مقالات

حرية التعبير: أين تبدأ وأين تنتهي؟بقلم د. سعيد الشهابي

بقلم د. سعيد الشهابي -البحرين -

حرية التعبير: أين تبدأ وأين تنتهي؟

بقلم د. سعيد الشهابي -البحرين –

السجال حول مقولة حرية التعبير جديدة قديمة. وبرغم تواصل الحديث عنها ما تزال حدودها غير واضحة ليس فقط في الدول المحكومة بأنظمة الاستبداد بل حتى في دول ما يسمى العالم الحر.
وهناك عدد من الأبعاد لهذه القضية. أولها: ما عمق قناعة الأنظمة الحاكمة بواجبها لحماية تلك الحرية. ثانيها: ما مدى التزام الأنظمة بمبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي تمثل حرية التعبير حجر الزاوية فيه. ثالثها: حدود تلك الحرية، أين تبدأ وأين تنتهي. رابعها: العوامل الضاغطة على الأنظمة لحماية تلك الحرية أو السماح بها. ويخطئ من يعتقد أن هذه الحرية متاحة بشكل مطلق في دول العالم الحر. فبرغم ما يبدو من وجود صحافة حرة ووسائل إعلامية تسمح بقدر من التعبير، فإن هناك تناغما بين كافة القوى التي تشكل أنظمة هذا العالم. وكما يقال فإن الإعلام يمثل السلطة الرابعة، ومتصل كذلك بالنظام السياسي الحاكم. كما أنه مرتبط بأجهزة السياسة والدفاع والاقتصاد والثقافة. ويفترض أن يكون هذا الإعلام حاميا للقيم والمبادئ التي تقوم عليها تلك الأنظمة. وحتى لو سُمح بقدر أوسع من الحرية في مجال التعبير فسرعان ما تتفاعل ردود فعل القوى الأخرى لضمان بقاء تلك الحرية ضمن الأطر العامة للأنظمة. ولطالما طرح الفلاسفة والمفكرون الغربيون مقولات لحماية حرية التعبير. ويُعتبر الفيلسوف جون ستيوارت ميل (1806 ـ 1873) من أوائل الفلاسفة الغربيين الذين نادوا بحرية التعبير عن أي رأي، إذ قال: «إذا كان كل البشر يمتلكون رأيًا واحدًا وكان هناك شخص واحد فقط يملك رأيا مخالفًا فإن إسكات هذا الشخص الوحيد لا يختلف عن قيام هذا الشخص الوحيد بإسكات كل بني البشر إذا توفرت له القوة». ونسب للمفكر الفرنسي فولتير قوله: «قد أختلف معك في الرأي، ولكني على استعداد أن أموت دفاعاً عن رأيك «. ولخّص القرآن الكريم حرية الرأي بالآية الكريمة: «لكم دينكم ولي دين» التي تشمل حرية المعتقد والرأي والموقف معًا. مع ذلك ذلك فإن كل شيء في الحياة يحتاج لضوابط أخلاقية وقيمية من أجل الحفاظ على تماسك المجتمع وحمايته من الابتعاد عن الصواب.
في الشهور الأخيرة وبالتحديد منذ بداية العدوان الإسرائيلي على غزة تعرضت تلك الحرية لامتحانات صعبة. وما تزال وسائل الإعلام الغربية في صراع واسع بين التزامها الأخلاقي لحماية حرية التعبير من جهة والضغوط السياسية من أجهزة الأمن والاستخبارات الاحتواء مشاعر الغضب في الأوساط الشعبية الناجمة عن العدوان الإسرائيلي من جهة أخرى. ذلك الغضب عبّر عن نفسه بشكل واضح وبليغ في الاحتجاجات العملاقة التي اجتاحت المدن الغربية على نطاق غير مسبوق. وهنا تعرضت القيم الغربية لامتحان صعب. فالاحتجاجات تجسيد عملي لمقولة حرية التعبير ويفترض أن تحظى بعناية واحترام من قبل الأجهزة الحاكمة. وفي الوقت نفسه تخشى تلك الأجهزة من تأثير تلك الاحتجاجات على الرأي العام. فهذا الرأي العام لا يمكن تجاهله لأنه ينعكس على صناديق الاقتراع عندما تحين الانتخابات. هذا برغم حقيقة موازية بأن الناخب الغربي لا يهتم كثيرا بالسياسة الخارجية لحكوماته، بل أن جُلّ همِّه يتركّز على أوضاعه المعيشية. غير أن هناك عددا من العوامل التي يخشى الساسة تأثيرها على الرأي العام. أولها: طول أمد العدوان الإسرائيلي على غزة وعجز المجتمع الدولي عن وضع نهاية له برغم ما يقال عن اتفاقات لوقف إطلاق النار بين الحين والآخر. الثاني: شراسة العدوان الإسرائيلي الذي أدى لمعاناة شديدة وجرائم غير محدودة بحق أبناء غزة. ثالثا: أن للإعلام دوره في إبقاء الاهتمام الشعبي مرتبطا بما يجري في غزة. وحتى لو تجاهل الإعلام شبه الرسمي ما يجري كما يحدث في الغرب في الوقت الحاضر فإن لوسائل التواصل الاجتماعي وتوسع استخدام الهواتف المحمولة التي تصور الحدث لحظة بلحظة وتبث ذلك عبر تلك الوسائل دورا يحول دون تجهيل الجماهير بحقيقة ما يجري. رابعا: توسع نشاط المنظمات الحقوقية والإغاثية المهتمة بما يجري في غزة وتصريحات مسؤوليها بشكل متواصل عما يشاهدونه يوميا في شوارع غزة وفي أنقاضها، الأمر الذي يحرّك مشاعر العالم ويضاعف الضغوط على حكوماته لاتخاذ مواقف فاعلة لوقف حمامات الدم.

من الناحية النظرية يُفترض أن تتاح الفرصة للجميع للتعبير عن آرائهم ومواقفهم، سواء قولا أو كتابة أو احتجاجا. ويُفترض أن يكون الرأي العام حاكما للمواقف السياسية، بمعنى أن الحكومات الحرّة يجب أن تعبّر عن مواقف مواطنيها. ولكن في ظل وجود قوى غير ظاهرة في هذه الدول، ضمن مسمّى «الدولة العميقة» فإن سياسات الحكومات لا تخضع للمزاج الشعبي العام، بل لما ترسمه تلك القوى. وهذا واضح من السياسات التي انتُهجت في الشهور الأخيرة لمنع انتشار رأي عام في المجتمعات الغربية يطالب بوقف إطلاق النار في غزة، ويتناغم مع ضحايا العدوان الإسرائيلي، ويطالب الدول الغربية بوقف إمدادات السلاح للقوات الإسرائيلية التي تمارس جرائم ضد الإنسانية على نطاق واسع. وتمثل ظاهرة الاحتجاجات المنتشرة في الجامعات الأمريكية تصاعد الوعي الطلابي على نطاق لا تستطيع النخب الحاكمة تحمّله أو الاستجابة لمطالبه. ويمكن القول إن خسارة «إسرائيل» على صعيد الرأي العام بلغت ذروتها، ولم يسبق أن تشوّهت سمعتها إلى ما بلغته هذه المرة. هذا برغم أن الاحتجاجات لم تكن عنيفة ولم تستهدف اليهود عمليا، بل انصب اهتمامها على شجب السياسات الإسرائيلية. وهنا يمكن طرح ملاحظات ثلاث: أولا: أن القوى الخفيّة المؤترة على الإعلام في أمريكا وأوروبا تسعى لمنح الحكومة الإسرائيلية حصانة ليس لها مثيل. فهي تعتبر أن شجب سياسات الاحتلال يعني اعتداء على اليهود، برغم أن الموقف هنا سياسي وليس أيديولوجيا أو دينيا. ثانيا: أن هناك مبالغة في الحديث عن «معاداة السامية» وذلك بمساواة انتقاد كيان الاحتلال وسياساته بمعاداة السامية. ثالثا: السعي الحثيث لحصر مفهوم «السامية» باليهود مع أنه يشمل العرب أيضا، لأن الطرفين ينحدران من نسل سام بن النبي نوح. ولا يُستخدم هذا المصطلح عندما يتعرض العرب للاعتداء من أي طرف. هذه الانتقائية في استخدام المصطلحات وتطبيقاتها لا يخدم الحقيقة ولا يساهم في احتواء الأزمة.
الملاحظ بشكل واضح أن الحكومات الغربية التزمت موقفا واضحا لمنع شجب السياسات الإسرائيلية، وأصبحت تستخدم مقولات غير حقيقية لمحاصرة ذلك التوجه. فرئيس الوزراء البريطاني يدعو قيادات الجامعات لـ «حماية الطلاب اليهود» برغم عدم حدوث أي عدوان عليهم. وعلى العكس من ذلك سعت القيادات الإسلامية لمد الجسور مع المنظمات والهيئات اليهودية سواء بزيارة معابدهم أو عقد الاجتماعات معهم، بهدف منع حدوث توتر بين الأديان السماوية. صحيح أن الطلاب في بعض الجامعات البريطانية أقاموا مخيمات صغيرة احتجاجا على سلوك «إسرائيل» في عدوانها على غزّة، لكنها لم تبلغ الحجم نفسه الذي وصلت إليه الاضطرابات في بعض الجامعات الأمريكية. وعلى العكس من ذلك قالت مجموعة «تِل ماما» التي تراقب حوادث الاعتداءات على المسلمين وتدعم الضحايا، إنها رصدت زيادة في الحوادث ضد المسلمين في الجامعات. هذا التوجه لتكميم الأفواه يتناقض مع توجهات حكومية قبل ثلاثة اعوام لمواجهة محاولات تقليص حرية التعبيرفي الجامعات البريطانية.
وفي شهر فبراير 2021 قال وزير التربية غافن ويليامسون، إنه «قلق للغاية في شأن التأثير المروّع لحالات كمّ الأفواه والرقابة غير المقبولة على الحياة الجامعية» مضيفاً: «لذا علينا تعزيز حرية التعبير في التعليم العالي من خلال تشديد الواجبات القانونية الحالية، وضمان اتخاذ إجراءات قوية وصلبة في حال انتهاكها». هذه الرغبة تناقضها توجهات الحكومة حاليا لمحاصرة حرية التعبير والتجمع في الجامعات، بعد أن تصاعد التعاطف الطلابي مع غزّة.
وما تزال «حرية التعبير» سلاحا يستخدمونه ضد مناوئيهم عند الحاجة. إنه مبدأ لا تكتمل حقوق الإنسان بدونه. فما قيمة أي إنسان إذا عطّلت مشاعره وحرّيّته وتم تكميم فمه؟
ولماذا تكتظ السجون بالبشر الذين لم يرتكبوا جرمًا سوى التعبير السلمي عن الرأي؟

كاتب بحريني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Thumbnails managed by ThumbPress

جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب