بكر أبو بكر بين السيرة الفكرية والنضالية والخطاب الوطني المنفتح

بكر أبو بكر بين السيرة الفكرية والنضالية والخطاب الوطني المنفتح
اعداد وتقرير المحامي علي ابوحبله
الملخص
يتناول هذا البحث شخصية المفكر والكاتب الفلسطيني بكر أبو بكر من منظور أكاديمي، مسلطًا الضوء على السيرة الفكرية والتنظيمية التي شكّلت أساس إنتاجه الفكري والسياسي. يربط البحث بين تجربته النضالية داخل حركة “فتح” وإسهاماته الفكرية والأدبية، مع إبراز تميز خطابه المنفتح ومقارنته بأسماء بارزة في الفكر الفلسطيني مثل إدوارد سعيد وعزمي بشارة وغسان كنفاني. ويخلص البحث إلى أن خطاب أبو بكر يمثل نموذجاً للمثقف المشتبك الذي يوظف أدوات الفكر في خدمة المشروع الوطني والتحرر الفلسطيني، مع الحفاظ على البعد الإنساني العالمي.
الكلمات المفتاحية: بكر أبو بكر، الفكر الفلسطيني، حركة فتح، القيادة، المثقف المشتبك، الفكر المنفتح.
المقدمة
يمثل بكر أبو بكر أحد أبرز الأصوات الفكرية الفلسطينية المعاصرة، فهو يجمع بين الالتزام الوطني والإنتاج الفكري والممارسة التنظيمية. ويمثل مشروعه امتدادًا طبيعيًا لحركة “فتح”، إذ يرى أن تحرير الأرض لا ينفصل عن تحرير العقل، وأن النضال السياسي يجب أن يقترن بالإسهام في بناء وعي وطني جامع.
تتضح أهمية دراسة بكر أبو بكر من خلال ربط سيرته الحياتية ومسيرته النضالية بإنتاجه الفكري، بحيث يمكن فهم كيف تشكّلت رؤيته الوطنية والتنظيمية والفكرية في سياق تجربة حياة فلسطينية متشابكة مع التحولات السياسية والفكرية في الوطن العربي.
أولًا: السيرة الحياتية والتعليمية
وُلد بكر أبو بكر في فلسطين ونشأ في بيئة وطنية مقاومة. حصل على البكالوريوس في الهندسة المدنية عام 1985، ثم حصل على الماجستير في العلوم السياسية عام 2003. هذا المزج بين الهندسة والعلوم السياسية أكسبه قدرة على الدمج بين العقلية التحليلية والمنهجية وبين الرؤية العملية والتنظيمية[^1].
النشاط الطلابي المبكر
انخرط في حركة الشبيبة الطلابية وتولى رئاسة الاتحاد العام لطلبة فلسطين – فرع الكويت، ما شكّل بدايات انخراطه في العمل الوطني.
ثانيًا: المسيرة التنظيمية والنضالية
تدرّج أبو بكر في أطر حركة “فتح” على النحو التالي:
رئيس المنظمات الشعبية لفتح في الكويت حتى عام 1990.
العمل في مكتب التعبئة والتنظيم – تونس (1990–1996)، حيث ساهم في تطوير الفكر التنظيمي.
نائب المفوض السياسي العام في هيئة التوجيه السياسي والوطني (حتى 2008).
تأسيس مؤسسات فكرية وتنظيمية: مدرسة ماجد أبو شرار لإعداد الكوادر، مفوضية التدريب ومركز الانطلاقة للدراسات، وأكاديمية فتح الفكرية (2019).
عضوية المجلس الوطني الفلسطيني والمجلس الثوري لحركة فتح (2009–2016) ورئاسة مكتب أمانة سر المجلس[^2].
توضح هذه التجربة كيف أن سيرته التنظيمية كانت قوة دافعة لإنتاج خطاب فكري وتنظيمي متماسك، حيث جمع بين الممارسة الميدانية والتأصيل النظري
ثالثًا: الإنتاج الفكري والفلسفي
أصدر بكر أبو بكر أكثر من 30 مؤلفًا تناولت السياسة والتنظيم والفكر والأدب الإنساني. وتميزت أعماله بالجرأة النقدية وبمحاولاته إعادة تأسيس مفهوم القيادة والمنهج التنظيمي، مثل:
أوعية الفكر الإسلاموي: محاولة للفهم (2016)
مدينة القدس: التاريخ الحقيقي وتهويد الاحتلال (2017)
القائد الممتاز بين ثقة الآخرين والإلمام (2024)
البعد الفكري المنفتح
يُبرز أبو بكر الانفتاح على الفكر العربي والعالمي، ويرفض الانغلاق الأيديولوجي. وقد قارن بعض الباحثين بين إنتاجه الفكري وفكر إدوارد سعيد في ربط القضية الفلسطينية بالوعي العالمي، وبين عزمي بشارة في التمحيص النقدي للبنى السياسية والتنظيمية، مع المحافظة على خصوصية المشروع الوطني الفلسطيني[^3].
الإنتاج الأدبي والإنساني
أصدر أبو بكر أعمالًا أدبية تعكس البعد الإنساني، مثل: لم لا! (2000)، ليس للفقير أن يحلم (2009)، وبيدي أن أصير دبابة (2013)، مؤكداً أن المقاومة الفكرية والثقافية جزء لا يتجزأ من المشروع الوطني.
رابعًا: فلسفة القيادة والرؤية التنظيمية
يؤكد أبو بكر أن القيادة مسؤولية أخلاقية وفكرية، وأن أي انفصال بين القيادة والقاعدة التنظيمية يضر بالمشروع الوطني. وقد صاغ فلسفته القيادية في كتابه القائد الممتاز، مؤكدًا أن:
الثقة المتبادلة بين القائد والقاعدة أساسية.
الذكاء العاطفي والكاريزما عناصر رئيسية لبناء الأمل.
المصارحة والمكاشفة ضرورية لاستنهاض الوعي الجماهيري[^4].
ويرى أن الفوقية والانتهازية داخل التنظيم هي تهديد أساسي للوحدة الوطنية، وهي رسالة أكاديمية وتنظيمية موازية لما طرحه غسان كنفاني في البعد الأخلاقي للوعي الفلسطيني المقاوم.
خامسًا: التميز الفكري والمقارنة بالمثقفين الفلسطينيين
يمكن مقارنة خطاب بكر أبو بكر بعدة مفكرين بارزين:
1. إدوارد سعيد:
الالتقاء: تأكيد أهمية البعد الثقافي والفكري في القضية الفلسطينية.
الاختلاف: أبو بكر يركز على استنهاض الداخل الفلسطيني وتنمية الكوادر، بينما ركز سعيد على البعد الدولي والثقافي.
2. عزمي بشارة:
الالتقاء: تحليل نقدي للبنى السياسية والتنظيمية.
الاختلاف: أبو بكر يضع الوحدة الوطنية وإعادة بناء التنظيم على رأس أولوياته.
3. غسان كنفاني:
الالتقاء: الربط بين المقاومة والإنتاج الأدبي والثقافي.
الاختلاف: أبو بكر يدمج التحليل التنظيمي والسياسي بشكل مباشر مع الإبداع الأدبي، لتكوين خطاب شامل وعملي.
هذا السياق يوضح تميز خطابه المنفتح الذي يجمع بين الواقعية السياسية، العمق الفكري، والبعد الإنساني.
خاتمة
تُظهر هذه الدراسة أن بكر أبو بكر نموذج للمثقف المشتبك الذي وظف سيرته الحياتية ومسيرته النضالية في إنتاج خطاب وطني متماسك، يجمع بين الفكر السياسي والتنظيمي والإبداع الأدبي. ويضعه ذلك في مصاف المفكرين الفلسطينيين الكبار مثل إدوارد سعيد وعزمي بشارة وغسان كنفاني، مع خصوصيته في التركيز على استنهاض الداخل الفلسطيني والعربي وخلق خطاب وطني وإنساني منفتح.
إن دراسة إنتاجه الفكري والتنظيمي تُعطي نموذجًا للباحثين حول كيفية بناء خطاب مقاوم ومؤثر يوازن بين الفكر والتنظيم، بين النظرية والممارسة، وبين القيم الوطنية والإنسانية.
المراجع والهوامش
[^1]: مقابلة مع بكر أبو بكر، “السيرة الفكرية”، موقع حركة فتح، 2022.
[^2]: المجلس الوطني الفلسطيني، تقارير دورات المجلس 2009–2016.
[^3]: بكر أبو بكر، أوعية الفكر الإسلاموي: محاولة للفهم، عمّان: الأهلية، 2016.
[^4]: بكر أبو بكر، القائد الممتاز بين ثقة الآخرين والإلمام، رام الله: دار الشروق، 2024.
سعيد، إدوارد. مسألة فلسطين. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1999.
بشارة، عزمي. في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي. بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2007.
كنفاني، غسان. أدب المقاومة في فلسطين المحتلة 1948–1966. بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1968.