حين تصبح الفتنة أخطر من الاحتلال: تحذير وطني من فلسطة الصراع وحرف البوصلة

حين تصبح الفتنة أخطر من الاحتلال: تحذير وطني من فلسطة الصراع وحرف البوصلة
بقلم:رئيس التحرير
تمرّ القضية الفلسطينية في واحدة من أخطر مراحلها التاريخية، ليس فقط بفعل العدوان الإسرائيلي المتواصل، وإنما نتيجة ما يطفو على السطح من مظاهر توتر داخلي ينذر بإمكانية الانزلاق نحو الفتنة والفوضى، وما يرافق ذلك من محاولات خطيرة لـ«فَلسطَنة الصراع» وتحويله من صراع تحرري مع الاحتلال إلى صراع داخلي يخدم أهدافه ويحقق له ما عجز عن تحقيقه بالقوة العسكرية.
ما يجري في محافظات الوطن يجب التوقف عنده بقدر عالٍ من المسؤولية الوطنية. فالاحتلال الإسرائيلي يواصل، دون توقف، سياسة الاجتياحات اليومية، واستباحة الدم الفلسطيني، وفرض العقوبات الجماعية، وتدمير البنية التحتية، بالتوازي مع حرب إبادة جماعية مفتوحة في قطاع غزة، واعتداءات ممنهجة على القدس والمسجد الأقصى، وتصعيد غير مسبوق بحق الأسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال.
في هذا السياق الخطير، يصبح أي انحراف عن بوصلة الصراع مع الاحتلال تهديدًا مباشرًا لوحدة الشعب الفلسطيني، ولجوهر القضية الوطنية. إن الممارسات الإسرائيلية القائمة على إنكار حق تقرير المصير، والتوسع الاستيطاني الإحلالي، وفرض سياسة الضم الزاحف، تتطلب من الفلسطينيين جميعًا، قوى وفصائل ومؤسسات، استجماع الجهود وتوحيد الصف، لا الانجرار إلى صراعات داخلية تستنزف الطاقات وتفتح الأبواب أمام الاحتلال.
الفتنة الداخلية: الهدية المجانية للاحتلال
إن أخطر ما نواجهه اليوم هو محاولات دفع الواقع الفلسطيني نحو الفلتان الأمني والفوضى، عبر تغذية الاحتقان الداخلي، وتأجيج الخطاب التحريضي، بما يعيد إنتاج مشاهد الانقسام التي دفع الشعب الفلسطيني ثمنها سياسيًا ووطنيًا على مدار سنوات. فالتجارب السابقة أثبتت أن الفوضى الداخلية لا تنتج سوى مزيد من الضعف، وأن المستفيد الوحيد منها هو الاحتلال، الذي يستغلها ذريعة لتوسيع اجتياحاته، وضرب البنية الوطنية، وتقويض أي إمكانية لبناء مشروع تحرري موحد.
الدم الفلسطيني دمٌ مقدس، ولا يجوز استباحته تحت أي ظرف أو ذريعة. ودقة المرحلة وخطورتها تفرض أعلى درجات ضبط النفس، والحفاظ على السلم الأهلي، وتمتين الجبهة الداخلية، باعتبارها خط الدفاع الأول في مواجهة الاحتلال ومخططاته.
حكومة اليمين الفاشي وتصعيد غير مسبوق
تعمل حكومة الاحتلال اليمينية المتطرفة، برئاسة بنيامين نتنياهو، وبمشاركة شخصيات فاشية مثل إيتمار بن غفير وسومتيرش، على تنفيذ سياسات عقابية غير مسبوقة بحق الشعب الفلسطيني، لا سيما الأسرى والمعتقلين، في انتهاك صارخ لاتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني. كما تستمر هذه الحكومة في فرض واقع جديد في القدس، عبر محاولات التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى، في مسعى واضح لتهويد المدينة وفرض الأمر الواقع بالقوة.
غزة والصمود الذي يجب البناء عليه
إن الصمود الأسطوري الذي تسطره غزة، والثبات الشعبي الفلسطيني في مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية، يمثل رصيدًا وطنيًا جامعًا لكل الفلسطينيين، ويجب التعامل معه باعتباره نقطة انطلاق لإعادة بناء المشروع الوطني، لا مادة للمزايدات أو الانقسام. لقد فشلت آلة الحرب في كسر إرادة الشعب الفلسطيني، لكن الخطر يكمن في إهدار هذا الصمود عبر خلافات داخلية وحسابات ضيقة.
إعادة ترتيب البيت الفلسطيني ضرورة وطنية
نحن أمام مفصل تاريخي يتطلب إعادة ترتيب البيت الفلسطيني على أسس وطنية جامعة. فقرار محكمة العدل الدولية، الذي أكد أن فلسطين أرض محتلة وطالب بإنهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره، يشكل فرصة سياسية وقانونية مهمة، تستوجب الانتقال من إدارة سلطة مقيدة بالاحتلال إلى مشروع دولة، عبر إصلاح المؤسسات، وتجديد الشرعيات، وتشكيل حكومة إنقاذ وطني قادرة على مواجهة استحقاقات المرحلة.
كما أن الفجوة القائمة بين الشارع الفلسطيني ومؤسسات الحكم تتطلب مراجعة جدية للأسباب والمسببات، ومعالجة حقيقية تعيد بناء الثقة، لا الاكتفاء بإدارة الأزمات.
قضية الأسرى جوهر التحرر الوطني
إن الأسرى الفلسطينيين هم أسرى حرية، وأسرى حرب، تنطبق عليهم اتفاقيات جنيف الثالثة والرابعة، وليسوا «إرهابيين» أو «قضايا اجتماعية». وأي تصريحات غير مسؤولة تمس مكانتهم الوطنية أو تقلل من قضيتهم، تشكل إساءة للنضال الفلسطيني وتخدم الرواية الإسرائيلية.
الخلاصة: وحدة الصف قبل فوات الأوان
إن الدعوات التي تستهدف وحدة الشعب الفلسطيني، وتدفع نحو الفوضى والفتنة، تصب مباشرة في مشروع تصفية القضية الفلسطينية. المطلوب اليوم هو وحدة الصف، ووحدة الموقف، ووحدة الخطاب السياسي والإعلامي، والاصطفاف حول هدف وطني جامع: إنهاء الاحتلال، وإفشال مخططات الضم والتهويد، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.
ففي هذه المرحلة المفصلية، إما أن نكون في خندق وطني واحد، أو نترك الساحة لمشاريع لا تخدم إلا الاحتلال.
المحامي علي أبو حبلة




