فلسطينيو الداخل يصعّدون ويستلهمون من هباتهم التاريخية

فلسطينيو الداخل يصعّدون ويستلهمون من هباتهم التاريخية
الناصره / وديع عواودة
الناصرة- : تتواصل الاحتجاجات داخل أراضي 48 على استشراء الجريمة وتواطؤ الشرطة الإسرائيلية معها، وسط استعدادات لمظاهرة كبرى مساء السبت المقبل في قلب تل أبيب. وفي التزامن، أضربت الأربعاء مدينة طمرة قضاء عكا على هدى مدينة سخنين، على الخلفية ذاتها.
ومنذ بدء العام الجاري وقعت 26 جريمة قتل في البلدات العربية، السواد الأعظم منها بيد عصابات إجرام تعيش الفساد والترهيب دون حسيب أو رقيب، آخرها قتل صاحب سوق سيارات في بلدة يركا الثلاثاء.
وشهد العام الفائت رقمًا غير مسبوق في عدد الجرائم، حيث قُتل 250 شخصًا عربيًا في إسرائيل، ولم تقم شرطة إيتمار بن غفير بفك رموز إلا 15% منها، ما يعني أن القتلة والمجرمين يبقون طلقاء دون ردع، بينما تبلغ نسبة جرائم القتل في الضفة الغربية أقل من خمس هذا الرقم، كما يؤكد لـ «القدس العربي» الناطق بلسان الشرطة الفلسطينية العميد لؤي رزيقات.
ويشدّد رزيقات على دور الردع والتوعية والإجراءات الوقائية المانعة التي تقوم بها الشرطة الفلسطينية، وعلى دور المحاسبة والمحاكم الفلسطينية في ذلك، مما يسلّط الضوء على تآمر الشرطة الإسرائيلية وينسف مزاعم أن العنف «عقلية عربية».
قيادي في 48: استمرار هذا النزيف سيدفع الشباب للهجرة
وأرسل رئيس المتابعة العليا الدكتور جمال زحالقة مذكرة لرؤساء ومحاضري الجامعات الإسرائيلية، يدعوهم فيها إلى القيام بـ»واجبهم الأخلاقي» والانضمام إلى نضال المواطنين العرب الفلسطينيين في إسرائيل ضد الجريمة وعصابات الإجرام، ولإجبار حكومة بنيامين نتنياهو على القيام بواجباتها القانونية لمكافحة الجريمة بدلًا من التواطؤ معها.
وفي محاولة لاستثمار الهبة الشعبية الواسعة داخل أراضي 48، التي انطلقت شرارتها من مدينة سخنين قبل أسبوع، أعلنت لجنة المتابعة العليا، الهيئة السياسية الأعلى لدى فلسطينيي الداخل، عن تشكيل هيئة طوارئ بمشاركة فعاليات شعبية وخبراء في التسويق والإعلام، بهدف تنظيم وتصعيد الاحتجاجات.
حشد و»فزعة»
وشرعت هذه الهيئة في عملية التحشيد والتنظيم، والمساهمة في صياغة خطة وبرنامج عمل يتجاوز ثقافة «الهبة الشعبية الموضوعية» أو «الفزعة»، نحو نضال دائم مثابر وفعّال يشمل كافة القوى الأهلية تحت راية واحدة، كما أكد لـ «القدس العربي» القيادي في المتابعة ومركز عمل هيئة الطوارئ إبراهيم حجازي من مدينة طمرة.
ودعا حجازي الشباب في البلدات العربية داخل أراضي 48 إلى التطوع والمشاركة في تنظيم الاحتجاجات ودعمها بكل الوسائل المتاحة، مشددًا على أن هذه معركة على ماضي وحاضر ومستقبل فلسطينيي الداخل، وعلى مكتسبات تاريخية مهمة في العلم والعمل والبقاء والتطور والهوية.
وقال: «استمرار هذا النزيف سيلحق ضررًا فادحًا بكل منجزاتنا، ويصب الماء على طاحونة من يحلم بهجرة شبابنا إلى الخارج بحثًا عن وطن في الغربة».
كما دعا حجازي بقية البلدات العربية في الجليل والمثلث والساحل والنقب إلى الانضمام للإضراب العام وللخطوات الاحتجاجية على طريق سخنين وطمرة، منبهًا إلى ضرورة تنظيم الهبات في مبادرة موحدة ونقلها إلى الحلبة القطرية، كي لا تبقى محلية ومتفرقة.
تاريخ من الهبّات
يُشار إلى أن مدينة طمرة تقع في قضاء عكا، وكانت تُعد قبيل نكبة 1948 أقل من ألفي نسمة، لكنها تُعد اليوم نحو 36 ألف نسمة، بفضل الزيادة الطبيعية واستقبالها أعدادًا كبيرة من المهجّرين الوافدين من بلدات مهجّرة مثل الرويس والبروة، والدامون والحدثة وغيرها. وهم لاجئو الداخل بعد النكبة، والذين يشكّلون نحو 50% من سكانها، ويعيشون بانسجام ووئام مع السكان الأصليين في البلدة، كما هو الحال لدى جارتها بلدة كابول.
وتتفاوت روايات التسمية، فهناك من يقول إنها من تمرة لكثرة أشجار النخيل فيها، فيما ترى رواية أخرى أنها تسمية كنعانية، وتقول رواية ثالثة إنها محرّفة من اسم روماني قديم «كفر تيمارات».
وفي نظرة إلى الخلف، شهدت مسيرة فلسطينيي الداخل هبات شعبية محلية وقطرية على خلفيات مختلفة، جرى رفدها في أحيان كثيرة بتكافل منظّم من قبل بقية البلدات، فيما بقيت أحيانًا «فزعة» دون تنظيم.
من أولى هذه الهبات، هبة شعبية داخل مدينة عكا عام 1950، احتجاجًا على سياسات التقنين الإسرائيلية وعدم توفر حاجات أساسية كالخبز والحليب. تلتها هبة أكبر في بلدة كفرمندا عام 1954، احتجاجًا على مشروع إسرائيلي لتحويل سهل البطوف في الجليل إلى بحيرة تكون خزانًا للمياه قبل نقلها إلى صحراء النقب لأغراض الري والزراعة.
واقتضى المشروع الإسرائيلي، الذي رأى فيه سكان منطقة البطوف العرب خطة صهيونية خبيثة للاستيلاء على أراضيهم، إخلاء بلدة كفرمندا بالكامل ونقلها إلى مكان آخر، أو توزيع سكانها على بلدات أخرى، كونها تقع في أطراف السهل الخصب المعدّ ليكون بحيرة.
العميد رزيقات لـ«القدس العربي»: نسبة جرائم القتل في الضفة أقل من خمس الداخل
واحتج أهالي كفرمندا، فتظاهروا وبعثوا المذكرات والعرائض، وانضم إليهم سكان بلدات حوض البطوف (سخنين، عرابة، دير حنا، عيلبون، العزير، رمانة وعرب الهيب)، مطالبين بعدم مصادرة الأرض، مصدر دخلهم الوحيد.
لكن الحكومة الإسرائيلية أصرت على مبتغاها، وشرعت شركة المياه «مكوروت» بعمليات مسح أراضي سهل البطوف، وعندما قدم المسّاحون إلى بلدة كفرمندا تصدى لهم الأهالي وهبّوا دفاعًا عن ديارهم، فدفعت الشرطة الإسرائيلية بقواتها المعززة واعتقلت الرجال واقتادتهم سيرًا على الأقدام إلى مقر شرطة شفا عمرو على بعد 7 كيلومترات.
وعندها تصدت نساء كفرمندا للمسّاحين وقوات الشرطة ومنعن مسح البيوت، في يوم صمود مشهود، يوم 13.12.1954. وبفعل ردة فعل الأهالي، ترددت السلطات الإسرائيلية في بناء مشروع البحيرة وتنازلت عنه بعد عام، بعدما رُفعت إليها تقارير مهنية تشكك بقدرة التربة هناك على صيانة المياه وعدم امتصاصها.
ويروي الباحث في التاريخ والتراث قاسم بدارنة من مدينة عرابة البطوف تفاصيل كثيرة عن تلك الحادثة في كتابه الجديد «صفحات من تاريخ عرابة وسهل البطوف».
صفحات من التاريخ
ويتوقف بدارنة في كتابه عند قيام السلطات الإسرائيلية في مطلع الستينيات ببناء «مشروع المياه القطري» البديل لمشروع البحيرة، وهو بمثابة قناة مياه عملاقة تنقل حتى اليوم مياه بحيرة طبرية إلى صحراء النقب، وكانت العملية الفدائية الأولى قد استهدفته في اليوم الأول من عام 1965، اليوم الرسمي لانطلاق الثورة الفلسطينية.
ويوضح بدارنة لـ «القدس العربي» أن أهالي منطقة البطوف بذلوا الكثير من الجهود لمنع مرور قناة «مشروع المياه القطري» من أراضيهم في سهل البطوف، لأنها تسببت بمصادرة آلاف الدونمات، وطالبوا بأن تكون القناة جوفية. ويضيف بدارنة: «بيد أن السلطات الإسرائيلية رفضت وأصرت على تمرير القناة عبر سطح الأرض، وصادرت مساحات واسعة من الأراضي، وعرضت على أصحابها تعويضًا زهيدًا، ورفض كثيرون تلقيه».
كما يوضح بدارنة أن الأهالي أبلغوا السلطات الإسرائيلية آنذاك أن تمرير القناة في باطن الأرض في منطقة البطوف أقل كلفة، علاوة على نجاة الأرض من المصادرة، لكنها رفضت، وسرعان ما تبيّن فعلًا أن نفقات الحراسة والصيانة للقناة فوق الأرض أكبر مما لو كانت في باطنها.
وفي عام 1958 شهدت مدينة الناصرة هبة شعبية واسعة في الذكرى العاشرة للنكبة، بعدما ضغطت السلطات الإسرائيلية على الأهالي للاحتفال بالذكرى العاشرة لـ «استقلال إسرائيل». وجاء ذلك تزامنًا مع «يوم العمال»، الذي قاد الحزب الشيوعي الإسرائيلي فيه احتجاجات سرعان ما تحولت إلى مواجهات دامية مع الشرطة الإسرائيلية، التي حاولت قمع المتظاهرين بقوة مفرطة واعتقلت عددًا كبيرًا منهم، وسرعان ما قدم أهالي بلدات كثيرة في الجليل إلى الناصرة للمشاركة في المواجهات، التي انتقلت خلال ذلك اليوم إلى بلدة أم الفحم في منطقة المثلث.
هبّة يوم الأرض
وشهد عام 1976 هبة «يوم الأرض» احتجاجًا على قيام السلطات الإسرائيلية بمصادرة أراضٍ عربية وتهويد الجليل، وكانت الشرارة قد اندلعت في منطقة البطوف، التي باتت تُعرف بلداتها الثلاث المركزية، سخنين وعرابة ودير حنا، بـ «مثلث يوم الأرض». وسرعان ما انتشرت نار الاحتجاجات من البحر إلى النهر، واستشهد فيها ستة شباب فلسطينيين، وأصيب العشرات واعتقل المئات.
وفي يوم الأرض، الذي باتت ذكراه الخمسون وشيكة (30.03.1976)، أصبح هذا اليوم مناسبة وطنية فلسطينية، بل عربية، يُحتفى بها سنويًا.
وتفجّرت هبة كبرى في تشرين الأول / أكتوبر 2000، عُرفت بهبة القدس والأقصى، احتجاجًا على اقتحام وتدنيس شارون المسجد الأقصى، استشهد فيها 13 فلسطينيًا في أراضي 48، وجُرح واعتقل المئات.
وتكررت الهبة الشعبية في أيار / مايو 2021، التي عُرفت بـ «هبة الكرامة»، انتصارًا للقدس واحتجاجًا على محاولة تهويد حي الشيخ جراح وتهجير سلوان.
كل هذه الهبات وغيرها تؤكد أن التربة خصبة للعمل الجماعي والتكافل، ودائمًا هناك حاجة إلى فلاح ماهر ينجح في استثمارها، وتنظيم الاحتجاج وإدامته، وتنجيع وسائله، يقول إبراهيم حجازي، محقًا، داعيًا الشباب إلى استغلال لغتهم الرقمية للتعبئة والتنظيم.
“القدس العربي”



