المؤرخ اليهودي المختطف “كيربيتشينوك” ونهاية “إسرائيل”!

المؤرخ اليهودي المختطف “كيربيتشينوك” ونهاية “إسرائيل”!
بكر أبوبكر
فقط بالأمس سمعت باسم المؤرخ الروسي الإسرائيلي “أرتيوم كيربيتشينوك” ولا شك أن في هذا تقصير مني بالإطلاع فهو يمثل واحدًا من عدد من الكتاب القلائل الذين يحملون رواية مختلفة عن السردية الإسرائيلية سواء المفعمة بالأسطورية التوراتية الخرافية، أو تلك الصهيونية العنصرية أي على غرار ما يفعل “إيلان بابيه” و “شلومو زاند” الإسرائيليان الآخران، والمنبوذان مثل كيربيتشينوك من الأوساط اليهودية في الكيان لروايتهم العلمية والفكرية والتاريخية التي تقف مع الحق الفلسطيني ومع اليهود معًا.
سمعت باسم المؤرخ والكاتب “كيربيتشينوك” عندما كنت أقرأ مقالًا يذكر الاختفاء الغامض لكاتب روسي يهودي إسرائيلي، حيث وصل الكاتب لمطار اللد مطلع هذا الشهر (شهر 8 للعام 2026م) لحضور فعالية ثقافية ولم يصل الى وجهته؟! وسط ترجيحات اعتقاله من “الشاباك”!
فما القصة؟
“أرتيوم كيربيتشينوك” المؤرخ والفيلسوف الذي نشأ في بيئة اشتراكية علمانية في الاتحاد السوفيتي ثم هاجر الى الكيان وعمره 16 عامًا وخدم في الجيش الإسرائيلي بغزة، ثم بعد صراع فكري وإنساني عميق فيما هو تناقض بين ما يحمله وما رآه بالمجتمع اليهودي الإسرائيلي المتناقض والطبقي والعرقي بحسب المؤرخ نفسه قرر تطليق الكيان الذي رآه “مجتمع يكره فيه الجميع بعضهم بعضًا”، واستنتج أنه “لايوجد شيء يوحد الإسرائيليين سوى الحرب مع الفلسطينيين” وصولًا لتنبؤه بزوال الصهيونية الحتمي كما الحال مع النازية وغيرها.
يعد كتاب “كيربيتشينوك” المعنون “إسرائيل الطريق الى الكارثة/الهاوية” من أبرز انتاجاته والتي لربما قادت الى اعتقاله حتى الآن في الكيان.
أما المؤرخ الإسرائيلي “إيلان بابيه” الغني عن التعريف، والذي التقيناه أكثر من مرة في رام الله ، فلقد انتقل الى إنجلترا للعمل قبل 20 عامًا تقريبًا نتيجة التضييق عليه وإرهابه من المحيط الجامعي في الكيان. “بابيه” المناهض للصهيونية والاستعمار وهو الأصل برأيه أصدر أكثر من كتاب عن فلسطين و”إسرائيل” كان أشهرها كتابه العظيم المعنون “التطهير العرقي في فلسطين” عام 2006م، الذي يتحدث عن الخطة المعدة مسبقًا لاستعمار واحتلال فلسطين بالتفاصيل الإسرائيلية ذاتها، منذ حصول التطبيق للخطة عام 1947م وهو أيضًا يطرح فكرة زوال “إسرائيل” بكتاب جديد يضاف للتطهير العرقي وكتاب 10 خرافات عن “إسرائيل” عام 2017، وكتاب “تاريخ فلسطين الحديثة: أرض واحدة، شعبان” عام 2003.
كتاب “بابيه” الجديد عنوانه الطويل هو ” “إسرائيل” على حافة الهاوية: والثورات الثماني التي قد تؤدي إلى إنهاء الاستعمار والتعايش” صدر عام 2025م.
مما يقوله “بابيه” بهذا الكتاب أنه “بصفتي مؤرخًا، أشير إلى أن زوال “إسرائيل” يبدو أنه قد بدأ بالفعل. وزوال دولة أو انهيار كيان جيوسياسي يخلق فراغًا. لذا، فإن النقاش حول أسباب زوال الدولة أو الظروف التي يحدث فيها ذلك، سيتبعه بحث في من وماذا يمكن وينبغي أن يملأ هذا الفراغ الحتمي. وكلما سُرع في ملأ الفراغ، تراجع عنف عملية التفكك.”
ودون أن يحدد متى وكيف يقول أيضًا ” المشروع الصهيوني ينهار، ومعه دولة “إسرائيل” كدولة يهودية. هذا ليس مجرد تمنيات أو سيناريو أسوأ الاحتمالات. إنه أمر لا مفر منه، ليس لأنني أتبنى رؤية حتمية للتاريخ أو لأنني أملك كرة بلورية، بل لأنه يحدث بالفعل، حتى لو لم يُنشر عنه.”
يتحدث كلا الكاتبين ل”بابيه” و”كيربيتشينوك” عن الزوال الإسرائيلي ليس بالمنطق المسيحاني (المسياني) أي ذلك المولع بالأساطير وعودة المسيح (كما حال المسيحية الصهيونية واليهودية المسيانية) وإنما بتحليل سياسي بنيوي وتاريخي، أو بتفكيك تاريخي وليس نتيجة التجربة الشخصية فقط لأي منهما.
لقد رأى “كيربيتشينوك” التفكك الطبقي الاجتماعي بين اليهود العرب والشرقيين مقابل الغربيين الاستعلائيين حتى الآن عليهم فكل يعيش لوحده ما أنتج طبقية وعنصرية شديدة فيما رأى “بابيه” التفكك السياسي التاريخي نتيجة صعود اليمين الإرهابي المتطرف وانهيار عملية السلام والإبادة في غزة (2023) وحين يكتشف كيربيتشينوك أن الصهيونية فكرانية (أيديولوجيا) مضللة وستسقط عاجلًا أم آجلًا فإن “بابيه” يتقدم الى الأمام ليرى أن إنهاء الاستعمار في فلسطين حتمي كما حصل في جنوب إفريقيا ويوغسلافيا.
وفي مسار التفكير بالحل فإن الأول أي المؤرخ المعتقل يرى أن يبدأ الإسرائيليون تعلم اللغة العربية والتحول التدريجي ليكونوا “فلسطينيين جيدين” أحسن لهم، وبالمقابل أن يدرس الفلسطينيون والعالم الإسلامي المجتمع الإسرائيلي بعمق لفهم الخصوم جيدًا ومواجهتهم كما فعلت أمريكا مقابل الاتحاد السوفيتي.
“بابيه” لا يأبه كثيرًا بالسردية الإسرائيلية الرسمية ويتقدم الى الأمام حثيثًا بمطالبته بثورات ثمان منها إعادة وضع حق العودة للاجئين الفلسطينيين في صميم الرؤية المستقبلية، والأخرى بضرورة تعريف جديد للهوية اليهودية في فلسطين (التاريخية)، ومن هذه الثورات يضع خطة لمستقبل المستوطنات بالضفة، كما يطرح استراتيجية جديدة للحركة الوطنية الفلسطينية الموحدة وصولًا للثورة الثامنة بتصوره (تخيله) لمستقبل أكثر عدلًا من خلال دولة ديمقراطية متحررة من الاستعمار لكل الفلسطينيين والإسرائيليين.
نعود للمختفي أو المختطف حديثًا داخل الكيان المؤرخ اليهودي الإسرائيلي الروسي “كيربيتشينوك” وفي سؤال له عن: “لماذا لا نرى حراكًا حقيقيا أو صوتًا قويا للأكاديميين داخل “إسرائيل” يرفض حرب الإبادة في غزة أو السياسات الصهيونية عموما؟”
يقول (في لقائه مع قناة الجزيرة شهر 3 عام 2026م ) هناك ثلاثة أسباب رئيسية من وجهة نظره:
الأول هو الفساد، حيث روضت الصهيونية عقول النخبة بلقمة العيش والوجاهة الطبقية.
السبب الثاني هو أنه إذا تحدثت ضد الصهيونية فسوف تدفع الثمن، ولن يدعمك أحد، ستصفك وسائل الإعلام بأنك “مُعادٍ للسامية”، وسينصرف عنك أصدقاؤك. نفسيا، هذا أمر صعب للغاية.
ثالثا، في “إسرائيل” الجميع مقيدون بالدم، الجميع يخدم في الجيش، لذلك، فإن وجود حركة حقيقية ضد النظام والإبادة الجماعية هو أمر مستحيل في “إسرائيل”.
بكر أبوبكر




