذلك لا ينفي أن من نفذوها طرحوا تلك المبادئ، وصاغوا برامجهم على ضوئها. وقد تركت تلك الثورات تأثيراتها على مصير البشرية، حتى يومنا هذا.
فالثورة الفرنسية، لم تكن مجرد تحول سياسي أو اجتماعي، بل كانت كما أشرنا ثورة في الإدارة، تركت بصماتها، على البناء البيروقراطي لأجهزة السلطة، في جميع الدول. ولم يكن الوطن العربي استثناء، في ذلك. يكفي القول، إن أول مطبعة أنشأت في مصر، هي من نتائج الغزو الفرنسي لأرض الكنانة. وبالمثل، نقلت مصر التجربة الفرنسية، في إدارة المكاتب الحكومية.
والأهم أن الثورات الأوروبية الكبرى، لم تحدث من فراغ، بل صنعتها أفكار، سبقتها، وتطورت بعد حدوثها، وأنتجها مفكرون أوروبيون، مؤدية لصياغة نظريات سياسية، لا تزال تدرس في الجامعات والمعاهد.
فقد أصدر العالم الإنجليزي، هوبز كتابه لوياثان عام 1651، والذي كان ضمن أساسيات الفلسفة السياسية الغربية في حينه، من منظور العقد الاجتماعي. وبعد قرابة أربعة عقود من الزمن، عام 1690 صدر للكاتب الإنجليزي، جان لوك كتاب اتفاقيتان، دعا فيه إلى مشاركة الجمهور في صنع القرار السياسي، كما صدر كتاب الفيلسوف الفرنسي، شارل مونتسكيو، عام 1748 روح القانون، الذي طالب بالفصل بين السلطات، وألهم كتابه صناع القرار بالدول الأوروبية، والولايات المتحدة في صياغة دساتير بلدانهم. وقريبا من التاريخ ذاته، أصدر جان جاك روسو، عام 1762، كتابه العقد الاجتماعي، الذي يعتبر حجر الزاوية بالفكر السياسي والاجتماعي الحديث.
وكان الأديبان فولتير، وفيكتور هيجو، قد واصلا تدعيم ثورات عصرهم، بإبداعاتهما في مجال الأدب، وتحريضهما على الإصلاح السياسي، الأول من خلال الشعر والمسرح، والآخر، من خلال رواياته الشهيرة، البؤساء وأحدب نوتردام، وعدد آخر من الروايات، التي صنفت ضمن أفضل ما أنتجه الأدب الرومانسي.
في الوطن العربي، بدأ عصر التنوير العربي غضا، منذ منتصف القرن التاسع عشر، وأسهم في الانفتاح على الفكر الإنساني العالمي، وتم ترجمة أهم الكتب السياسية والأدبية العالمية، بما في ذلك الأساطير الإغريقية، وقد هيأت تلك المقدمات لمنازلة الاستبداد العثماني. لكن اصطدام حركة التنوير بنتائج الحرب العالمية الأولى، وبشكل خاص اتفاقية سايكس- بيكو قد لجمت مسيرة حركة التنوير. ولا شك أن ضعف التشكيلات الاجتماعية، كان له دور كبير في تلك النتائج.
فهل يصح بعد هذه القراءة، مقاربة ظروف ما جرى من حركات احتجاجية بالوطن العربي، بالثورات الأوروبية، وبشكل خاص الثورة الفرنسية، والتطورات الاجتماعية التي مهدت لها؟!.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Thumbnails managed by ThumbPress

جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب