إسرائيل تحارب بعيون مغمضة: الأولوية لإضعاف «الأعداء»… لا مهادنتهم

إسرائيل تحارب بعيون مغمضة: الأولوية لإضعاف «الأعداء»… لا مهادنتهم
تُدير إسرائيل صراعها مع «الأعداء» بلا رؤية استراتيجية، متمسّكة بالردع والعنف كوسيلة دائمة، ما يُبقي المنطقة رهينة حروب مفتوحة بلا أفق سياسي.

لم تكن عملية «طوفان الأقصى»، في السابع من أكتوبر 2023، مجرّد ضربة عسكرية مفاجئة تلقّتها إسرائيل، بل مثّلت صدمة إستراتيجية عميقة هزّت جذور المنظومة الأمنية الإسرائيلية، ووضعت أمام صانعي القرار في تل أبيب حقائق لا يمكن إنكارها، أهمّها أنّ الاعتماد على الردع عبر القوّة العسكرية والاستخبارات والضربات الموجعة، ليس كافياً لضمان الأمن.
مع ذلك، لم تؤدِّ هذه الحقيقة إلى إعادة تعريف شاملة للإستراتيجيّات الإسرائيلية، بل أفضت إلى تعميق الانحياز إلى هذه الأخيرة، تحت ضغوط سياسية داخلية وحسابات أيديولوجية، وغياب كامل لقراءة الحوافز والدوافع الحقيقية لدى الخصوم والأعداء، سواء في غزة أو في لبنان أو إيران. ومن هنا، فإنّ ما تشهده المنطقة، اليوم، يبدو أقرب إلى حروب بلا نهاية، تُدار بمنطق ردّ الفعل، وتعتمد على إلحاق الأذى بالآخر كهدف بذاته، وليس كوسيلة لتحقيق تسوية إستراتيجية ومخارج مستدامة.
ما كان متبنّى من جانب إسرائيل، على مدى عقود، هو إستراتيجية الردع التي تفترض أنّ الخصم يتحرّك بدافع الخوف فقط؛ وهكذا، كلّما تعاظم الخوف، أمكن السيطرة على الخصم. وقامت الإستراتيجية المذكورة على أنه بإمكان الضربات العسكرية المتكرّرة، وكذلك التهديد الجادّ بها، أن يضعف إرادة الخصوم ويمنعهم من التحرّك، بمعزل عن الوسائل القتالية المتوفّرة في حوزتهم. وقد كان التركيز موجّهاً في اتجاهَين اثنَين: منْع تنامي القدرة المادية التي تُعدّ واحداً من أهمّ مكوّنات التهديد؛ والحيلولة دون إخراج النيّات العدائية إلى حيّز التنفيذ.
لكن «طوفان الأقصى» أثّر إيجاباً في اتّجاه دون آخر: أي عزّز العمل على إضعاف إمكانيات الأعداء، بغضّ النظر عن نيّاتهم وخططهم. ويعني ما تقدّم، أنّ إسرائيل باتت تركّز على إزالة الخطر المتمثّل بالوسائل القتالية، والتزوّد بها، وتصنيعها والعمل على تشغيلها، والسيطرة الجغرافية التي تحول دون تفعيل ناجع لها، وذلك عبر الضربات الجوية والتوغّلات والعمليات الأمنية الوقائية والاستباقية، وتجفيف مصادر التمويل، في مقابل تجاهل شبه تامّ ومتعمّد للإرادات والدوافع الحقيقية التي تَحكم الخصوم والأعداء.
التركيز على إلحاق الأذى، والانحياز الكامل إلى الحلول العسكرية، يُفقِد تل أبيب القدرة على التخطيط لمستقبل أمنها الحقيقي
وهكذا، فإنّ التركيز الحالي ليس على إنهاء التهديد، عبر العمل على تغيير العدو ومهادنته والتوصّل إلى تسويات معه، بل على إدارة حرب مستمرّة في مواجهته، تبقيه في تموضع دفاعي بعيداً من التفكير في تشكيل قدرة مادّية يتمكّن عبرها من إيذاء إسرائيل. وممّا ساعد في ذلك، أولويات سياسية داخلية، خصوصاً لدى رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، الذي يبدو أنه يستخدم الحرب كأداة للبقاء السياسي، من دون أن يكون هذا البقاء سبباً رئيساً وكافياً بنفسه لإدامة الحرب.
والنتيجة، إنّ الحرب على غزة لا تنتهي، والتصعيد مع الساحة اللبنانية يتواصل بلا انقطاع، والمواجهة مع إيران مرشحة للتّجدّد، في حين أنّ الساحات الأخرى تبقى من دون حلول بسبب ارتباطها عضويّاً بالساحات الحليفة. ويُظهر هذا الواقع كيف تحوّلت الحروب والمواجهات إلى مشروع مفتوح بلا أهداف واضحة، يدار بمنطق الانتقام وليس التخطيط، وبغياب أيّ رؤية إستراتيجية بعيدة المدى.
أمّا العامل الأميركي، فلا يسهم في دفع الأمور نحو حلول سياسية، بل يعزّز التمسّك بالخيار العسكري. فالرئيس دونالد ترامب، كما ظهر من تصريحاته المتضاربة وأفعاله ميدانيّاً، لا يقدّم نفسه كوسيط محايد، بل كلاعب سياسي يبحث عن مكاسب آنية، سواء عبر الضغط على إسرائيل للقبول بصفقة مؤقتة، أو عبر استخدام الصفقة كورقة داخلية وكمعبر لتحسين صورة اقتداره داخليّاً وخارجيّاً. وهذا ما يبقي إسرائيل في دائرة العنف، بلا بوصلة ولا أفق واضح، وبلا قدرة على التخطيط لمستقبل أمنها الحقيقي.
وفي هذا الإطار، تبيّن تحليلات لخبراء وأكاديميين أنه لا سياسات جديدة يعمل عليها، فيما «تعزّز تداعيات الفشل، الفشل نفسه، وتدفع إلى مزيد من التهديدات». ويعني ذلك، أنّ إسرائيل ستظلّ تدور في فلك السياسات عينها التي أدّت إلى عملية «طوفان الأقصى»، رغم أنّ الوضع الإقليمي يزداد تعقيداً، وقد يكون أكثر خطورة عليها على المديَين المتوسط والبعيد.
والخلاصة، هي إنّ إسرائيل، وبدلاً من أن تستفيد من الصدمة لتغيير طريقتها في إدارة الصراع، اختارت التمسّك بالإستراتيجية، لكن بعنف أكبر، وبقيود أقلّ، مستغلّةً غياب الضغوط الخارجية الوازنة، خصوصاً من جانب الولايات المتحدة، التي باتت تمارس دور الوسيط غير الثابت، ولا تشجّع على التفكير في حلول سياسية بعيدة المدى. وإذا ما استمرّت إسرائيل في هذا النهج، فإنّ الحرب في قطاع غزة، ستبقى قائمة، وربّما بلا نهاية أيضاً. كما أنّ التوتّر على الساحة اللبنانية سيصل إلى مرحلة الانفجار لا محالة، فيما الوضع القائم مع إيران لا يشير إلى إمكانية التهدئة، بل إلى مزيد من التصعيد، وربّما إلى تجدّد المواجهات العسكرية المباشرة بين الجانبَين أيضاً.