مقالات

فلسطين بين المباح والمستتر تحتاج إلى وقفة شجاعة بقلم فؤاد الحاج -استراليا –

بقلم فؤاد الحاج -استراليا -

فلسطين بين المباح والمستتر تحتاج إلى وقفة شجاعة
بقلم فؤاد الحاج -استراليا –
جيلنا تربى على أن القضية الفلسطينية هي قضية العرب المركزية، كما كنا نرددها منذ خمسينات القرن الماضي، ثم جاء جيل الستينات والسبعينات ليتربى على اللاءات الثلاثة التي تلت قمة الخرطوم (نهاية آب/أغسطس 1967) وهي: لا صلح ولا تفاوض ولا استسلام، وقد رددتها الملايين من أبناء الأمتين العربية والإسلامية طيلة عقدي الستينات والسبعينات إلى أن خرق السادات قرارات القمم العربية التي لا يمكن أن يقال فيها سوى أنها حبر على ورق، مدشناً بذلك بداية التراجع والذل لعرب التبعية برعاية أمريكية صهيونية بما سمي اتفاقية “كامب دايفيد”، التي رفضتها فصائل فلسطينية وأحزاب وتنظيمات وطنية وقومية وإسلامية وما كان يعرف باسم “جبهة الصمود والتصدي” التي عقدت أول اجتماع لها في طرابلس (ليبيا) في كانون الأول/ديسمبر 1977 وكانت تضم كل من ليبيا والعراق وسوريا والجزائر و”اليمن الجنوبية” ومنظمة التحرير الفلسطينية ثم أعلن العراق انسحابه منها، وعملياً لم تقدم هذه “الجبهة” أية إيجابية تذكر في سبيل قضية فلسطين، سوى إعلانها خيانة السادات للقضية المركزية، ولم يكن من الممكن للسادات أن يتخذ قراره بالذهاب إلى القدس ومن ثم عقد اتفاقية “كامب دايفيد” (17 أيلول/سبتمبر 1978) إلا بعد أن بعد أن أطاح في أيار/مايو 1971 بعناصر مؤثرة في مصر من مراكز القرار والتأثير كانت تحمل ميراث من الفكر القومي، ثم ابتعاده تدريجياً عن أفكار الحكم الذي أرساه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر على مدى ما يقرب من عشرين عاماً.
وفي عام 1978 عقدت القمة العربية التاسعة في بغداد، التي بحثت مسألة خروج مصر عن الخط العربي، من زاوية الأخطار التي كانت تهدّد الأمن القومي العربي، والمخاطر التي تواجه الأمة العربية “كقوة حضارية”، ومن جملة قرارات تلك القمة “تعليق عضوية مصر في الجامعة، ونقل مقر الجامعة من القاهرة إلى تونس، وتقديم دعم إلى سوريا والأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية مالياً لمدة عشر سنوات تبلغ قيمته 3500 مليون دولار، لمواجهة الخلل الذي أصاب توازن القوى بخروج مصر من المواجهة مع الكيان الصهيوني. وفي عام 1979 تم تنفيذ قرار تعليق عضوية مصر بالجامعة والقمم العربية، إلا إن عرب الأنظمة أعادت العلاقات الدبلوماسية مع مصر في عام 1987 وسمح لمصر بالعودة إلى الجامعة في عام 1989، وأعيد مقر الجامعة إلى القاهرة مرة أخرى. الجدير بالذكر أن الانشقاق بدا وضحاً في قمة بغداد حيث انقسم العرب إلى معسكرين في مواجهة اتفاقية السادات مع الكيان الصهيوني، ثم تسلم حسني مبارك الحكم لثلاثة عقود الذي سار على نهج سلفه وزاد من ارتهان مصر سياسياً واقتصادياً إلى أعداء الأمة والإنسانية بمئات مليارات الدولارات وأهمها صندوق النقد والبنك الدوليين.
ومع الأسف نقول أن أنظمة ما يسمى بدول “المقاومة والممانعة” مع “دول الاعتدال” هرولت في نهاية عام 1991 إلى عقد اتفاقيات ثنائية مع الكيان الصهيوني في ما سمي بمؤتمر مدريد بدعم من إدارات الشر الأمريكية نالت فيها تلك الأنظمة أقل مما حصل عليه السادات في اتفاقيته مع الكيان الغاصب لفلسطين. ثم منحت منظمة التحرير الفلسطينية براءة ذمة للكيان الصهيوني في “اتفاقية أوسلو” 13 أيلول/سبتمبر 1993 وما تبعها من اتفاقيات وملاحق في القاهرة وفي شرم الشيخ واتفاقية (واي ريفر) التي أطلق عليها اتفاق “واي بلانتيشن” بتاريخ الثالث والعشرين من شهر تشرين الأول/أكتوبر 1998، الذي تمت الموافقة فيه على إلغاء فقرات من الميثاق الوطني الفلسطيني تدعو إلى إلغاء استعمال كلمة “العدو الصهيوني” و”الأراضي المحتلة” وغيرها من فقرات تدعو إلى تحرير فلسطين من النهر إلى البحر. ونتيجة لكل ما تقدم وهو مختصر جداً من مؤتمرات ولقاءات وتنازلات من الأنظمة الناطقة بالعربية كان الكيان الصهيوني دائماً يلجأ إلى التصعيد العسكري من جانب واحد ويختلق الأسباب والذرائع بدعم أمريكي وأوروبي وعربي رسمي، كما حدث بتاريخ 7/6/1981 حيث أقدم على ضرب وتدمير مفاعل تموز النووي العراقي لإخراج العراق من المعادلة العربية بعد ذلك تعرضه لحصار غربي وعربي شامل.
إن شعب فلسطين هو الشعب الوحيد في العالم الذي يرزح تحت نير الاحتلال منذ عام 1948، ولا يعاني هذا الشعب البطل فقط من المحتل المغتصب لأرضه ولثرواته الطبيعية في أرضه، ولكنه يعاني أيضاً من المتاجرين بدماء أبنائه وبأرواحهم لتحقيق مكاسب سياسية، أو مكاسب مادية وزعامات وهمية من السلطات المتحكمة برقاب الشعب الفلسطيني في غزة ومن سلطة حكم الذات في الضفة الغربية! لذلك المطلوب من الإعلاميين والكتاب والمثقفين العرب أن يتحلوا بالشجاعة وكشف الحقائق لأبناء الشعب الفلسطيني وللأمة العربية وللعالم أجمع – إن كان هناك إعلام منصف ضمن ما يسمى الإعلام العربي، فجميعنا نتألم ونبكي حسرة على ما يجري في أرض فلسطين وعلى ما يجري من سفك دماء أبرياء وتهجيرهم من أرضهم، وكأن شرف الأمة وكرامتها أصبح يساوي مقالة أو قصيدة أو تحليل سياسي من هذا أو ذاك! مع الاعتذار من الشرفاء من أبناء أمتنا أقول أنه ليس هناك أسوأ من أن يتاجر بك شقيقك ويبيعك لكل من يشتري.
وليس معقولاً أن يقرر مصير من يعانون تحت القصف والدمار، ومن يرون الموت بأعينهم كل ساعة، أناس يعيشون في فنادق الخمس نجوم ويتنقلون بطائرات خاصة بين عواصم البترودولار الخليجية وملالي قم وطهران، ويبيعون ولاءاتهم لعاصمة هنا أو عاصمة هناك، وينشرون صورهم في مواقع “التواصل الاجتماعي” وهم في صالات (الجيم) في الوقت الذي يتساقط القتلى والجرحى وتدك البيوت والمدارس فوق رؤوس أبناء فلسطين، فالزعماء الحقيقيون يقفون كتفاً بكتف بجوار أبناء شعبهم في معارك المقاومة والتحرير، هكذا فعل كل الزعماء الحقيقيين في العالم أجمع، وفي مقدمهم الشهيد صدام حسين، وجيفارا وفيدل كاسترو وهوشي مينه ونلسون مانديلا وغيرهم.
إنني كمواطن مهاجر ومهجّر من أرضه رفض الانصياع إلا لصوت الضمير ولعروبته أرفض المتاجرة بدماء أبناء الشعب الفلسطيني، أنني أرفض بيع القضية الفلسطينية على موائد الباحثين عن الزعامات، لأن الدماء التي تسيل في غزة، هي دماء أهلي وأخوتي وعشيرتي من كل الديانات. إن تلك الدماء ليست في رقبة أعداء الأمة وأعداء الإنسانية فقط بل هي في رقبة كل تجار البشر الباحثين عن دريهمات وبضعة دولارات ومنصب وهمي وظهور في فضائيات ناطقة بالعربية.
إن فلسطين اليوم أصبحت بين المباح والمستتر تحتاج إلى وقفة شجاعة، فهل هناك من يجرؤ على قول كلمة حق في وجه سلطان جائر؟ أم سنبقى أمة غنم يهشها راعيها كيفما يشاء؟ كلام ربما قاس ولكن كلمة حق يجب أن تقال، ولا تحتاج لزعل من هذا أو ذاك لأن الساكت عن الحق شيطان أخرس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب