الافتتاحيهرئيسي

«دافوس 2026»… عالم يتغيّر خارج القواعد القديمة

«دافوس 2026»… عالم يتغيّر خارج القواعد القديمة

بقلم رئيس التحرير 

اختتم المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس أعماله لهذا العام وسط إدراك دولي بأن النظام الاقتصادي العالمي يدخل مرحلة انتقالية معقدة، لا تقتصر على مؤشرات السوق والنمو، بل تمتد إلى التكنولوجيا والتجارة والثروة والمكانة الجيوسياسية للدول الكبرى. وقد بدا واضحاً من الجلسات الختامية أن النظام الدولي لن يعود إلى ما قبل جائحة كورونا ولا ما قبل الحرب في أوكرانيا، ولا إلى مرحلة العولمة التي سادت العقدين الأولين من القرن الحالي.

الصدمة التجارية الأكبر منذ 80 عاماً

في مؤشر لافت، حذّرت المديرة العامة لمنظمة التجارة العالمية نجوزي أوكونجو إيويالا من أن قطاع التجارة تعرّض لـ«أشد صدمة منذ 80 عاماً»، في اعتراف يُعَدّ الأول من نوعه من قبل المنظمة بأن القواعد التي وُضعت بعد الحرب العالمية الثانية باتت عاجزة عن ضبط الواقع الحالي.

فالتجارة اليوم محكومة بالاعتبارات الأمنية والتكنولوجية وسلاسل التوريد الحساسة، أكثر مما هي محكومة بمنطق السوق والمنافسة. وإن كان العالم قد شهد منذ 2008 انتقالاً بطيئاً نحو الحمائية، فإن السنوات الأخيرة دشّنت مرحلة جديدة عنوانها «التجارة داخل التكتلات» لا «التجارة المفتوحة». وفي هذا السياق تُقرأ ترتيبات الولايات المتحدة مع حلفائها في مجال أشباه الموصلات والطاقة والمواد الحيوية، بما يكرّس انتقال النظام التجاري من مؤسسية عالمية إلى منطق «اقتصاد النفوذ».

الذكاء الاصطناعي: السيطرة والتنظيم والتنافس الدولي

لم يكن حضور الذكاء الاصطناعي في دافوس تقنياً، بل سياسياً واستراتيجياً. فمع تحوّله إلى عنصر قوة دولية، باتت مسألة تنظيمه العابرة للحدود تحدياً يتجاوز قدرات الدول والكيانات الإقليمية. وقد أكدت إيويالا صراحة أن «لا دولة أو منطقة يمكنها بمفردها تحمل مسؤولية تنظيم الذكاء الاصطناعي»، في إشارة إلى أن قواعد النظام الدولي للتكنولوجيا لم تُكتب بعد.

ويأتي هذا في ظل سباق محموم بين الولايات المتحدة والصين على التفوق، وبين أوروبا وواشنطن على الهيمنة التنظيمية. فبينما تتمسك بروكسل بمنطق حماية المجتمع من تفرّد الشركات التكنولوجية الكبرى، تعتمد واشنطن مقاربة تحفّز الابتكار وتتحفظ على القيود، فيما تواصل بكين بناء نموذج تكنولوجي سيادي مستقل.

الثروة والتفاوت وانكماش الثقة

أما رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد فركزت على قضية تزداد تهديداً للنظم السياسية والاقتصادية: التفاوت في الثروة. إذ لم يعد السؤال اقتصادياً حول كيفية توزيع المكاسب، بل اجتماعياً وسياسياً وأخلاقياً حول قدرة النظام الرأسمالي على الاستمرار من دون قاعدة اجتماعية متماسكة.

وفي ظل صعود معدلات الفقر وتآكل الطبقات الوسطى في الشرق والغرب معاً، فإن التفاوت لم يعد مجرد مؤشر، بل عامل زعزعة للاستقرار السياسي، يُنتج الشعبوية في الغرب والاحتجاجات في الجنوب العالمي، ويعمّق من أزمة الثقة بين الدول وشعوبها وبين الحكومات والأسواق.

العلاقة الأمريكية ـ الأوروبية: من الخلافات إلى إعادة هندسة الشراكة

ورغم أن دافوس لم يُخصّص للعلاقة عبر الأطلسي، فإن خطاباته ومداخلاته لم تخف وجود إعادة ترتيب هادئة بين واشنطن وبروكسل. فقد برزت ثلاثة ملفات رئيسية:

الطاقة والتحول الأخضر: الولايات المتحدة تستثمر في التكنولوجيا والطاقة النظيفة، فيما تدفع أوروبا ثمناً اقتصادياً وسياسياً للتحول الأخضر بعد الحرب الأوكرانية ومع ارتفاع تكاليف الطاقة.

الذكاء الاصطناعي والبيانات: أوروبا تنطلق من منطق حماية المجتمع، والولايات المتحدة من منطق حماية الابتكار، ما يجعل مستقبل التنظيم التكنولوجي رهينة التوازن بينهما.

الصين عامل ضغط: إذ تدفع واشنطن أوروبا لمزيد من التشدد، بينما تحاول بروكسل الحفاظ على مصالحها التجارية.

هذه الديناميات لا تعكس خلافاً عابراً، بل إعادة هندسة لشكل الشراكة عبر الأطلسي في عالم متعدّد الأقطاب، حيث لم تعد الهيمنة الأمريكية مفروغاً منها، ولا الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي حلماً مثالياً.

الخاتمة: دافوس بعد 2026… عالم ما بعد العولمة

في المحصلة، يدفع دافوس هذا العام إلى الاعتراف بأن العالم يعيش «ما بعد العولمة التقليدية»، وأن المرحلة المقبلة ستكون محكومة بالتكنولوجيا والأمن القومي والاعتبارات الجيوسياسية أكثر من كونها محكومة بالتجارة والأسواق.

وإن كانت رسائل المنتدى قد دعت إلى مزيد من الحوار والثقة، فإن الطريق إلى ذلك يمر عبر إدارة التفاوت والثروة، وضبط الذكاء الاصطناعي، وإعادة تعريف العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا، وفتح نقاش جدي حول مستقبل النظام الاقتصادي الدولي.

إن استعادة الثقة ليست عنواناً دبلوماسياً لطيفاً، بل شرطاً ضرورياً لمنع انتقال العالم من مرحلة التعددية إلى مرحلة التصادم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب