التدخلات الأجنبية ومستقبل الوطن العربي

التدخلات الأجنبية ومستقبل الوطن العربي
د. كاظم ناصر
يسعى معظم الحكام العرب وبالتعاون والتنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية ودولة الاحتلال إلى القضاء التام على المقاومة الشعبية لإسرائيل، وتركيع الشعوب العربية وإذلالها واستسلامها للتدخلات الأجنبية وفرض التطبيع عليها من خلال إلغاء الحريات، وتعميم سياسة الخوف والإقصاء والسجن والتجهيل، وملئ عقول المواطنين بالفكر المثالي الغيبي، والمفاهيم الدينية المسيسة المشوهة التي لا علاقة لها بصحيح الدين وقيمه لتمزيق الشعوب العربية على أساس طائفي أو قبلي، وشرذمة الأقطار العربية إلى دويلات ضعيفة يسهل السيطرة عليها من قبل حكام طغاة وعوائل حاكمة متحالفة مع القوى الأجنبية تعتمد بصورة خاصة على الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل لحمايتها!
وبسبب خذلان الحكام العرب، وفشلهم في حماية أوطانهم وشعوبهم، وتحالفهم مع القوى الأجنبية، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية التي زودت إسرائيل بكل ما تحتاجه من سلاح متطور ومال لقتل فلسطينيي غزة وتدمير القطاع، ولا تخفي عداءها لأمتنا ونواياها للسيطرة على مقدراتنا والتحكم بمستقبلنا، فإن الوطن العربي يعاني من أوضاع كارثية.
هؤلاء الحكام الذين تحالفوا مع القوى الأجنبية المعادية لأمتنا وقضاياها، واستسلموا بصورة خاصة للإملاءات الأمريكية الإسرائيلية أوصلوا أمتنا العربية إلى ما يمكن تسميته بالولايات الممزقة العربية مع وجود ست أقطار معرضة للتفكك والتقسيم الطائفي أو القبلي هي السودان واليمن وليبيا وسوريا والعراق ولبنان، وسيطرة إسرائيل على كامل الأراضي الفلسطينية، وهضبة الجولان واحتلالها لمزيد من الأراضي السورية واللبنانية منذ بداية هذا العالم دون مقاومة رسمية أو شعبية تذكر، وأدت سياساتهم الفاشلة أيضا إلى تفشي الفساد، وتراجع الاقتصاد، وتفاقم ديون دولهم، وانتشار الفقر والبؤس واليأس والخوف الشعبي من المستقبل. فهل ستنجح الولايات المتحدة في الهيمنة على قرارنا السياسي ومقدراتنا؟ وهل ستتمكن إسرائيل من تحقيق أهدافها التوسعية؟
للأسف الشديد فإن الدور الذي تقوم به الولايات المتحدة في غزة لتصفية القضية الفلسطينية، والمعطيات الحالية الأخرى تشير بوضوح إلى تنامي هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية على صناعة القرار السياسي والاقتصادي والعسكري في معظم الدول العربية، خاصة تلك التي وقعت معها اتفاقيات أمنية وعسكرية، وقبلت وجود قواعد عسكرية أمريكية على أراضيها، وأخيرا وليس آخرا دولة قطر التي وقعت اتفاقية دفاع مشترك معها، ومن المتوقع أن توقع السعودية اتفاقية دفاع مشترك معها أيضا خلال زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لواشنطن قبل نهاية هذا الشهر، وقد يتبع قطر والسعودية دول عربية أخرى في توقيع اتفاقيات مماثلة.
أما بالنسبة لدولة الاحتلال فإنها تمكنت من تدمير غزة ومن السيطرة على معظم أراضي الضفة الغربية وبناء مئات المستوطنات والبؤر الاستيطانية وزيادة عدد المستوطنين الى ما يزيد عن 700 ألف مستوطن، ومن مهاجمة اليمن والعراق وإيران، واحتلال أجزاء جديدة من سوريا ولبنان، وتمارس العربدة يوميا وتعتدي على من تشاء دون رادع، بل في ظل صمت عربي انهزامي استسلامي مشين!
وبناء على ما سبق نسأل: هل سينطبق على أمتنا قول المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي مؤلف موسوعة ” دراسة التاريخ” أن الدول تقوى خلال الاستجابات الناجحة للتحديات الجديدة التي تواجهها، لكنها تنهار بسبب تقديس الماضي وعجزها عن الاستجابة بشكل إبداعي لهذه الظروف والتحديات الجديدة وتصبح استجاباتها لها غير فعالة، وتفقد قدرتها على إيجاد الحلول المبتكرة، مما يؤدي إلى تدهورها وتفككها؟
لقد اثبتت حرب غزة واعتداءات إسرائيل المتكررة على أقطارنا أن الدول العربية فشلت فشلا ذريعا في الاستجابة للتحديات الجسام التي تواجهها، وفقدت قدرتها على حماية أقطارها ومواطنيها لأسباب عديدة من أهمها ان هذه الدول يقودها حكام جبناء خانوا الأمانة، وخضعوا لإملاءات أمريكا وإسرائيل، ونهبوا ثروات البلاد، وعاثوا في الأرض فسادا، وعززوا الانقسامات القطرية، وأذلوا وأهانوا وقيدوا وأرعبوا الشعوب العربية ودفعوها الى حالة من الهوان والاستسلام لم يعرف الوطن العربي لها مثيلا من قبل!




