تطبيع متعثر ورسائل متبادلة.. السعودية في قلب خطاب نتنياهو وتحولات الإقليم

تطبيع متعثر ورسائل متبادلة.. السعودية في قلب خطاب نتنياهو وتحولات الإقليم
خالد الطوالبة
دخلت السعودية مجددا دائرة النقاش الدولي حول مسار التطبيع مع إسرائيل، عقب تصريحات أطلقها بنيامين نتنياهو ربط فيها أي تقارب بشروط سياسية تتصل بتحالفات الرياض الإقليمية، في وقت تشهد فيه المنطقة إعادة ترتيب واسعة في موازين القوة والمواقف.
وأثار رئيس الوزراء الإسرائيلي نقاشا واسعا عقب حديثه في مؤتمر صحافي عقد بالقدس، حيث تناول ما وصفه بتغيرات في مواقف السعودية خلال الأشهر الماضية، وربط أي اتفاق تطبيع مستقبلي بتوجهات الرياض الإقليمية وعلاقاتها مع أطراف تعدها تل أبيب مناوئة لها.
وطرح نتنياهو تصورا يقوم على توقع التزام سياسي من أي دولة تسعى إلى سلام مع إسرائيل، يقوم على الابتعاد عن مسارات يعتبرها معادية أو مشككة في شرعية الدولة العبرية.
وجاء هذا الموقف ردا على سؤال صحافي تناول التقارب المتسارع بين السعودية وكل من قطر وتركيا، حيث أشار نتنياهو إلى متابعة حكومته لهذه التحركات بدقة، مع تأكيده تطلع إسرائيل إلى اتفاق مع السعودية في حال توافرت ظروف تضمن أمنها وقوتها، وفق تعبيره.
وسلطت تصريحات نتنياهو الضوء على مرحلة سياسية اتسمت بالجمود منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة في أكتوبر 2023، وهي الحرب التي قلبت حسابات إقليمية ودولية، وأعادت رسم أولويات عدة عواصم.
وقبل تلك الحرب، ساد اعتقاد واسع بأن مسار التطبيع بين الرياض وتل أبيب يقترب من لحظة الحسم، خاصة في ظل رعاية أمريكية مكثفة وزيارات متبادلة غير معلنة لمسؤولين من الجانبين.
وأدخلت العمليات العسكرية الواسعة في غزة وما رافقها من خسائر بشرية كبيرة مسارا جديدا في الموقف السعودي، حيث تبنت الرياض خطابا يرتكز على وقف الحرب، وتسهيل إدخال المساعدات الإنسانية، ودفع مسار سياسي يفضي إلى قيام دولة فلسطينية.
وعكس هذا التحول رؤية سعودية أوسع تربط الاستقرار الإقليمي بحل عادل وشامل للقضية الفلسطينية.
وأعادت اتفاقية وقف إطلاق النار في غزة فتح النقاش داخل الأوساط الأمريكية حول فرص إحياء مسار التطبيع، خاصة مع تصريحات صدرت عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعرب فيها عن أمله بانضمام السعودية إلى الاتفاقات الإبراهيمية.
وتناقلت مصادر سياسية حديثا دار بين ترامب وولي العهد السعودي تناول هذا الملف في مرحلة ما بعد القتال.
وأظهرت التحركات السعودية الأخيرة توجها نحو إعادة تموضع إقليمي أوسع، شمل تعزيز العلاقات مع قطر وتركيا، وتوقيع اتفاقيات تعاون دفاعي مع الدوحة، إضافة إلى محادثات مع أنقرة حول أطر تعاون أمني أوسع تشمل أطرافا إقليمية أخرى.
وبرز هذا المسار في سياق سعي الرياض إلى تنويع شراكاتها الاستراتيجية وتعزيز استقلالية قرارها السياسي.
وشاركت السعودية، إلى جانب باريس، في الدفع نحو عقد قمة أممية ركزت على الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وهي خطوة أدت إلى اعتراف عدد متزايد من الدول الغربية بفلسطين، وأثارت توترا واضحا مع تل أبيب وواشنطن. وعكس هذا الدور توجها دبلوماسيا سعوديا يستثمر أدوات القانون الدولي والعمل متعدد الأطراف.
وعلق الكاتب السعودي علي الحارثي، مقدما قراءة نقدية للموقف الإسرائيلي في حديثه لـ”القدس العربي”، قائلا: “الخطاب الصادر عن نتنياهو يعكس محاولة نقل شروط الصراع إلى الطرف العربي، بينما تتجاهل الحكومة الإسرائيلية جذور الأزمة المرتبطة بالاحتلال وسياسات القوة”.
وأضاف أن “السعودية تتحرك وفق رؤية سيادية تستند إلى مصالحها الوطنية وإلى إدراك عميق لطبيعة التحولات الدولية، وهو ما يجعل أي حديث عن إملاءات خارجية أمرا متجاوزا للواقع”.
وأوضح الحارثي أن “الرياض تنظر إلى التطبيع كجزء من منظومة إقليمية أشمل تقوم على الاستقرار والشرعية الدولية، وترى أن تجاهل الحقوق الفلسطينية يقود إلى دورات متكررة من العنف تهدد الجميع”.
وتابع أن “محاولة ربط العلاقات السعودية مع دول إقليمية كقطر وتركيا بمفهوم العداء لإسرائيل تعكس قراءة ضيقة للتحالفات، حيث تقوم هذه العلاقات على المصالح المشتركة والتكامل الاقتصادي والأمني”.
وأشار الكاتب السعودي إلى أن “التحركات السعودية الأخيرة تؤكد انتقال السياسة الخارجية من رد الفعل إلى الفعل، مع توظيف الدبلوماسية والشراكات المتعددة لتحقيق توازن استراتيجي في منطقة شديدة التعقيد”. واعتبر أن “هذا النهج يمنح الرياض هامشا أوسع في التعامل مع ملفات شائكة، من بينها الصراع الفلسطيني الإسرائيلي”.
واختتم الحارثي تعليقه بالقول إن “التطبيع، متى ما جرى، يحتاج إلى بيئة سياسية جديدة تعترف بالحقوق وتلتزم بالقانون الدولي، وتؤسس لسلام حقيقي ينعكس على شعوب المنطقة بأسرها”.
ويعكس هذا الجدل المستمر حجم التباين بين الرؤية الإسرائيلية التي تركز على اعتبارات أمنية وتحالفية ضيقة، والرؤية السعودية التي تضع التطورات الإقليمية في إطار أوسع يشمل الاستقرار طويل الأمد وإعادة بناء النظام الإقليمي على أسس متعددة الأطراف.
ومع استمرار التحولات، يبقى مسار التطبيع رهنا بتغيرات أعمق تتجاوز التصريحات الآنية نحو مقاربات سياسية أكثر شمولا.
– “القدس العربي”:




