الشاعرة الأفرو ـ أمريكية لوسيل كليفتون: الكتابة بوصفها فعل مقاومة وأملا وجوديا

الشاعرة الأفرو ـ أمريكية لوسيل كليفتون: الكتابة بوصفها فعل مقاومة وأملا وجوديا
د.سارة حامد حوَّاس
هل الشِّعر ضرب ٌ من الجنونِ؟ أم قناة للبوح شرعية لها مقامات وقوانين؟ هل الشِّعر منحة أم محنة أم لعنة قد يصاب بها الشاعر أو الشاعرة؟
هل تعترض عليه فئات معينة من بعض المجتمعات لكونه مصدراً للبوح والتحدث بحميمية مع النفسِ والقارئ؟ إذا كان هو السبب، فما الضرر من ذلك؟ ولماذا يقترن ذلك دوماً بالشاعرات؟
لماذا يُمنعن أحياناً من التعبير عن أنفسهن؟
هل الكبت كُتب لأن يكون الملاذ الوحيد لبعض النساء في مجتمعاتٍ مُعينة؟ تساؤلات كثيرة طرحتها على نفسي عندما قرأت سيرة الشاعرة الأمريكية لوسيل كليفتون، وعرفت أن والدتها ثيلما سايلز هي من طورت اهتمام كليفتون بالشعر منذ طفولتها، فبدأت كليفتون كتابة الشعر منذ أن كانت في العاشرة من عمرها، وكل ذلك أتى من موهبة والدتها في كتابة الشعر.
عندما قرأت ما حدث لوالدة لوسيل، أدركت أن هناك الكثيرات غيرها وُئِد شعرهن بالتأكيد ولم نسمع عنهن شيئاً، وُئِدت موهبتهن قهراً، ودُفنت مشاعرهن وكلماتهن في محرقة شعرية لا رحمة فيها.
كنت قد تحدثت في لقاء لي من قبل عن شعر الاعتراف وهل هو مباح بالنسبة للشاعرات في المجتمعات الشرقية؟
فكانت إجابتي بلا، غير مباح أن تعبر المرأة الشاعرة بحبها أو كرهها أو مشاعرها بصفة عامة بطريقة مباشرة حتى لا تُلقى عليها الأحكام الجزافية بأنها في حالة حب أو كره أو نفور. هناك بعض المجتمعات ما زالت لا تتخلص من الحكم على كتابة المرأة سواء الشعرية أو الروائية أو القصصية أو أي جنس من الكتابة الأدبية، وذلك يجعل المرأة دوماً في حالة من الترقب والخوف من الأحكام التي سوف تنهال عليها جراء كتابتها عن أي موضوع، حتى وإن لم تكتب عن نفسها، وعبرت مثلاً عن مجتمع تعيش فيه، أو حكاية سمعتها من صديقة أو جارة لها، فلن يصدق أحدٌ، وسوف يُشخصن الموضوع على الفور وسيتم إحالته إلى الكاتبة. ويبدو أن هذا لا يتكرر فقط في المجتمعات الشرقية، بل أيضا في المجتمع الأمريكي وبخاصة الذين ينتمون إلى أصولٍ أفريقية، فهذه ليست المرة الأولى التي أقرأ فيها عن القهر الذي يمارسه الرجل الأفرو أمريكي على زوجته من ضرب مبرح إلى حرق ووأد موهبة شعرية كانت من الممكن أن تصل إلى مرتبة عالية في مجتمعها وخارجه.
ولِدت لوسيل كليفتون باسم ثيلما لوسيل سايلز في ديبيو، نيويورك، في عام 1936. وسُميت ثيلما نسبةً إلى والدتها، أمَّا اسم لوسيل فجاء نسبةً إلى إحدى أسلاف والدها.
كانت لوسيل أول فرد من عائلتها يتخرج في المدرسة الثانوية، وحصلت بعد ذلك في عام 1953 على منحة للدراسة في جامعة هوارد بواشنطن. درست كليفتون هناك لمدة عامين قبل أن تعود إلى كلية فريدونيا الحكومية للمعلمين.
وفي عام 1958، تزوجت من فريد كليفتون أستاذ الفلسفة في جامعة بافلو بفريدونيا، وكان أيضاً نحَّاتاً متخصصاً في نحت الوجوه الأفريقية، وانتقل الزوجان إلى بالتيمور، ماريلاند في ستينيات القرن الماضي، حيث التقيا من خلال الشاعر والروائي إشماعيل ريد وكان له دور كبير في مسيرة لوسيل الشعرية، فهو من اكتشف موهبتها الشعرية وقدم بعض قصائدها في عام 1966 إلى الشاعر الأفرو أمريكي الشهير لانغستون هيوز، الذي أدرجها بعد ذلك في مختاراته ”شعر الزنوج».
أنجبت لوسيل بعد ذلك ستة أطفال خلال سبع سنوات، وتوفيت والدتها – التي كانت مصابة بالصرع والتي ساعدتها في رعايتها – في الرابعة والأربعين من عمرها، وكانت لوسيل تبلغ من العمر اثنين وعشرين عاماً آنذاك، وكان لهذه الخسارة أثر دائم على شعرها. فقد كانت تكتب الشعر أثناء تربيتها لأطفالها، وكانت تكتب قصائدها ليس في ”غرفة تخصها وحدها”، بل على طاولة المطبخ، بينما كانت الحياة العائلية مستمرة من حولها.
نشرت لوسيل مجموعتها الشعرية الأولى ”أوقات طيبة» في عام 1969، وحازت على شهرة واسعة بسرعة بعد أن أدرجتها صحيفة «نيويورك تايمز» ضمن قائمة أفضل عشرة كتب في تلك السنة.
قضت الشاعرة وقتاً في كلية كوبين الحكومية في بالتيمور بوصفها شاعرة مقيمة بين عامي 1971 و1974، وخلال هذه الفترة أصدرت كتابين شعريين جديدين، ”أخبار طيبة عن الأرض” في عام1972، و”امرأة عادية” في عام1974، وعُينت بعد ذلك شاعرة ولاية ماريلاند في عام 1979، وظلت في هذا المنصب لمدة ست سنوات، كما كانت كاتبة زائرة في كلية الفنون بجامعة كولومبيا وجامعة جورج واشنطن بين عامي 1982 و1983.
وفي عام 1980 أصدرت كتاباً شعرياً بعنوان ”امرأة برأسين»، وقدمت فيه تصويراً صريحاً للطبيعة المتغيرة للأمومة. وفي عام 1987 أصدرت كتاباً شعرياً آخر بعنوان ”القادم” وتناولت فيه موضوعات مؤلمة، بما في ذلك الأمراض المميتة، والمعاناة الإنسانية، والتغيرات الشخصية والعائلية. ومن أهم كتبها الشعرية الأخرى ”كتاب النور” في عام 1993، و”متاجر مروعة” في عام 1996، و”عزيزي الخالق: أسبوع من القصائد للشباب ومعلميهم” في عام 1997 وغيرها الكثير.
كانت لوسيل كاتبة مرموقة للأطفال أيضاً، فكانت تكتب للأطفال لمساعدتهم في فهم عوالمهم وتراثهم الأفرو أمريكي، ومن أبرز أعمالها في كتب الأطفال: ”عبرنا جميعاً الماء”، الذي أصدرته في عام 1973، وكتاب ”ثلاث أمنيات” في عام 1976، وكان من أشهر أعمالها شخصية ”إيڤريت أندرسون” وهو صبي أفرو أمريكي يعيش في مدينة كبيرة، ونشرت لوسيل ثمانية عناوين عنه بما في ذلك ”وداع إيڤريت أندرسون” في عام1984 الذي فاز بجائزة كوريتا سكوتكينغ. أما ”الأجيال”، فهو عملها النثري الوحيد، وهو عبارة عن مذكرات قصيرة لا تتجاوز 90 صفحة، يُظهر موهبة لوسيل الشعرية المذهلة في شكل نثر، تحكي فيه عن حياة عائلية أمريكية من أصل أفريقي عبر العبودية والأوقات العصيبة وما بعدها، وعن وفاة والدها وجدتها، لكنها تسلط الضوء أيضاً على الحياة والحب والانتصارات التي كانت قبل ذلك والتي تستمر حتى الآن.
وتأتي غزارة إنتاج لوسيل كليفتون نتيجة لوعيها بأهمية الكتابة بوصفها فعل مقاومة وإصرار على الاستمرار في الحياة بأملٍ، فعن الكتابة تحدثت في مقابلة لها مع الشاعر الأمريكي مايكل إس غلاسر فقالت إن: ”الكتابة وسيلة للاستمرار في الأمل.. ربما بالنسبة إليَّ، وسيلة لتذكير نفسي أنني لستُ وحيدة».
توفي زوجها في عام 1984، إثر إصابته بالسرطان، ومع ذلك استمرت لوسيل في إنتاجها الأدبي الغزير من الشعر والنثر، معتمدة على جذورها العائلية الأفريقية والحياة الأسرية في موضوعاتها، فوالدتها زرعت فيها الفخر بأصولها منذ طفولتها فقالت لها:’ ‘كوني فخورا، أنتِ من نساء داهومي». وداهومي مملكة في غرب أفريقيا ازدهرت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في المنطقة التي تُعرف الآن بجنوب بنين.
كما كانت لوسيل أيضاً فخورة بطبيعتها وطبيعة جسدها بسمته المميز حتى أنها احتفت به في كثير من قصائدها، ورفضت الامتثال لتعريف المجتمع للجمال الأنثوي، ولكن هناك ظاهرة غريبة في عائلتها هي أن جميع الفتيات وُلدن بإصبع إضافي في كل يد، وقد أُزيلت أصابع لوسيل الإضافية جراحياً عندما كانت طفلة، لكنها كانت تسميها ”أصابع الشبح»، وتحدثت عن هذا الموضوع في كثير من قصائدها أيضاً.
تُعرف لوسيل بأنها أول مؤلفة يصل لها عملان مرشحان لنهائيات جائزة بوليتزر: ”امرأة طيبة: قصائد ومذكرات، 1969-1980»، وكتاب ”قصائد جديدة” 1978، كما حصلت أيضاً على جائزة الكتاب الوطني عن كتابها ”مباركة القوارب: قصائد جديدة ومختارة»، وعلى جائزة روث ليلي المرموقة للشعر لإنجازها مدى الحياة في عام 2007 وقالت لجنة التحكيم عن شعرها: ”يشعر المرء دائماً بإنسانية طاغية تحيط بقصائد لوسيل كليفتون- إنها جودة أخلاقية يمتلكها بعض الشعراء والبعض الآخر لا يمتلكها». ومن أكثر الأشياء التي جذبت انتباهي لشعر لوسيل هو أسلوب الشاعرة في الكتابة حيث تقول الكثير بعدد قليل من الكلمات، ففي مراجعة لعملها في مجلة «كريستيان سينشري» كتبت الكاتبة الأمريكية بيغي روزينثال: ”أول ما يلفت انتباهنا في شعر لوسيل كليفتون هو ما هو مفقود: الأحرف الكبيرة، وعلامات الترقيم، والأسطر الطويلة والكثيرة. حيث نرى شعراً مختصراً لدرجة أن فراغاته تكسب أهمية، وتمثل حضوراً شكلياً مثل الكلمات نفسها».
وكانت لوسيل تهتم بشدة بالتاريخ الأمريكي وتاريخها الشخصي، حيث كانت ترى أنهما مرتبطان. وقد قالت في ذلك: ”إذا علَّمنا الشعر أي شيء، فهو أن كل شيءٍ مترابط. هناك الكثير من التاريخ الذي لم نمنحه الاعتبار الكافي».
واجهت لوسيل موضوعات صعبة بشجاعة في قصائدها، مثل الظلم والعنصرية والتمييز الجنسي ونهاية العالم: ”من خلال شعري، آمل أن أواسي المُضطهدين وأزعج المترفين».
وكتبت الشاعرة الأمريكية الشهيرة ريتا دوف عن أعمال لوسيل كليفتون: «على النقيض من الكثير من الشعر الذي يُكتب اليوم ـ هو شعرٌ يمتاز بغنائية متعقلة تعتمد على تطبيق التفكير الاستقرائي على صور غير مألوفة – فقصائد لوسيل كليفتون مضغوطة ومكتفية بذاتها.. تشبه اكتشافاتها حينها لحظات التنوير في الطفولة وبداية المراهقة، عندما كان افتقار المرء إلى الأفكار المسبقة عن الذات يسمح بانزلاق رائع نحو الميتافيزيقي، ونظرة إلى عالم خالٍ من الأنا، مليء بالأشياء، وهادئ تماماً». كما قالت دوف أيضاً إن الكتابة بأسلوب التبسيط الذي أتقنته كليفتون أمر صعب للغاية.
تستخدم لوسيل كليفتون اللغة العامية ونهجاً بسيطاً في البنية والأسلوب، استقبله النُقَّاد برحابة لكونه مباشراً وسهل الفهم. وتبدو قصائدها بسيطة من الوهلة الأولى، لكنها تمتاز بأسلوب غنائي غني وموضوعات عميقة ومؤثرة، فتجعل القراء يتفاعلون معها ومع تجاربها الشخصية التي كانت دوما تمثل محورها الأساسي في كتابتها الشعرية، كما كانت تتجنب استخدام أنماط القافية المعقدة، بينما ترتكز بدلاً منها على قوة الصور البلاغية واللغة الموجزة، حيث كانت تتقن نقل الأفكار العميقة في أسطر شعرية قصيرة ومكثفة. فأول ما لفت نظري إلى هذه الشاعرة الموهوبة هو حسها الفكاهي، الذي كان يداعب كتابتها بصورة محببة إلى النفس وعميقة في آن، فكانت تتحدث عن أعمق الموضوعات الإنسانية ببساطة لافتة تجعلك لا تصدق أنها تتحدث بجدية بكل تلك البساطة، والسهولة والانسيابية.
ويمتاز شعرها بالتكثيف المنظم غير العشوائي ومع ذلك في قراءتك الأولى لشعرها تظن أنك أمام شاعرة فوضوية شعارها العشوائية والشطح، ولكن عندما تدخل في عمق قصيدتها ومعناها ورسالتها، تدرك إنها شاعرة تمتلك لغة كثيفة وموجزة وموحية، وبسيطة وسهلة في الوقت نفسه، وهذه أشياء لا يمتلكها الكثير من الشعراء، أي كانت تتبع أسلوب ”السهل الممتنع” في اللغة والأسلوب والمعنى. ومن الأشياء التي يتسم بها شعرها، قصر قصائدها، وقد قالت في حديثٍ لها من قبل إن هذا الأمر يرجع إلى كونها أما لستة أطفال، كما أن لغتها حميمية، تتحدث بصدق غير متكلف، تشعر كأنك صديق لها منذ المهد، تحادث القراء بطلاقة وحب، وتبعد تماماً عن التكلف والتعقيد، فكتابتها كما شخصيتها بسيطة وعميقة في آن، لديها تجارب شخصية مؤثرة وقوية، استطاعت أن تصوغها بفنٍ وحرفيةٍ من خلال كتاباتها الشعرية.
توفيت لوسيل كليفتون في عام 2010 وهي في الرابعة والسبعين من عمرها بسبب مضاعفات مرتبطة بالسرطان، وقد تركت الحياة ومعها سيرة قوية ومؤثرة، أثرت في عدد لا يحصى من الشعراء والقراء من مختلف الفئات. إنها من الشاعرات اللاتي أحببت شعرهن من الوهلة الأولى لقراءته، لم أبذل مجهوداً ذهنياً مُضنياً ليدخل شعرها قلبي وعقلي، وأقترح دراستها في المدارس والجامعات، لأن شعرها سيحبب الدارس في دراسة الشعر، لسهولته وعمقه ومواكبته للعصر.