مقالات
استنتاجات أولية لما يدور في سورية وينتظر المنطقة بقلم الاستاذ الدكتور رياض العيسمي -استاذ جامعي -السويداء -سوريا-
بقلم الاستاذ الدكتور رياض العيسمي -استاذ جامعي -السويداء -سوريا-

استنتاجات أولية لما يدور في سورية وينتظر المنطقة
بقلم الاستاذ الدكتور رياض العيسمي -استاذ جامعي -السويداء -سوريا-
لم يكن لدي أي وهم بأن الحل للأزمة السورية كان يمكن أن يحصل دون توافق كامل لكافة الأطراف الدولية والإقليمية الفاعلة في هذه الأزمة،. وهي الولايات المتحدة الأمريكية، روسيا، تركيا، إيران، وإسرائيل. فمنذ أن دخلت روسيا على خط هذه الأزمة قبل أكثر من عشرة أعوام والمقترحات والمقاربات تتوالى دون الوصول إلى أي اتفاق بالرغم من وجود قرار الأمم المتحدة رقم ٢٢٥٤ لحل هذه الأزمة. وعندما حصل التوافق تم حل الأزمة بأقل من عشرة أيام، ودون الحاجة لقرار مجلس الأمن. وأيضا لم يكن لدي أدنى شكك بأن النظام السوري كان لينتهي دون أن ترفع إسرائيل الغطاء عنه. فبقاء النظام ارتبط ببقاء الحدود آمنة مع إسرائيل منذ أن عقد النظام معها اتفاقية فك الاشتباك عام ١٩٧٤. وكانت إسرائيل قد أجهضت محاولتين أمريكيتين من قبل لاسقاط النظام السوري. كانت الاولى في عام ٢٠٠٥ بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري وخلال نشوة النصر باحتلال العراق وسقوط نظام الرئيس صدام حسين. وذلك تمهيدا لفرض مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي كان الهدف الأساسي للمحافظين الجدد. والمرة الثانية كانت في عام ٢٠١١ بعد أن دعم الرئيس أوباما ما عرف بالربيع العربي وكمحاولة لانجاح مشروعه “الشرق الأوسط الجديد”. ولكن عندما حان الوقت بالنسبة لإسرائيل لإسقاط النظام السوري بانتهاء مرحلة اللا حرب واللا سلام، التي عاش عليها النظام وجاءت مرحلة السلام التي لا يصلح النظام لها، أبلغت إسرائيل الولايات المتحدة برغبتها بإسقاطه. وبالفعل سقط في أقل من خمسة أيام أكبر نظام دكتاتوري أمني في المنطقة حكم سورية بالحديد والنار لأكثر من خمسين عاما. وكان نتنياهو قد بشر بمشروع جديد في المنطقة يغير خارطة الشرق الأوسط. وما حصل في سورية هو ليس إلا البداية. والسؤال هو لماذا حصل كل هذا الأن وبهذه السرعة؟ والجواب باختصار: كل هذا حصل بسبب طوفان الأقصى الذي وقع قبل أكثر من عام، والآن قبل عودة الرئيس ترمب إلى البيت الأبيض بعد أكثر من شهر بقليل.
التاريخ لا يعيد نفسه، ولكن أحداثه تتناغم. فلولا هجوم منظمة القاعدة على الولايات المتحدة في ١١ سيبتمبر-أيلول عام ٢٠٠١، لما كان للولايات المتحدة أن تحتل العراق وافغانستان وتخطط لتحقيق أهداف مخفية. وكذلك لولا عملية طوفان الأقصى التي نفذها الجناح العسكري في حركة حماس على إسرائيل في ٧ أكتوبر -تشرين أول، لما استطاع نتنياهو وجناح اليمنيين المتدينين في حكومته من تمرير اجتياح غزة وتهجير أهلها واحتلالها وتعزيز القبضة على الضفة الغربية. وكذلك الدخول في عملية عسكرية في جنوب لبنان ومثلها مؤخرا في سورية كمقدمة لإعادة ترسيم الحدود مع البلدين. فمنذ استلام هيئة تحرير الشام زمام الأمور في سورية منذ سقوط النظام وهروب رئيسه بشار الأسد في السابع والعشرين من الشهر الماضي، تشرين، ٢٠٢٤، تزايدت وتوسعت دائرة الأعمال العسكرية الإسرائيلية بشكل ملحوظ ضد سورية. هذا بالرغم من تعهد السيد أحمد الشرع، قائد العمليات العسكرية التي أسقطت النظام، أكثر من مرة عدم نية القيادة السورية الجديدة بالدخول في مواجهات عسكرية مع اي من دول الجوار.. ومع هذا دخلت القوات العسكرية الاسرائيلية في الجزء المتبقي لسورية من هضبة الجولان وكذلك دخلت إلى المنطقة الفاصلة في حضر ومسعدة وريف القنيطرة التي كانت تستقر فيها قوات الطوارئ الدولية التابعة للأمم المتحدة التي تمركزت فيها بناء على اتفاقية فك الاشتباك التي عقدتها الحكومة السورية مع إسرائيل في عام ١٩٧٤. كما ودمرت إسرائيل في هذه الفترة الوجيزة، منذ سقوط النظام، معظم قدرات الجيش السوري الجوية والصاروخية وسلاح المدرعات وفقا للمعلومات التي أفاد بها العديد من الخبراء العسكريين العرب والأجانب. كما ودمرت إسرائيل مصانع ومخازن الأسلحة البيولوجية والكيمياوية المتبقية من مخزون الجيش السوري بعدما تم تفكيكها بتوافق أمريكي إسرائيلي سوري برعاية روسية عام ٢٠١٤ عندما تجاوز بشار الأسد خطوط الرئيس أوباما الحمراء بإستخدامه الأسلحة الكيمياوية ضد الشعب السوري في الغوطة الشرقية. كما ولم يعرف حتى اللحظة العدد الحقيقي للعلماء المتخصصين في هذا المجال الذين اغتالتهم إسرائيل منذ سقوط النظام. جاء كل هذا بعد ان ترك رئيس النظام بشار الأسد الجيش وهرب حسب المعلومات المتوفرة حتى اللحظة إلى روسيا. وحصل فيها على اللجوء الإنساني بقرار شخصي من الرئيس بوتين ، وليس اللجوء السياسي من الحكومة الروسية. وهذا بحد ذاته له الكثير من الدلالات حول ما يمكن أن تكون قد حصلت عليه روسيا مقابل تخليها عن الأسد. ويطرح امكانية التخلص منه بالمستقبل القريب مقابل ضمان الحكومة الجديدة لهذه المكتسبات، واستمرار علاقة الصداقة مع روسيا.
بعد ان هرب بشار الاسد وترك الجيش السور ي مكشوفا ومواقعه مخترقة، تسابق إسرائيل الزمن لكي تدمر كل ما تبقى من قدرات هجومية وحتي دفاعية عند الدولة السورية كما فعلت مع حزب الله في لبنان وقبل وصول الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض ويبدأ من حيث انتهى بصفقة القرن وما عرف بالسلام الإبراهيمي. الذي يعتمد بشكل اساسي على التطبيع بين كل الدول العربية وإسرائيل مقابل تحسين الظروف الاقتصادية والمعاشية للفلسطينيين. إن نتنياهو يحاول أن يفرض واقعا جديدا على الارض في كل من لبنان وسورية يؤدي إلى عقد معاهدات سلام بين البلدين كسلة واحدة متكاملة. وذلك بعد فرض جغرافية جديدة للحدود بين إسرائيل و البلدين. وبهذا سيجد الرئيس القادم في لبنان، والذي من المرجح بانه سيكون قائد الجيش العماد جوزيف عون، نفسه امام استحقاقات تطبيق القرارات الدولية، ١٧٠١، ١٩٥٩، و ١٦٨٠. وذلك بعد الفترة التي وضعت لانتخاب الرئيس، والتي ستبدأ في التاسع من الشهر القادم. و قد تستغرق عدة جلسات لمجلس النواب. وذلك لأن انتخاب قائد الجيش سيحتاج تعديلا دستوريا يتطلب تأييد ٨٥ عضوا . ويتبع انتخابه تشكيل حكومة جامعة. وهذه الفترة الزمنية تتناغم مع تحديد فترة ثلاثة أشهر للمرحلة الانتقالية للحكم في سورية، حتى الأول من آذار من العام القادم ، يؤكد على ضرورة وجود رئيس وحكومة جديدة في سورية تجاوبا مع الاستحقاق الرئاسي والحكومي في لبنان لانطلاق عملية التسوية والصلح.
وأخيرا، هناك العديد من المؤشرات تدلل على رغبة الولايات المتحدة وإسرائيل لضرب ومحاصرة الميليشيات العراقية بغرض حلها واعادة تشكيل الجيش والنظام. وأيضا لن يكون نظام الملالي في إيران بمنأى عن التغيير كما ألمح الرئيس ترامب وأكد احد أنصاره في مجلس الشيوخ لقادة المعارضة الإيرانية قبل يومين. إلا أن إيران لم تخرج من المولد بلا حمص كما يسري الاعتقاد. فالمعلومات التي رشحت بأنها ستحصل على النووي كما حصلت عليه باكستان والهند بشروط صارمة. وذلك لأن استراتيجية الولايات المتحدة الجديدة بعد عزل روسيا عن الصين بإنهاء الحرب الاوكرانية كما وعد ترمب، تقتضي وجود ايران المعتدلة في خندق الولايات المتحدة في مواجهة الصين المنافس الأول. ومثلما هي تركيا بحكم الإسلام السياسي فيها تشكل صمام الآمان بين الشرق الأوسط وأوروبا. أما نتنياهو ليس لديه شاغل أهم من مشروع قيام الدولة اليهودية في إسرائيل ودعم تشكيل دول دينية جديدة في منطقة الشرق الأوسط على شاكلتها. وأما الفلسطينيين لن يبق لهم في هذه الحالة إلا الله مرجعا والأردن وطنا بديلا. قد تستطيع القوة أن تصنع التاريخ، لكنها لا يمكن أن تعيد عجلة الزمن إلى الوراء. ولهذا جل ما نتمنه أن يستمر الشعب السوري والقيادة الجديدة بالتفهم بعضهم بعضا حتى انجلاء الأمور. وأخذ الحيطة والحذر. وممارسة أقصى درجات الصبر والنفس الطويل. فالمرحلة القادمة ستكون دقيقة وحرجة.